روايات وقصص

حارسة زعيم الظل” ج1 حكايات شروق خالد

الباب الخشب اتفتح لجوا، ونور لقت مراد الألفي واقع على البلاط وبيخر دم، وموجه  ياخد مكانك”.

من تلات أسابيع، نور قبلت تشتغل خدامة عشان الإيجار اتأخر ورصيدها في البنك كان خلصان تقريباً؛ وكل يوم جمعة، الوكالة كانت بتدفع فلوسها ورق مية دولار جديد في ظرف أصفر عادي. مدام زينات، مدبرة البيت الشديدة، أدتها تعليمات خدت أربع دقائق بس: نظفي الوسخ، وتجاهلي المكسور، وغطي أي سلاح بفوطة، وإياكي تسألي عن أي بقعة. والأهم من كل ده، إن نور ممنوع منع بات تدخل الجناح الشرقي في الدور التالت؛ وما كانتش تقدر تستحمل رفاهية الفضول، فضلاً عن إنها تعمل غلطة.

الكل كان عارف إن مراد بيمتلك موانئ الإسكندرية، ومسيطر على النقابات، وله معارف وسط البوليس؛ والقصر بتاعه كان عبارة عن حصن من إزاز مضاد للرصاص، وكاميرات مخفية، ورجالة مسلحين. نور كانت بتدعك الرخام وتكنس السجاد، وتمسح آثار حياة هي أصلاً مش حابة تفهمها، وفي نفس الوقت حافظة مواعيد الحراس، وموطية عينها في الأرض، وعمرها ما سألت البيت محتاج أمن أكتر من كده ليه. شافت مراد مرتين من بعيد: طويل، ووسيم، وتعبان لدرجة إن عينه شكلها ميت. وفي غسيل الملابس، الموظفين كانوا بيتهامسوا إن الأوضة الممنوعة دي عبارة عن أوضة تعذيب أو خزنة فلوس، بس نور كانت مدخلة راسها في شغلها.

وبعدين مراد بدأ يختفي. المساعد بتاعه تامر، قال للحراس إن البوس سافر برا البلد وهو اللي هيدير البيت. نور كانت عارفة إن دي كذبة؛ لأن الليلة اللي قبلها، شافته وهو ماسك في ترابزين السلم، ووشه رمادي وعرقان، ونازل بيجر نفسه طالع على الدور التالت. ولو تامر عرف إن رئيسه مصاب، هيستولى على السلطة، والضعف ده ممكن يولعها حرب.

نوة قوية ضربت إسكندرية يوم الثلاثاء بالليل وقت ما نور كانت قاعدة تشتغل ساعات إضافية عشان ماسورة حمام في الدور التالت اتفجرت. والساعة اتنين الصبح، سمعت صوت خبطة ثقيلة جاية من فوق، وبعدها صوت إزاز بيتحطم وأنين راجل. كان المفروض تنزل تحت، بس بدل كده مشيت ورا الصوت لحد الباب المحرم؛ وكان فيه دم نازل من تحته.

ولما دخلت، ما لقيتش أوضة تعذيب خالص، دي كانت أوضة إسعافات أولية وطوارئ خاصة — ومراد كان جواها بقاله أربع أيام مصاب برصاصة، وعنده سخونية ولوحده. هو نزل لما نور حذرته إنه لو ما حدش ساعده، وطلب منها تقفل الباب بالمفتاح. بكده هي تعدت الخط الأحمر، وهو حرص إنها تفهم كويس: إنها لما أنقذت حياته، حطت نفسها في هدف الكل بيدور عليه.

أول حاجة عملتها نور إنها جريت على الحمام الملحق بالأوضة، جابت فوط نظيفة ومية دافية وعلبة إسعافات أولية كانت مرمية في زاوية الدولاب، إيديها كانت بتترتعش بس عقلها كان شغال بألف سرعة. رجعت له وكانت الأعصاب باينة عليها بس بلعت ريقها وبصت له بثبات: “لو فضلت بينزف بالشكل ده، مش هتعيش للصبح يا مراد.. اعدل نفسك كده عشان أطهر الجرح.”

مراد كان باصص لها بعينين حادتين زي الصقر، بيراقب كل حركة بتعملها، كأنه بيحاول يقرا أفكارها ويعرف إذا كانت باعتة من تامر ولا فعلاً صدفة بحتة. بس الألم كان أقوى من الشك، فكت الجرح القديم اللي كان مليان صديد ودم متخثر، وبدأت تنظف بحذر وخفة إيد مكنتش تتخيل أنها تقدر تعملها وهي مرعوبة كده. هو كشر بعنف وكتم صرخة ألم جوه ضروسه، وعروق رقبته بارزة من قوة التحمل.

