
شهقت بصدمة: “أنا.. أنا مكنش في اجتماع! كنت في سهرة.”
كمل الدكتور بقسوة: “الإجراء الطبي اتأخر ساعة كاملة بسبب التأخير ده.. وساعة في تعب شديد زي ده كانت كفيلة.. مش بس إننا نفقد الحمل، دي كانت هتتعرض لخطر كبير على الترابيزة. ولما فاقت من التخدير، طلبت مني أعمل تحليل جيني للحمل اللي فقدته.. وكانت الصدمة.”
وقفت مكاني متجمّد، وحاسس إن الهوا اتقطع عن صدري: “تحليل إيه؟”
مد الدكتور ورقة مطوية ومدها ليا: “المدام كانت مصابة بحالة وراثية نادرة، اكتشفتها وهي صغيرة، وكان الدكتور المعالج ليها محذرها إن أي حمل هيكون خطر كبير على حياتها.. ومع ذلك، لما بدأ الحمل منك، رفضت إنهاءه، وقررت تضحي براحتها عشان تديك الحمل اللي كنت دايماً تحلم بيه.. الحمل اللي يربطنا ببعض للأبد.”
بصيت للورقة وإيدي بترجف بعنف. الكلام كان متصوّر قدام عيني زي الصاعقة:
الحمل ما ضاعش صدفة.. جسمها كان بيدمر نفسه عشان يحميه، ولما احتاجتك.. لمست دقيقة واحدة منك.. مكنتش موجود.
مشيت من المستشفى وأنا مش شايف قدامي. الشوارع كانت فاضية، بس صوت مريم وهي بتقول “مستحيل أرجع” كان بيلف في دماغي زي السيرن.
دخلت الشقة تاني، ريحة البرفان القديم بتاعها لسه في المكان. بصيت على الكرسي المكسور، وفتحت درج دولابها.. لقيت أجندة قديمة فتحتها بالصدفة.
كانت كاتبة فيها بخط إيدها قبل سنة من اختفائها:
“طارق مبقاش يحبني.. دي حقيقة تقبلتها. بس اللي مش قادرة أقبله، إنه بينساني حبة بحبة. النهاردة قعدت أستناه خمس ساعات على العشاء، ولما جه.. كان بيكلم في تليفونه التاني. لو جه يوم وخيرتني بين إني أكمل كدة وإني أرتاح.. هختار أرتاح.”
قعدت على الأرض في النص وصوت عياطي ملا المكان لأول مرة من سنين. الفلوس اللي كنت بتعب عشانها، القصور، الطيارات، الشركات، البنوك.. كله بقا ولا يسوى تمن دمعة نزلت من عيونها وهي قاعدة لوحدها على السفرة.
رفعت تليفوني واتصلت بنادين، ورجعتلي صوتها المايع وهي بتقول: “ألو يا طارق.. وحشتني، متى راجع الشغل؟”
قفلت السكة في وشها ودخلت حظرت رقمها وكل حاجة تخصها من حياتي.
تاني يوم، نزلت إعلان رسمي في كل الصحف الكبيرة وفي إدارات شركاتي:
“تتنازل عن جميع أسهمي وإدارتي لصالح زوجتي مريم عز الدين.. وشركة ‘مجموعة طارق’ تحت أمرها بالكامل.”
وسافرت.. لفيت وراها في كل مكان ممكن تروحه، بلد وراء بلد، وأنا عارف إنها ممكن تكون مسحتني من تاريخها للأبد.. بس كنت مستعد أقضي باقي عمري قاعد على باب بيتها الجديد، بستنى كلمة عفو واحدة، حتى لو العمر كله خلص.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
حكايات شروق خالد
الفصل الثالث: في غيابها
مرت سنة كاملة. سنة كاملة وأنا تايه في دنيا مفيهاش غير ريحة دمعتها وصوتها اللي محفور في جدران القصر.
كل الشركات بقت مسجلة باسمها، وكل فلوسي وأملاكي حولتها على حساباتها في البنوك، وسِبت الإدارة لمجلس إداره يشتغل بالوكالة. أما أنا؟ فتحت باب العربية ومسكت طريقي أبحث عنها في كل شبر في مصر. سألت في قريتها القديمة، وفي إسكندرية، وفي كل مكان ممكن تكون لجأت ليه عشان تبدأ حياة جديدة بعيد عن ضيقي.
الناس كانت بتشوفني في الشارع فاكرينني مجنون. راجل بيمتلك مليارات، ولابس هدوم بهتانة، وماسك في إيده صورة قديمة لمريم وهي بتضحك بابتسامتها البسيطة اللي قبل الفلوس والشهرة.
في يوم، وأنا قاعد في قهوة صغيرة قديمة في إحدى المحافظات الساحلية الهادئة، ببص لقيت بوستر صغير محطوط على واجهة مركز ثقافي خيري للأطفال الرضع واليتامى. مكتوب عليه:
“مؤسسة مريم عز الدين لرعاية الأطفال والأمهات.”
قلبي نط من مكانه! قمت أجري زي المجنون، ودخلت من باب المركز وأنا بتنفس بصعوبة. سألت الموظفة بصوت مرتعش:
“مريم.. مريم عز الدين هنا؟ هي المسؤولة؟”
الموظفة بصتلي باستغراب وقالت: “أيوه يا فندم.. بس المديرة ما بتقابلش حد صدفة، حضرتك مين؟”
“أنا.. أنا جوزها!”
في اللحظة دي، انفتح الباب اللي ورا المكتب، وطلعت منه مريم.
كانت لابسة عباية بسيطة جداً، وشعرها مدراري تحت طرحة هادية، وشكلها مختلف تماماً عن السيدة اللي كانت قاعدة في القصر.. كانت أبسط، وأهدا، وبتشع نور وراحة مكنتش بشوفهم وهي معايا في العز الفاني.
وقفت مكانها.. وعيونها جات في عيوني. الدموع تجمعت في عيونها، بس مانهارتش.. بصتلي بثبات يوجع القلب وقالت بصوت هادي كالسكون:
“جاي ليه يا طارق؟ إيه تاني سيبته في القصر وناسي تاخده؟”
قربت منها بخطوات مهزوزة، ووقعت على ركبتي قدامها على الأرض في نص المركز، وسط ذهول الكل، ونزلت دموعي لأول مرة قدامها بالشكل ده:
“جاي أخدك.. جاي أخد نفسي اللي ضاع مني يوم ما سيبتك.. أنا خسرت كل حاجة يا مريم.. الفلوس والشركات والقصور.. كتبتها كلها باسمك.. بس والله ما عايز حاجة في الدنيا دي غيرك أنتِ.”
بصتلي باستهجان خفيف، وقالت وهي بترجع شعرها ورا أذنها:
“فلوسك وإمبراطوريتك ما تهمنيش يا طارق.. أنا عمر ما كان يهمني فلوسك. أنت مفكر إنك لما تسيبلي المليارات دي هترجعلي اللي فقدته؟ ولا هترجع الساعات اللي قعدتها مستنياك وأنت مع غيري؟”
“عارف.. عارف إني غبي وجشع وندمت ندم عمري.. سامحيني، اديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي كسرته.”
نزلت دمعة حارة على خدها، وبصت للفضى وقالت:
“أنا سامحتك يا طارق.. سامحتك عشان أرتاح، وعشان أكمل حياتي. بس السامح مش معناه الرجوع. الزجاج لو اتكسر واتجمع مستحيل يرجع زي الأول. أنا بدأت حياة جديدة، هنا، مع ناس شبهي، ناس بتقدّر الحياة البسيطة والكلمة الطيبة.”
وقفت وابتعدت خطوة وقالت بابتسامة كسيرة:
“ارجع لدنياك.. وامشي في طريقك.. وأنا همشي في طريقي. السطح اللي هبطت عليه طائرتك يوم ما هربت.. قفلته للأبد. مع السلامة يا طارق.”
مشيت وسابتني.. ومحسيتش بنفسي غير وأنا قاعد على الأرض حزين كطفل ضاع في زحمة الحياة.
عرفت وقتها.. إن الثروة الحقيقية مش اللي بتتحط في البنوك، ولا اللي بتتقاس بالمليارات.. الثروة الحقيقية هي إنسان يحبك بجد، وإنت اللي بغبائك فرطت فيها.
رجعت، بس مش للقصر.. رجعت وأنا ماشي في شوارع مصر، لوحدي، ومعاي درس واحد تعلمته لأخر عمري: أن الإهمال مؤلم، وأن الكلمة الطيبة والوقت اللي بتديه للي بتحبهم.. أثمن بكتير من كل دهب الأرض.
النهاية.
#حكايات_شروق_خالد #حصري_على_الصفحة
العشاء الأخير»
حكايات شروق خالد



