روايات وقصص

زوجي كان واقف قدام قبره ج1 حكايات شروق خالد

بعد ست شهور من ما دفنت جوزي، شوفته واقف قدامي على بُعد كام خطوة من قبره، والمطر بينزل عليه من السما كأنه بيغسل المكان كله. كان عايش. ساكت. وبيتحركش. بس عينيه كانوا مثبتين عليا وأنا بعيط قدام قبره، على كذبة هو بنفسه سمحلي أعيش فيها ست شهور كاملة.

 

ست شهور وأنا بروح المقابر كل يوم جمعة، أقعد جنب قبره بالساعات وأكلمه كأنه سامعني.

كنت بقول له:

“أنا آسفة.”

“كان نفسي أكون جنبك.”

“مش عارفة أعمل إيه من غيرك.”

كنت بقول كل الكلام اللي جوا قلبي، وأنا متأكدة إن اللي قدامي حجر ورخام، وإن الراجل اللي بحبه راح ومش هيرجع تاني.

في اليوم ده، المطر كان شديد لدرجة إنه دخل جوه هدومي، وشعري اتبل، وإيدي كانت ساقعة وأنا بلمس اسمه المحفور على الرخام.

فضلت أبص للحروف.

“حسن المنشاوي.”

اسمه.

اسم جوزي.

الراجل اللي اتقال لي إنه مات من ست شهور في انفجار حصل في مخزن على طريق القاهرة ـ السويس.

قالولي إن الحريق كان رهيب.

قالولي إن الجثة ماكانتش كاملة.

قالولي إن كل حاجة خلصت.

وأنا صدقتهم.

شفت صور الحريق.

وشفت العربية اللي قالولي إنها عربيته.

واحد من رجالة حسن سلّمني شهادة الوفاة.

ومحاميه جه البيت ومعاه ورق كتير، وكلهم كانوا بيتكلموا معايا بصوت واطي، كأن أي كلمة ممكن توقعني.

وفعلًا وقعت.

حسن المنشاوي ماكانش راجل عادي.

الناس في الجرايد كانت بتقول إنه رجل أعمال كبير، عنده شركات ومخازن وأراضي وعقارات.

لكن اللي يعرف الحقيقة كان عارف إن الموضوع أكبر بكتير.

حسن كان زعيم عيلة كبيرة، والناس كانت بتخاف حتى تنطق اسمه قدام الغريب.

كان عنده رجالة في كل مكان.

وكان فيه ناس كتير مستعدة تعمل أي حاجة عشان ترضيه، وناس تانية كانت مستعدة تدفع أي تمن عشان تشوفه واقع.

بس أنا كنت أعرف حسن بشكل مختلف.

بالنسبة لي ماكانش الزعيم ولا رجل الأعمال.

كان الراجل اللي بيصحى قبلي الصبح ويعمل لي شاي.

الراجل اللي كان دايمًا يسيب مفتاح عربيته على الترابيزة ويقولي:

“لو احتجتي حاجة خديها وروحي، متستنيش حد.”

كان الراجل اللي ريحة برفانه كانت بتفضل في هدومي بعد ما يحضني.

كان جوزي.

وحبيبي.

وكل حياتي.

مسحت دموعي بإيدي، وبصيت للقبر وقلت:

“أنا آسفة إني لسه عايشة وإنت مش هنا.”

وفجأة الهوا اتحرك.

شد نفس من بعيد.

ريحة جلد.

ودخان.

وبرفانه اللي مستحيل أنساه.

خشب وعنبر.

قلبي وقف لحظة.

لا.

مستحيل.

الحزن أكيد لعب في دماغي.

غمضت عيني جامد.

وفجأة افتكرت أول مرة شوفته فيها.

كنت وقتها عندي أربعة وعشرين سنة، وبشتغل في مطعم كبير في القاهرة عشان أقدر أدفع إيجار الشقة ومصاريف الجامعة.

كنت راجعة من شيفت طويل، شايلة صينية مليانة كوبايات، ومش مركزة من التعب.

وأنا خارجة من قاعة خاصة، خبطت في راجل واقف قدامي.

الكوبايات مالت.

الصينية وقعت من إيدي تقريبًا.

لكن إيد قوية مسكتها قبل ما تقع.

وإيد تانية مسكت دراعي.

سمعت صوته لأول مرة.

“بالراحة.”

رفعت عيني.

كان أطول مني بكتير.

شعره أسود، ملامحه جامدة، وعينيه سودا بطريقة خلتني أنسى حتى إني كنت واقعة على الأرض من الخوف.

كان لابس بدلة سودا غالية، وساعتها ماكنتش أعرف إن تمن الساعة اللي في إيده لوحدها ممكن يشتري شقتنا كلها.

قلت بسرعة:

“أنا آسفة والله، ماكنتش واخدة بالي.”

بص للصينية، وبعدها بصلي.

وقال:

“واضح إننا الاتنين ماكناش واخدين بالنا.”

افتكرت إن دي جملة عادية.

ماعرفتش إنها هتغير حياتي كلها.

كان واقف وراه اتنين رجالة.

لبسهم أسود.

وشهم جامد.

واحد منهم حاطط إيده جوه جاكته طول الوقت.

أنا لاحظتهم، لكني ما اهتمتش.

وقتها كنت شايفة حسن مجرد راجل غني وغامض.

ماكانش عندي أي فكرة هو مين.

قال لي:

“إنتِ اتعورتي؟”

بصيت لإيدي.

كان فيه خدش صغير.

قلت:

“لا، حاجة بسيطة.”

مد إيده ناحيتي.

“وريني.”

ترددت.

وبعدين حطيت إيدي في إيده.

كانت إيده دافية.

وإيدي كانت بتترعش.

رفع عيني وقال:

“إنتِ بتخافي مني؟”

قلت من غير تفكير:

“شوية.”

لأول مرة ابتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا.

وقال:

“كويس.”

استغربت.

“كويس ليه؟”

قرب مني وقال بصوت منخفض:

“عشان الناس اللي مبتخافش مني عادةً بتكون أغبى من إنها تعرف تخاف.”

ساعتها ضحكت.

وهو كمان ضحك.

ومن اللحظة دي بدأت الحكاية.

حكاية بنت فقيرة وقعت بالصدفة في طريق راجل محدش كان يقدر يقف قصاده.

بعدها بأيام بدأ ييجي المطعم.

في الأول مرة.

وبعدين مرتين.

وبعدين بقى يطلب نفس الترابيزة كل مرة.

وأنا كنت بحاول أتصرف عادي.

لكني كنت ببص له من بعيد.

وهو كان بيبصلي أكتر.

لحد ما في يوم، خرجت من المطعم لقيته مستنيني.

قال:

“اركبي.”

قلت:

“فين؟”

“هتعرفي.”

“أنا مش بركب مع ناس معرفهاش.”

ابتسم.

“بعد كل اللي حصل بينا ولسه بتقولي ناس معرفهاش؟”

ضحكت غصب عني.

ركبت.

ومن يومها حياتي اتغيرت.

حسن حبني بطريقة خلتني أصدق إن الدنيا ممكن تكون رحيمة.

كان شديد مع كل الناس.

لكن معايا كان مختلف.

كان ممكن يقف قدام باب الشقة يستناني بالساعات لو زعلته.

كان لما أعيط يمسك وشي بإيده ويقول:

“قولي مين زعلك وأنا أتصرف.”

وأنا كنت دايمًا أقول:

“محدش.”

لحد الليلة اللي اكتشفت فيها إن جوزي مش مجرد رجل أعمال.

اكتشفت الحقيقة بالصدفة.

سمعت صوت صريخ في الدور الأرضي.

نزلت.

لقيت تلاتة رجالة قاعدين على الأرض.

وحسن واقف قدامهم.

وشه كان مختلف.

بارد.

مخيف.

والراجل اللي قدامه كان بيرجف.

قال لحسن:

“والله يا باشا ما كنت أقصد.”

حسن رد بهدوء:

“أنا مصدقك.”

وبعدين سكت لحظة.

“بس المشكلة إنك كنت عارف.”

وقتها فهمت إن الراجل اللي بحبه مش مجرد راجل غني.

كان فيه عالم كامل مستخبي وراه.

عالم خطر.

ومع ذلك، حسن عمره ما أذاني.

كان دايمًا يحاول يبعدني عن كل حاجة تخص شغله.

وكان كل ما أسأله:

“إنت بتعمل إيه بالظبط؟”

يقول:

“حاجات لازم متعرفيهاش.”

وكنت بصدقه.

لحد اليوم اللي مات فيه.

أو اليوم اللي قالوا لي إنه مات فيه.

فتحت عيني وأنا واقفة قدام قبره.

المطر كان لسه بينزل.

لكن الريحة كانت موجودة.

وبعدين سمعت صوت حصوة بتتحرك ورايا.

لفيت.

في البداية شفت راجل لابس بالطو أسود.

كتافه عريضة.

واقف بعيد.

ساكت.

اتنفض جسمي كله.

برق لمع السما.

والوش ظهر قدامي.

الندبة الصغيرة جنب فكه.

العينين السود.

الشعر الأسود.

الملامح اللي حفظتها حتى وأنا نايمة.

شهقت.

“حسن؟”

ما ردش.

فضل واقف.

أنا قربت خطوة.

وبعدين خطوة تانية.

قلت وأنا صوتي بيترعش:

“إنت… إنت حسن؟”

اتحرك ناحيتي.

كنت عايزة أجري عليه.

أضربه.

أحضنه.

أصرخ فيه.

أعمل أي حاجة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى