روايات وقصص

سر السبعطاشر سنة ج2

لحظة السكوت اللي جت بعد كلامها كانت تقيلة أوي. محدش من الأمهات فتح بقه، وكلنا كنا بنبص للأب اللي كان بيحاول يمسك نفسه بالعافية، وعينيه دمعت وهو بيطاطي ويطبطب على كتف حبيبة، وكأنه بيتنذر لها قدامنا كلنا من غير ما ينطق كلمة.

ساعتها الأمهات اللي كانوا بيكلموه انسحبوا بالراحة ووشهم في الأرض من الخجل. أنا نفسي كنت حاسة بكسفة ومش عارفة أودّي وشي فين.. قد إيه بنحكم على الناس من الظاهر وننظّر عليهم من غير ما نعرف البيوت مقفولة على إيه ولا إيه الوجع اللي شايلينه في قلوبهم.

لما أبواب المسرح اتفتحت والناس بدأت تدخل، شفته وهو بيمسك إيدها الصغيرة ويدخلوا سوا، وحبيبة ماسكة فيه بكل قوتها كأنها بتقول للعالم كله إنها مستعدة تشيل التعب ده كله عشان بس متشوفش دمعة واحدة في عين أبوها.

الحكايات اللي زي دي بتعلمنا إن ساعات الشعر المشبّك ولا الحمل التقيل مش مجرد شكل.. ده بيكون الخيط الأخير اللي فاضل لواحد مكسور بيحاول يمسك بيه في ذكرى حد راح ومبقاش موجود، وزمانها أمها قبل ما تموت أو تسيبهم وصّته يراعي شعرها وميقصهوش إلا لما تكبر وتبقى العروسة اللي كانت بتحلم تشوفها عنده سبعتاشر سنة.

ساعات الرفق بالناس والسكوت عن حياتهم بيبقى أكبر رحمة بنقدمها ليهم.

عدت الأيام، والموقف ده فضل معلم في مدرستنا كلها. الأمهات اللي اتكلموا بقوا يتجنبوا بصات الناس، وكان باين عليهم الخجل كل ما الأب يظهر. بس هو، كعاداته، ما غيرش أي حاجة.. ييجي بدري كل مناسبة، يقعد في الطابق، ويسرح لشعر حبيبة ببال طويل وبكل حب.

الفرق الوحيد إن المعاملة حواليه اتغيرت تمامًا. الأمهات بقت تعدي من جنبه بابتسامة هادية وفيها احترام، واللي كانت بتشوفه “تعب للمجهود” بقت تشوفه “أمان ووفاء”.

وفي يوم حفلة التخرج من المرحلة الابتدائية، حبيبة كانت طالعة الأولى على المدرسة. لما اسمها اتقال، طلعت على المسرح وبصت لأبوها اللي كان واقف ورا خالص، ماسك كاميرته وبيصورها وعينيه مليانة دموع فرحة.

وهي طالعة تستلم شهادتها، مسكت ضفيرتها الطويلة بإيدها، وبصت في المايك وقالت:

“أنا بشكر بابا.. عشان هو الحماية اللي بتسندني، والشعر ده مش تقيل عليا، ده أجمل حاجة شايلاني وشايلة ذكرى أمي معايا.”

القاعة كلها اتسقفت، وساعتها بس، شفنا الأب بيضحك من قلبه وهو بيحضنها.

القصة دي علمتنا كلنا إن الحب مش دايماً بيبقى حاجات سهلة ومريحة، ساعات الحب بيكون عبارة عن صندوق مقفول من الذكريات والتضحيات، ومحدش من حقه يحكم على شيلة حد من غير ما يقعد في مطرحه.

ومرت السنين.. وكبرت حبيبة، ودخلت المرحلة الإعدادية وبعدها الثانوية. وطول السنين دي، كان شعرها بيكبر معاها، وكان منظر الأب وهو بيضفر لها شعرها الصبح قبل ما تدخل باب المدرسة منظر مألوف وكل الناس بتحترمه وبتدعي له في سرها.

ولما جه اليوم اللي تمّت فيه حبيبة سبعتاشر سنة.. كل اللي حضروا الموقف القديم كانوا فاكرين التاريخ والوعد.

في يوم عيد ميلادها السابع عشر بالظبط، حبيبة هي اللي طلبت من أبوها إنهم يروحوا سوا لأكبر كوافير في المنطقة. مش عشان تتخلص من عبء، لكن عشان تنفذ الجزء التاني من الوعد اللي أمها سابتهولهم.

الأب كان قاعد على الكرسي جنبها، ماسك إيدها ودموعه نازلة بالراحة، بس المرة دي كانت دموع ارتياح. المصفف مسك المقص، وقص الضفيرة الطويلة كلها دفعة واحدة.. احتفظوا بيها في صندوق خشب محفور عليه اسم أمها، واتبرعوا ببقيتها لمستشفى سرطان الأطفال عشان تفرح بنوتة تانية.

ولما حبيبة بصت لنفسها في المراية بشعرها الجديد اللي نازل على كتفها بجمال وانسيابية، لفّت وحضنت أبوها أوي وقالت له:

“شكراً يا بابا إنك شلت أمانة أمي وحميتها طول السنين دي.. أنا كبرت خلاص، وبقيت جاهزة أواجه الدنيا وأنا شايلة حبكم جوايا.”

القصص اللي من النوع ده بتسيب أثر مبيتنسيش.. بتفكرنا إن ورا كل تفصيلة صغيرة في حياة الناس حكاية كبيرة، وإن الصبر والوفاء هما أصدق معاني الحب اللي ممكن أب يقدمه لبنته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى