
كنت في الشهر الثامن من حملي، لما جوزي «أحمد» حاول يجبرني أتنازل عن البيت اللي أبويا سابهولي. أمه «سعاد» كانت واقفة بتؤيده، وقالت بسخرية:
«يمكن دلوقتي تبطل أنانية.»
لكن لا هو ولا أمه كانوا يعرفوا إن أبويا كان مخبي كاميرا تانية في مكان عمرهم ما كانوا يتخيلوا إنها موجودة فيه.
وقفت في المطبخ، وإيدي راحت تلقائي على بطني الكبيرة وأنا بحاول أحمي الجنين من الضغط العصبي اللي حواليا.
أحمد وقف قدامي، وإيديه بتترعش من الغضب.
«شوفي إنتِ عملتي فيا إيه! ليه مصممة تقفي في طريق مستقبلي؟»
بصيت له من وسط دموعي وأنا مش مصدقة اللي سمعته. هو اللي بيحاول يفرض رأيه، ومع ذلك كان عايز يخليني أنا السبب.
سعاد ما حاولتش تهددي، ولا راعت ظروفي الصحية. حماتي فضلت واقفة جنب البوتاجاز، وبصالي كأني حاجة مزعجة وقعت في بيتها.
وقالت ببرود:
«يمكن دلوقتي تبطل أنانية.»
أنانية.
دي كانت كلمتهم المفضلة معايا، عشان أنا رفضت أدي أحمد البيت اللي أبويا سابهولي.
البيت ماكانش قصر. كان بيت قديم ببلكونة بيضا، وأرضياته بتصرصر، وشجرة ضخمة، وورد كان أبويا بنفسه زارعه.
كل حتة فيه كانت بتفكرني بيه.
قبل ما يموت، بابا حط المفاتيح في إيدي وقال بصوت ضعيف:
«يا بنتي، عمرك ما تسمحي لحد يضغط عليكي عشان يطلعك من أمانك.»
لمدة سنتين، أحمد مثل إنه بيحترم كلامي.
لحد ما مشروعه انهار.
والديون بدأت تتراكم.
وبعدين سعاد انتقلت لأوضة الضيوف بحجة إنها «مؤقتًا»، وبالتدريج بدأت تتعامل مع بيتي كأنه «بيت العيلة».
في الصبح ده، أحمد حط أوراق التنازل جنب الفطار.
«وقّعي.»
بصيت للأوراق، وبعدين بصيت له.
«لأ.»
سعاد ضحكت بسخرية.
«معقول؟ دي شايلة ابنك، وبتاكل على سفرتك، ولسه فاكرة نفسها ملكة!»
قلت وأنا بحاول أتمالك أعصابي:
«ده بيت أبويا. مش همضي على حاجة تاخده مني.»
ملامح أحمد اتغيرت.
وقال:
«فاكرة نفسك في أمان عشان أبوكي مات؟»
جسمي كله اتجمد.
وقفت ورجعت لورا، وإيدي تحت بطني.
«أحمد… كفاية ضغط.»
مسك دراعي بقوة.
شدّيت إيدي منه بكل قوتي وابتعدت عنه.
سعاد اتحركت على جنب، عشان تدي ابنها مساحة أكبر للضغط عليا.
وبعدين حاول يمنعني من الحركة ويجبرني على التوقيع، وحصل تدافع بسيط بينا خلاني أفقد توازني وأقع على الأرض من شدة الإرهاق.
وأنا على الأرض، الغضب اختفى من وش أحمد.
وحل مكانه الخوف.
بس مش خوف عليا.
كان خايف من أفعاله وتكشفها.
همس بعصبية وهو بيبص ناحية باب المطبخ:
«قومي.»
وبعدين قال:
«هنقول إنك وقعتي لوحدك بسبب تعب الحمل.»
وسط التعب والإرهاق، رفعت عيني وبصيت من وراه، وعدّيت بعيني على الحيطة، لحد ما وقعت عيني على الساعة القديمة المعلقة فوق باب المخزن.
أبويا كان دايمًا بيحب يخبي الحاجات المهمة في أماكن واضحة قدام عين الناس.
وفجأة…
افتكرت بالضبط هو كان مخبي إيه جوه الساعة دي.
فضلت باصة للساعة القديمة، وقلبي بدأ يدق بسرعة رغم التعب اللي كان مالي جسمي.
أحمد قرب مني ومد إيده عشان يشدني من الأرض.
«يلا قومي! إنتِ كده هتبوظي كل حاجة.»
بصيت له وقلت بصوت متقطع:
«أنا… مش قادرة.»
سعاد قربت هي كمان، وقالت ببرود:
«قومي يا بنتي، قبل ما حد يشوفك بالشكل ده. إحنا هنقول إنك تعبنتي لوحدك.»
رفعت عيني ليها.
«إنتِ… شايفة اللي بيحصل وشاكتنا فيه.»
ضحكت.
«ومين هيصدقك؟»
الجملة دي خلتني أفهم إن الموضوع ماكانش مجرد لحظة غضب، بل محاولة مقصودة للسيطرة.
أحمد كان بيبص للباب كل شوية، وسعاد كانت بتحاول تظهر المطبخ هادي وطبيعي.
لكن أنا ماكنتش ببص لهم.
كنت ببص للساعة.
فاكرة اليوم اللي بابا جابها فيه.
كان قبل وفاته بشهور.
وقتها ضحك لما سألته ليه بيحتفظ بساعة قديمة بالشكل ده.
قال لي:
«الحاجات القديمة يا بنتي ساعات بتكون أغلى من الجديدة.»
ما فهمتش كلامه وقتها.
لكن قبل وفاته بأسبوع، ناداني لوحدي وقال:
«لو في يوم حسيتِ إن حد بيحاول ياخد منك البيت، بصي جوه الساعة.»
كنت فاكرة إنه بيتكلم عن أوراق الملكية.
ما خطرش في بالي أبدًا إنه ممكن يكون مخبي حاجة تانية.
حاولت أتحرك ناحية الساعة، لكن التعب كان شديد جدًا.
أحمد مسكني من كتفي.
«إنتِ رايحة فين؟»
قلت وأنا ببص له:
«محتاجة أرتاح.»
وقف قدامي.
«هتروحي فين بالظبط؟»
عرفت وقتها إنه شاكك.
قلت بسرعة:
«أنا حاسة بتعب كبير.»
اتوتر واتراجع خطوة.
استغليت اللحظة، واتكأت على الرخامة وحاولت أقف.
لكن أول ما وقفت، حسيت بألم شديد في بطني نتيجة الإجهاد.
شهقت ومسكت بطني.
سعاد اتغير لون وشها للحظة.
«أحمد… بطنها.»
أحمد قرب مني.
«إيه؟»
قالت:
«ممكن تكون الولادة بدأت من كتر التوتر.»
سكت.
وبعدين بص لي.
الغريب إن أول حاجة ظهرت في عينه ماكانتْش الخوف على الطفل، بل الحيرة والخوف على خطته.
لو أخدني المستشفى، الدكاترة هيعرفوا حجم الضغط والتعسف اللي تعرضت ليه.
ولو اتكشف إن الإصابات أو التعب حصل بسبب محاولته إجباري، كل الخطة هتنهار.
قلت بصوت ضعيف:
«لازم مستشفى فوراً.»
أحمد فضل ساكت.
فجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
سعاد بصت من الشباك.
«مين ده؟»
وبعد ثواني، جرس الباب رن.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
أحمد اتوتر.
«محدش يفتح.»
لكن الجرس رن للمرة التالتة.
وبعدها صوت راجل جه من بره:
«مدام مريم؟ افتحي الباب لو سمحتي.»
قلبي اتقبض.
أنا ماكنتش مستنية حد.
أحمد بص لسعاد.
وسعاد بصت له.
وبعدين الاتنين بصوا ناحيتي.
قلت:
«مين ده؟»
أحمد قرب مني وهمس:
«ما تتكلميش.»
لكن الصوت بره قال جملة خلت وش أحمد يتحول للون الأبيض:
«أنا من مكتب المحامي بتاع والدك… وجاي أسلمك حاجة أبوكي سابها قبل وفاته.»
سعاد شهقت.
وأحمد رجع خطوة للخلف.
أنا بصيت للساعة مرة تانية.
وفهمت.
أبويا ماكانش مخبي فلوس ولا أوراق ملكية عادية.
كان مخبي دليل.
ودليل قادر يهد محاولاتهم فوق دماغهم.
حكايات شروق خالد
سعاد بصت لأحمد بسرعة وقالت:
«ما تفتحش.»
أحمد رد بعصبية:
«اسكتي!»
جرس الباب رن تاني.
الراجل من بره قال:
«أستاذة مريم، أنا مش هتأخر. والدك موصيني أوصل الأمانة دي ليكي بإيدك.»
حاولت أتحرك ناحية باب المطبخ، لكن أحمد وقف في طريقي.
«إنتِ هتفضلي هنا.»
بصيت له وقلت:
«أنا صاحبة البيت.»
ضحك بسخرية.
«مش لوقت طويل.»
الكلمة دي كانت آخر حاجة قدرت أتحملها من تعاملهم.
مديت إيدي للساعة، لكن أحمد مسكني من معصمي لمنعي.
«إبعدي عنها.»
سعاد قربت وقالت:
«سيبها يا أحمد. خليها تفتح الباب ونخلص.»
أحمد بص لها باستغراب.
«إنتِ عايزة المحامي يدخل؟»
«لأ. بس لو فضل واقف بره، الجيران هتسمع وهتتحول لمشكلة أكبر.»
فجأة سمعنا صوت مفتاح بيتحط في قفل الباب بمعرفة شخص يملكه قانوناً بناءً على توكيل سابق من والدي.
أحمد اتجمد.
أنا كمان اتجمدت.
الباب اتفتح.




