
«انتِ بتعملي إيه هنا؟!» ديسوقي ده كان حوت يهد بلد. في ست أشهر بس، كان طرد أربع ممرضات بره القصر، وظاهر كده إني كنت حافية وميتة على القرشين لدرجة إني أقبل أكون الضحية رقم خمسة! «أصل بصراحة.. كنت جايبة آخري وواقعة في نفق مظلم. الشنطة بتاعتي كان فيها ثلاث جوابات طرد من الشقة، ونصف حفة بقسماطة ناشفة، وشهادة التمريض بتاعتي، في حين إن سيارتي القديمة مركونة بره قدام القلعة بتاعته المتروسة كاميرات وحراس بشوم، وسور حجر يهد الجبال.
فراج، حارس شخصي ملامحه قاسية، مسكني عند الباب وعصرني . صادر مني بخاخة الفلفل وحتى بنسة الشعر، وبعدين زقني وشاورلي على الممر الرخام.
ديسوقي كان قاعد مستني جنب الشباك على كرسي بكهربا، عرضه عرضه يملأ المكان ويهيب بلد، رغم البطانية اللي مدارية رجليه. عينيه الزرقا اتنقلت من ملابسي البسيطة لحد كحكة شعري المنكوشة.
“انتِ مش الممرضة التقيلة المعلمة اللي أنا طلبتها.”
رديت عليه بجرأة وقلب ميت: “لا.. بس حضرتك كرشت كل الممرضات.”
وشه اتخشب، فدبيتله الكلمتين وصارحته باللي فيها؛ هو بيدفع أضعاف المرتب، وأنا عليا إيجارات متأخرة وهترمي في الشارع، وعكس الباقيين، مش جاية أدلعك وأكلمك زي العيال الصغيرة.
وفجأة، إيده اللي بترتعش سابت كاس الكريستال.
اتدلق على الأرض الباركيه والكاس اتدشمل مية حتة.
زعق ونظرة الحدة طايرة من عينيه: “نظفي القرف ده!”
بدل ما أسمع الكلام وأوطي، عديت من فوق الزجاج المكسور، ومشيْت بثبات لحد كرسيه، وشددت البطانية من على رجليه. في نفس الثانية، إيده كانت قبصت على معصمي بقوة.
رجليه كانت خاسة جداً وبايظة من قعدة الشهور وضمور العضلات، ولمحت بداية قرحة حمرة في بطن ساقه.
قلتله بالراحة وبكل هدوء: “أنت مستخبي تحت بطانية والتكييف شغال على 20؟ لو أنا ممرضتك، لازم أشوف المصيبة اللي بتعامل معاها.”
برقلي وبصلي كأنه محدش تجرأ يكلمه ولا يكسر كلمته بالطريقة دي من سنين.
وقال بصوت واطي يحيط به الغموض: “مقبولة.. استلمي شغل.”
بعد أسبوعين، فهمت المرار والخدمة في الشغلانة دي بجد.
الساعة كانت ثلاثة الفجر، والمطر نازل يطبل على القزاز المصفح، لما سمعت ديسوقي بيشهق وبيموت في سريره. رجله كانت بتنتفض بتشنج مرعب تحت الملاية، وإيديه ماسكة في المرتبة والعرق نازل منه.
نطيت على السرير وثبت فخذه ورجليه بكامل وزني. إصابة النخاع الشوكي كانت بتعمله تشنجات قوية ووجع وهمي بيقطّع في جسمه، وما كانش قدامي غير إني أكتفه وأثبته.
“اتنفس يا ديسوقي.. اتنفس!”
“مش راضية تقف.. الوجع بيموتني!”
“هتقف.. اتكلم معايا وشغل دماغك في أي حاجة تانية!”
عشان ألهيه وأسحب عقله، سألته عن ثلاث أوض مقفولة بطلاسم فوق في الرووف.
رد وهو بيموت وبطلع الكلمة بطلوع الروح: “.. فلوس.. الأرشيف.”
“أرشيف؟ كلمة شيك كده عشان تقولي إنها مستندات سرية وملفات تدين شخصيات نافذة؟”
“حاجة زي كده..”
فجأة، رجله نطت لدرجة إني اتكعبلت وكوعي خبط في ضلوعه بقوة.
ولأول مرة في حياتي، سمعت ديسوقي النجعاوي – اللي بلد كاملة بتترعب من اسمه – بيضحك بصوت خافت وسط ألمه!
بعد شوية، التشنج هدي. غطيت رجليه تاني وقلتله إنه محتاج ياخد قرص إضافي، بس هو رفض عشان الدواء ده بيثقل دماغه ويخليه مش مجمع.
قلتله بقلة صبر: “أنا مش هقف أتفرج عليك وأنت بتموت من الوجع عشان كبرياءك الفارغ ده!”
المعلم الكبير المخيف قعد يبص للسقف في صمت، شكلُه في اللحظة دي ما كانش يدي على سفاح خالص، كان باين إنه مجرد بني آدم محبوس جوة جسم خانه.
بعدين بصلي بصة مكسورة أول مرة أشوفها.
وهمس: “قرص واحد بس..”
مديت إيدي عشان أجيب العلبة، بس قبل ما صوابعي تلمس الإزازة، باب الأوضة اتفتح على آخره!
دخل علينا «فراج» وبدْلته غير مرتبة، ماسك في إيده وعينيه هتطلع من مكانها من الخوف: “يا معلم ديسوقي.. القصر بيتفتك من بره! رجالة «الرشيدي» كسروا البوابة المصفحة وعبروا السور!”
ديسوقي في ثانية اتغيرت ملامحه؛ الوجع والانكسار اختفوا تماماً، وظهر وش القائد المرعب. بصلي وقال بصوت جاد: “انزلي تحت السرير يا أيتها المجنونة وما تحركيش!”
قلتله وأنا جسمي بيموت من الرعب: “تحت السرير إيه يا جدع أنت! أنت مش قادر تحرك رجلك!”
مسك إيدي وعصرها: “أنا ديسوقي النجعاوي.. الموت نفسه بيخاف يعدي من قدام بابي. فراج! افك القفل الإلكتروني بتاع أوضة اللي فوق، وهاتلي الآلي من الدرج.”
قبل ما فراج يتحرك، ضرب النار اشتغل جوة الممر الرخام. صوت كان عالي جداً وقزاز الأوضة المصفح بدأ يتشقق. ديسوقي ساحب جسمه بشراسة بفضل دراعاته القوية، ونزل من على السرير على الأرض، وزقني ورا الكومودينو المصفح.