“إنتِ اسمك إيه؟” سألها بصوت واطي وخشن كأنه بيحتك بصخر.

“نور.. نور اللي بتكنس وتطهر وراك ورا رجالتك.”

“يا نور.. لو الخبر ده طلع برا الأوضة دي، تامر ورجالته هيفتحوا بطنك قبل ما يفكروا  أنا، فاهمة؟”

ردت وهي بتلف الشاش بإحكام على كتفه وجنبه: “أنا مش مهتمة بمين يحكم الموانئ ومين ، أنا كل اللي يهمني أخلص الشغل وآخذ أجري عشان أعرف أعيش.. مش ناقصة مصايب.”

لما خلصت، كانت الساعة دخلت على التلاتة الفجر. أمرها تفتح الباب بحذر وتمسح أي أثر للدم على البلاط برا الأوضة، وترجع كأن مفيش حاجة حصلت. رجعت نور لأوضتها الصغيرة وهي حاسة إن روحها معلقة في خيط رفيع؛ كل خطوة بتعملها في القصر مبقاش ليها أمان، ولقيت نفسها دخلت في لعبة ما تعرفش أولها فين ولا آخرها إيه.

تاني يوم الصبح، نور نزلت كالعادة وهي ماسكة أداة التنظيف، قلبها كان بيدق بسرعة أول ما شافست تامر واقف في الصالة الرئيسية بيكلم الحراس بعصبية. تامر لف ووشه كله شك وقال بصوت حاد: “إنتِ.. كنتِ بتعملي إيه متأخر امبارح فوق في الدور التالت؟”

#حكايات_شروق_خالدبلعت ريقها بصعوبة، بس حافظت على نبرة صوت هادية وخالية من أي توتر ظاهر. رفعت عيونها وبصت له بثبات وقالت: “ماسورة حمام الدور التاني اتفجرت يا باشمهندس تامر، وكنت شغالة لحد متأخر بلم المية وأنظف الطين اللي دخل من العاصفة.. مدام زينات بنفسها هي اللي أمرتني أخلص الشغل عشان الأرضية ما تبوظش.”

تامر ضيق عينيه وبص لها بشك أكتر، وقرب منها خطوة كأنه بيحاول يقرا ملامح وشها: “مدام زينات نامت بدري امبارح.. وإنتِ متأكدة إن شغلك كان تحت بس؟ الليلة اللي فاتت كانت مشبوهة، وفي حركة غريبة فوق.”

قبل ما نور تتوتر زيادة ويغلبها الخوف، صوت خشن وواثق جه من وراهم، هادئ وثقيل لدرجة إنه جمّد الدم في عروق الكل في الصالة.

“في إيه يا تامر؟ من امتى بقيت تراجع ورا الخادمات وتعمل لي فيها محقق في البيت؟”

تامر لف فجأة ووشه اتخطف وبان عليه الذهول؛ مراد الألفي كان واقف على أول سلمة، لابس قميص غامق مداري الجرح تحته، ووشه باهت وصوته تعبان بس نظراته كانت حادة كالسيف، وكأن الراجل اللي كان امبارح على البلاط ملوش أي وجود.

تامر ابتلع ريقه بسرعة وحاول يتماسك، وقال بصوت مهتز شوية: “يا باشا.. حمد الله على السلامة! أنت رجعت امتى؟ الكل كان بيقول إنك مسافر برا البلد.. أنا بس كنت خايف على أمنك، الجو امبارح كان وحش وفي حركة مش مطمئنة.”

مراد نزل خطوتين وبص له بنظرة باردة تخلي الحجر ينطق: “رجعت في الوقت اللي يخليك تهتم بشغل الموانئ وتسيب البيت للي يعنيه.. وعن إذنك، نور ملهاش دعوة بأي حاجة غير شغلها، روح شوف وراك إيه.”

تامر حس بالإهانة والشك بيغلي جوه, بس ما قدرش ينطق بكلمة قدام مراد؛ هز راسه باحترام مزيف ومشي وهو بيبص لنور نظرة أخيرة كلها تهديد مبطن.

مراد رمى على نور نظرة سريعة وخاطفة، نظرة فيها تحذير وفيها أمر صريح إنها تبعد وتكمل طريقها. نور انحنت بسرعة وبدأت تبعد وهي حاسة إن قلبها كان هيقف من الرعب، بس دي كانت أول جولة تكسبها قدام تامر.

وفي اللحظة دي، عرفت إنها مبقتش مجرد خدامة بتنظف قصر وبتلم فلوس عشان تدفع الإيجار.. دي بقت شريكة ف

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى