روايات وقصص

الخدامة اللي غيّرت حياة زعيم المافيا المقعد حكايات شروق خالد

قصر عيلة الجبالي كان بيغير الخدم بسرعة غريبة. ولا واحدة كانت بتقدر تكمل أكتر من تلات أيام. كانوا بيمشوا بسبب الصريخ، أو الزجاج اللي بيتكسر، أو النظرة الفاضية في عيون آسر الجبالي. لكن في يوم وصلت ليلى. بنت هادية، غلبانة، ومفيش قدامها أي اختيار تاني. هي ما كانتش تعرف أي حاجة عن الصراعات دي.

 

وما كانش فارق معاها غير شغلها.

هي كانت محتاجة فلوس الإيجار.

ليلى ما كانش عندها رفاهية الخوف.

الخوف إحساس بيملكه بس اللي عارف بكرة هيجيب أكل منين.

وقفت ليلى قدام البوابة الحديد الضخمة لقصر عيلة الجبالي، والمطر كان مغرق هدومها الرقيقة، والجاكت المبلول لازق في كتافها.

الجزمة كانت بتسرب مية.

وورقة الطرد من الشقة، المطوية جوه جيبها، كانت حاساها أتقل من البنطلون المبلول اللي لازق في رجليها.

ورا البوابة، وفي آخر طريق طويل متعرج، كان واقف قصر ضخم مبني من الحجر الغامق، وشبابيكه مغطاة بزجاج معتم.

المكان كان شكله أقل ما يكون بيت، وأكتر ما يكون حصن.

ليلى ضغطت على الإنتركم وقالت اسمها.

البوابة اتفتحت.

دخلت.

أول ما وصلت للمدخل الكبير، شمت ريحة ملمع الليمون والفلوس القديمة.

كانت مديرة القصر، الست وداد، مستنياها تحت سلم خشب كبير من الماهوجني.

شعرها الرمادي كان مربوط في كحكة مشدودة بشكل مؤلم، وبصت لههدوم ليلى المبلولة، وبعدها للمية والطين اللي بيتجمع حوالين جزمتها.

وقالت ببرود:

“إنتِ أصغر من اللي أنا طلبته.”

ردت ليلى:

“أقدر أشيل خمستين كيلو. ومش بشتكي، ومش بسأل أسئلة.”

خبطت الست وداد بضوافرها المرتبة على الملف اللي في إيدها.

“المكتب اللي بعتك ما قالكيش إنتِ جاية بيت مين، صح؟”

“قالولي الشغل براتب مجزي، والدفع كاش. ده كل اللي كنت محتاجاه.”

قالت وداد وهي بتراقب وشها:

“ده بيت آسر الجبالي.”

استنتجت إنها هتشوف الخوف في عينيها.

لكن مفيش حاجة حصلت.

ليلى أصلًا ما كانتش بتتابع الأخبار.

هي كل اللي كانت تعرفه إن الشغل مش بيكفي إيجار شقة صغيرة مليانة عفن.

كملت وداد:

“الأستاذ آسر اتعرض لحادث من ست شهور. ومن وقتها فقد القدرة على تحريك رجليه. ولسه مش قادر يتأقلم مع الوضع.”

سكتت لحظة، وبعدها كملت:

“إنتِ هتجيبي له أكله، وتساعدي السواق في نقله من السرير للكرسي والعكس وقت الحاجة، وتحافظي على أوضته نضيفة.”

وقفت وبصت لها.

“ولا واحدة كملت أكتر من تلات أيام. آخر بنت هربت وهي بتعيط قبل الضهر في تاني يوم شغل.”

وبنبرة حاسمة قالت:

“ولو سبتي الشغل، مرتب الأسبوع كله هيروح. فاهمة؟”

ردت ليلى من غير تردد:

“مش هسيبه.”

مدت وداد إيدها وناولتها مريلة بيضا.

“خدي الغدا واطلعي فوق. الدور التالت. آخر أوضة في الطرقة. خَبطي مرة واحدة، وما تستنيش رد. هو مش هيرد.”

كانت الصينية تقيلة، عليها فراخ محمرة، وخضار مطهو على البخار، وإبريق قهوة سادة.
#حكايات_شروق_خالد
طلعت ليلى السلم.

الدور التالت كان ضلمة.

الستاير التقيلة كانت قافلة على ضوء النهار، والطرقة الطويلة غرقانة في شبه عتمة.

وصلت لباب الأوضة الخشب الكبير.

وازنت الصينية على جنبها وخبطت مرة واحدة ودخلت.

الأوضة كانت ريحتها خانقة، مزيج من الهوا الراكد، والمطهرات، والغضب.

كانت أوضة ضخمة، لكنها في نفس الوقت تخنق اللي يدخلها.

هدوم مرمية على أجزاء من السجادة الفارسية، وكتب مكسورة الأطراف متكومة جنب المدفأة.

