
كان ابني عنده 11 سنة لما دسّ لي منديل تحت ترابيزة السفرة مكتوب عليه: «ماما، متشربيش منه. لازم نمشي.» ابتسمت عشان جوزي وحماتي ما يشكوش في حاجة، وبعدت عن الشاي. وبعد كام دقيقة، لقيت ورقة في مكتب جوزي، مكتوب عليها 3 مواعيد بالفعل. ساعتها جسمي كله تلج، لما فهمت إنه كان محدد بالظبط إيه اللي المفروض يحصل لي الليلة دي.
ابني اللي عنده 11 سنة دسّ لي ورقة تحت ترابيزة السفرة.
«ماما، متشربيش منه. لازم نمشي.»
كانت السبع كلمات مكتوبة بحبر أزرق مهزوز على طرف منديل ورق.
ابني الصغير يوسف زقّ المنديل ناحيتي من تحت الترابيزة من غير ما يبص لي.
لثواني، نسيت حتى أتنفس.
قصادي كان جوزي أحمد، قاعد بمنتهى الهدوء بيتفقد حاجة على موبايله. وجنبه كانت أمه، حماتي الحاجة فاطمة، بترتب الخضار المشوي في طبقها كأنها قاعدة على سفرة عادية في يوم هادي.
كنا بنقضي عطلة نهاية الأسبوع في بيت حماتي في قرية هادية قريبة من رأس البر.
غرفة السفرة كانت دافية ومريحة. صوت المطر كان بيخبط بهدوء على الشبابيك، والنار كانت مولعة في المدفأة.
كل حاجة كانت شكلها هادي وطبيعية.
لحد ما عيني وقعت على الكوباية السيراميك الزرقاء الموجودة قدامي مباشرة.
حماتي فاطمة ابتسمت لي.
«يا منى، اشربي الشاي قبل ما يبرد. أنا عملته مخصوص عشانك.»
جبرت نفسي أبتسم لها، وأنا بحاول أخبي الرعشة اللي بدأت تسري في إيدي.
«نوعه إيه يا حماتي؟»
حكايات شروق خالد
ابتسمت حماتي ابتسامة واسعة وقالت:
«ده شاي بالنعناع يا حبيبتي، وحطيتلك معلقة عسل زي ما بتحبي.»
هزيت راسي وأنا بضحك ضحكة صغيرة مصطنعة.
«تسلمي يا حماتي.»
إيدي قربت من الكوباية، لكن قبل ما ألمسها، بصيت ناحية يوسف.
كان قاعد ساكت، مطأطئ راسه، وبيحرك المعلقة في طبقه كأنه مشغول بالأكل.
لكن أنا كنت عارفة ابني كويس.
يوسف عمره ما كان بيكتب لي حاجة بالشكل ده من نفسه.
كان فيه حاجة حصلت.
حاجة خوّفته.
رفعت الكوباية من بعيد، وقربتها من شفايفي من غير ما أشرب، وبعدين حطيتها تاني.
أحمد رفع عينه من الموبايل.
«مالك؟»
ضحكت.
«ولا حاجة، بس الشاي سخن أوي.»
حماتي بصت لي ثواني زيادة عن اللزوم، وبعدين قالت:
«سيبيه يبرد شوية.»
الجملة كانت عادية، لكن إحساسي قال لي إن فيه حاجة غلط.
مديت إيدي للعيش وبدأت آكل، وأنا بحاول أتصرف طبيعي.
تحت الترابيزة، لمست رجل يوسف برجلي.
هو انتفض لحظة، وبعدها بص لي بسرعة.
حركت شفايفي من غير صوت:
«إيه اللي حصل؟»
هز راسه بالنفي.
وبعدين حط إيده في جيبه.
من غير ما حد ياخد باله، طلع ورقة صغيرة تانية ودسها في إيدي.
فتحتها تحت الترابيزة.
«بابا كان بيتكلم مع جدتي. سمعتهم بيقولوا إن الليلة لازم تخلص.»
قلبي دق بعنف.
بصيت ناحية أحمد.
كان بيضحك مع أمه.
«بكرة الصبح هننزل بدري يا أمي، مش عايز أتأخر.»
ردت فاطمة:
«مفيش داعي تستعجل. أهم حاجة الليلة.»
ثبتت عيني عليها.
الليلة؟
ليه الليلة بالذات؟
وبعدين أحمد قال حاجة خلت الدم يهرب من وشي.
«الساعة عشرة كل حاجة هتكون خلصت.»
فاطمة سكتت.
وبصت له نظرة سريعة.
نظرة فهمت منها إنهم بيتكلموا عن حاجة أنا مش المفروض أعرفها.
بصيت للساعة اللي على الحيطة.
كانت الساعة تسعة إلا عشر دقايق.
حاولت أهدى.
يمكن أنا بفهم غلط.
يمكن يوسف سمع نص كلام وفهمه بطريقة تانية.
لكن ليه الشاي؟
وليه حماتي أصرت إني أشربه؟
وليه أحمد كل شوية يبص للساعة؟
رفعت الكوباية تاني.
أحمد قال فجأة:
«هتشربيه ولا لأ؟»
اتجمدت.
ابتسمت وقلت:
«آه طبعًا.»
قربت الكوباية من بوقي، لكن بدل ما أشرب، عملت نفسي بكح.
«استنى بس… حلقي ناشف.»
حطيت الكوباية على الترابيزة.
أحمد ضيق عينيه.
«إنتِ كويسة؟»
«آه، كويسة.»
في اللحظة دي، يوسف وقع الشوكة من إيده.
صوتها خبط في الطبق.
حماتي اتعصبت:
«يوسف! خلي بالك يا ابني.»
يوسف انحنى يجيبها، وفي نفس اللحظة همس لي:
«ماما… متشربيش.»
حسيت إن جسمي كله اتشل.
بعد دقيقتين، استأذنت إني أدخل الحمام.
وقفت قدام المراية، وغسلت وشي بالمية، وأنا بحاول أجمع أفكاري.
خرجت من الحمام، لكن بدل ما أرجع للسفرة، وقفت في طرقة البيت.
باب مكتب أحمد كان مفتوح شوية.
مش عارفة ليه، لكن حاجة جوايا شدتني ناحيته.
دخلت بسرعة.
المكتب كان ضلمة، ماعدا نور صغير جاي من الأباجورة.
بدأت أدور بعيني.
مفيش حاجة.
لحد ما شفت ورقة بيضا فوق المكتب.
مشيت ناحيتها.
مسكتها.
وكان مكتوب عليها بخط أحمد:
9:30 — الشاي
9:45 — يوسف في أوضته
10:00 — منى تكون غير قادرة على المقاومة
10:15 — الاتصال بالدكتور
إيدي بدأت ترتعش.
قريت السطر التالت مرة.
ومرة تانية.
«منى تكون غير قادرة على المقاومة.»
يعني إيه؟
اتصال بالدكتور؟
أي دكتور؟
وليه؟
سمعت صوت خطوات في الطرقة.
جريت حطيت الورقة مكانها، ووقفت ورا الباب.
دخل أحمد.
وقف قدام المكتب.
وبص للورقة.
اتأكد إنها مكانها.
وبعدين طلع موبايله واتصل بحد.
قال بصوت واطي:
«أيوه… هي لسه ما شربتش.»
سكت شوية.
وبعدين قال:
«بس هتشرب. أنا هخليها تشربها غصب عنها لو لزم الأمر.»
حط إيده على المكتب.
«الساعة عشرة زي ما اتفقنا.»
قفلت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش.
أحمد خرج من المكتب.
استنيت ثواني.
وبعدين خرجت وراه على أطراف صوابعي.
رجعت السفرة، وقعدت مكاني كأن مفيش حاجة حصلت.