آسر الجبالي كان قاعد في آخر الأوضة قدام الشباك المغطي بالمطر.

كتافه كانت عريضة وقوية، بقايا جسم راجل كان زمان قادر يفرض وجوده.

رجليه كانت ثابتة تحت بطانية صوف.

شعره الأسود كان طال لدرجة إنه بقى بيلف حوالين رقبته.

قفلت ليلى الباب وراها.

قال آسر من غير ما يلف:

“قولتلك مش هاكل الزبالة دي.”

حطت ليلى الصينية على الترابيزة الصغيرة جنب السرير.

لف آسر كرسيه بعنف.

الحركة المفاجئة خلت ليلى ترمش، لكنها ما رجعتش لورا.

كان أصغر مما توقعت.

يمكن أوائل التلاتينات.

وشه حاد، وفكه بارز، وعينيه غامقة وغائرة.

وفي أثر جرح طويل معدي فوق حاجبه الشمال.

بص لها بغضب صريح.

“إنتِ مين؟”

“ليلى. الخدامة الجديدة.”

“اخرجي.”

صبّت ليلى القهوة بهدوء.

“الست وداد قالت إنك لازم تاكل.”

“قولت اخرجي.”

اتحرك آسر بكرسيه لقدام.

العجل علِق في السجادة التقيلة.

زاد غضبه.

خبط بإيده على مسند الكرسي.

“إنتِ طرشة؟”

حطت ليلى القهوة قدامه.

وبصت له.

شافت راجل مرعوب من عجزه، ومستخبي ورا غضبه علشان يغطي إحساسه بالإهانة.

كانت شافت حاجة شبه كده قبل كده في أبوها، بعد ما المصنع استغنى عنه والبنك أخد بيتهم.

قالت بهدوء:

“هرجع بعد ساعة آخد الأطباق. لو رميتها في الحيطة، هنضفها. بس الأكل بتاعك.”

وخرجت.

فضل آسر باصص للباب المقفول.

ولا حد قبل كده كلمه بالطريقة دي.

ولا حد بص له من غير ما يخاف.

برا الأوضة، وقفت ليلى لحظة وأخدت نفس طويل كانت حابسته.

اليوم الأول بدأ.

تاني يوم الصبح، الست وداد كانت تقريبًا بتقيس في دماغها ليلى هتستحمل لحد إمتى.

دخلت ليلى القصر الساعة ستة الصبح.

المطر كان وقف، لكن ساب وراه برد قارس.

ربطت المريلة وحضرت شوفان، وفاكهة مقطعة، واتنين قرص مسكن، وقهوة.

ضهرها كان بيوجعها من المرتبة اللي نامت عليها والزنبركات المكسورة فيها.

وصوابعها كانت مجروحة من تنظيف أطراف الحيطان في اليوم اللي فات.

ما كانش عندها طاقة لخناقة نفسية.

كان عندها شغل لازم يتعمل.

خبطت مرة على باب آسر ودخلت.

الأوضة كانت أبرد من اليوم اللي قبله.

النار في المدفأة كانت طافية.

آسر كان صاحي ولبس بنطلون غامق وبلوفر أسود.

شكله كأنه ما نامش من أسبوع.

بدأت ليلى ترتب الفطار من غير ما تتكلم.

آسر كان بيراقبها.

حركاتها الهادية والمنظمة كانت مستفزاه.

كل اللي اشتغلوا عنده قبل كده كانوا بيتوتروا حواليه.

يتلجلجوا.

يغلطوا.

يخافوا.

لكن ليلى كانت بتتصرف كأن وجوده مش فارق معاها.

قال:

“أنا مش باكل شوفان.”

“ده اللي الطباخ عمله.”

“مش فارق معايا هو عمل إيه.”

حرّك آسر كرسيه ناحية الترابيزة.
#حكايات_شروق_خالد
ومن غير ما يبعد عينيه عنها، مد إيده للصينية الفضية.

وبحركة واحدة زقها.

الصوت دوّى في الأوضة.

الطبق اتكسر على الأرض.

الشوفان اتناثر على السجادة.

والقهوة وقعت على أطراف الحيطة.

رجع آسر بضهره.

واستنى.

كان مستني دموع.

خوف.

اعتذار.

أو إنها تجري.

كانت دي طريقته.

يكسر حاجة.

الناس تمشي.

وده كان واحد من أشكال القوة القليلة اللي لسه قادر يمارسها.

ليلى بصت للأرض.

وبعدين بصت له.

ملامحها ما اتغيرتش غير بنظرة ضيق بسيطة.

دخلت الحمام ورجعت بمناديل ومقشة وجاروف.

ونزلت على ركبتها وبدأت تنظف.

صرخ آسر:

“إنتِ غبية؟ أنا عملت كده متعمد!”

ردت من غير ما ترفع عينيها:

“عارفة.”

“أمال بتنضفي ليه من غير ما تشتكي؟”

مسحت ليلى الشوفان من على السجادة وقالت:

“هو إنت زعلان ولا إنت بس محتاج الفلوس أوي؟”

سكتت لحظة وقالت:

“الاتنين، يمكن.”

قال آسر ببرود:

“أقدر أطردك دلوقتي. أقدر أنادي كريم وأخليه يرميكي في الشارع.”

وقفت ليلى.

وبصت له.

“اعملها.”

آسر عقد حاجبيه.

“إيه؟”

قالت بصوت مرهق أكتر منه متحدي:

“اطردني. قول لكريم يرميني بره.”

أخدت نفس وقالت:

“لو ما دفعتش الإيجار قبل يوم الجمعة، حاجتي كلها هتترمي في الشارع. وساعتها هنام في عربيتي. ولو العربية اتسحبت، هنام في ملجأ.”

وبصت في عينيه مباشرة.

“إنت فاكر شوية قهوة على الأرض يخوفوني؟ فاكر صويتك ده ممكن يجرحني؟”

وبهدوء قالت:

“يا أستاذ آسر، مع كامل احترامي… نوبات غضبك دي بالنسبة لي فسحة، مقارنة بحياتي الحقيقية.”

فضل آسر باصص لها.

وفجأة جسمه خانه.

تشنج عنيف مسك رجله اليمين.

الإشارات التالفة في الحبل الشوكي خلت رجله تنتفض بعنف وترتفع لفوق وتخبط في الترابيزة.

مسك آسر فخده بإيديه الاتنين، وحاول يثبت رجله.

ألم حارق انتشر في عضلات هو أصلًا مش قادر يحس بيها بشكل طبيعي.

قفل عينيه.

وخرجت منه آهة مكتومة.

كان متوقع ليلى تخاف.

لكن إيديها الدافية غطت رجله.

نزلت على ركبها قدامه وضغطت بإيديها فوق إيديه، واستخدمت وزن جسمها علشان تثبت رجله على مسند الكرسي.

قالت بهدوء:

“خد نفس.”

“ما تلمسينيش.”

“بلاش تقاوم. إنت كده بتخليها أسوأ.”

ضغطت أكتر وقالت:

“خد نفس عميق… احبسه… ودلوقتي طلعه بالراحة.”

العرق ظهر على جبين آسر.

التشنج استمر حوالي تلاتين ثانية.

وبعدين بدأ يهدى تدريجيًا.
#حكايات_شروق_خالد
رجله بقت تقيلة وساكنة تاني.

آسر وقع بضهره على الكرسي.

فضلت ليلى قدامه، وإيديها لسه خفيفة على ركبته.

مفيش شفقة.

ولا رعب.

هي بس كانت بتتعامل مع المشكلة اللي قدامها.

وقفت، لمّت المناديل الوسخة وحطتها في الزبالة.

وقالت:

“هجيب إسفنجة وأنضف السجادة.”

وخرجت.

فضل آسر لوحده.

ولأول مرة من ست شهور…

ما حسش إنه وحش.

حس إنه بني آدم.

عدّى يومين كاملين.

وفي الساعة خمسة وخمسة وأربعين دقيقة الصبح، دخلت ليلى المطبخ.

كانت الست وداد بتشرب شاي جنب الحوض.

وفي ورقة عشرين دولار محطوطة على رخامة المطبخ.

جنبها كان واقف كريم.

راجل جسمه ضخم لدرجة إنه كان شبه التلاجة، والبدلة السودا كانت مشدودة على كتافه.

ومناخيره كانت باينة إنها اتكسرت أكتر من مرة.

قالت وداد:

“رهان.”

بصت ليلى للفلوس.

“الطباخ كان متأكد إنك هتمشي امبارح بعد الضهر. كريم راهن إنك هتكملي يومين.”

كريم أخد الفلوس.

وقال:

“إنتِ عنيدة يا بنت. وأنا بحترم العند.”

وبعدين ملامحه بقت جد.

“بس النهارده اليوم التالت.”

سكت لحظة وقال:

“الزعيم غالبًا بيبدأ اللعب في اليوم التالت.”

ليلى بصت له.

“صباح الخير ليك إنت كمان.”

قال كريم:

“أنا بتكلم جد. امبارح رمى الأكل وعمل نوبة غضب. النهارده هيحاول يدخل جوا دماغك.”

“هو لاعب شطرنج. لو القوة ما نفعتش، بيدور على نقطة ضعفك.”

ردت ليلى:

“أنا ما بلعبش شطرنج.”

فتحت التلاجة وقالت:

“أنا بنضف الرقعة بس.”

ابتسم كريم ابتسامة بسيطة وخرج.

ليلى بدأت تحضر الفطار.

الإيجار ميعاده بعد يومين.

ما ينفعش تخسر الشغل.

دخلت أوضة آسر في الدور التالت.

الأوضة كانت ضلمة.

آسر كان لسه في السرير.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى