
قبل نص الليل بسبعة وأربعين دقيقة في ليلة فرحي، قفلت على نفسي باب الحمام بالمفتاح، وجوزي اللي طوله مترين واتنين سنتي تقريبًا كان واقف بره الباب مستنيني… وأنا من جوا كنت سامعة دقات قلبي أعلى من أي صوت.
كل اللي كان بيلف في دماغي وقتها هو الكلام اللي سمعته طول الفرح عن فرق الحجم بيني وبينه.
أنا طولي متر وخمسة وخمسين، وهو طويل بشكل يخض، جسمه ضخم، وكتافه عريضة، ووزنه معدي المية وتلاتين كيلو.
من أول ما دخلنا الفرح والناس مش سايبانا في حالنا.
بنت خالي سارة كانت بتضحك وهي بتقول: “يا بنتي ده لو وقف جنبك مش هيبان غير نصك!”
وواحدة من قرايبنا قالت وهي بتبصلي من فوق لتحت: “إنتِ صغيرة عليه أوي يا ندى… خدي بالك بس.”
حتى أمي، قبل ما تمشي وتودعني، حضنتني جامد وبصتلي في عيني وقالت:
“لو احتجتي أي حاجة… كلميني.”
الجملة فضلت معلقة في دماغي.
ليه قالتها بالطريقة دي؟
كنت حاسة إن الكل شايف إن في حاجة المفروض أخاف منها.
مع إن جوزي، ياسين، عمره ما خوّفني.
ولا مرة.
بالعكس…
كان أكتر واحد في الدنيا بيخاف عليا.
وفجأة سمعت صوته من ورا الباب:
“ندى؟”
اتنفضت.
“أيوه؟”
قال بهدوء:
“إنتِ كويسة؟”
حاولت أطلع صوتي طبيعي.
“أيوه، كويسة.”
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
“لأ… إنتِ مش كويسة.”
فضلت ساكتة.
سمعت صوت حاجة بتتحرك بره.
وبعدين صوته رجع:
“أنا قعدت على الأرض عشان ماحسكيش إني واقف قدام الباب زي الغول.”
غمضت عيني وضحكت غصب عني.
حتى وأنا متوترة… قدر يخليني أضحك.
قلت:
“ليه قعدت؟”
قال:
“عشان أبقى على مستواكي شوية.”
ضحكت أكتر.
“إنت مجنون.”
رد:
“ممكن.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“بس افتحي الباب لما تحسي إنك مستعدة.”
فضلت واقفة مكاني كام ثانية.
وبعدين فتحت الباب بالراحة.
لقيته فعلًا قاعد على الأرض، ضامم رجليه قدامه، وساند ضهره على الحيطة.
كان أكبر راجل شوفته في حياتي، ومع ذلك شكله في اللحظة دي كان كأنه طفل مستني حد يطمنه.
بصلي وقال:
“تعالي اقعدي.”
قعدت قدامه.
فضل ساكت شوية، وبعدين سألني:
“إنتِ خايفة مني؟”
اتلخبطت.
“لأ.”
بصلي في عيني.
“متكدبيش عليا.”
بلعت ريقي.
“أنا… مش عارفة.”
نزل عينيه على إيده الكبيرة.
وقال:
“أنا عارف إن شكلي ممكن يخوف.”
قلت بسرعة:
“ياسين، أنا عمري ما خفت منك.”
قال:
“مش قصدي شكلي بس.”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا خايف أوجعك.”
بصيتله باستغراب.
“إنت خايف تأذيني؟”
هز راسه.
“أكتر مما تتخيلي.”
فضل ساكت شوية، وكأنه بيحاول يقرر يحكي ولا لأ.
وبعدين قال:
“وأنا عندي خمستاشر سنة حصل موقف عمري ما نسيته.”
بصيتله باهتمام.
“كنت أنا وأخويا محمود بنهزر في البيت.”
“كان بيهزر معايا ويفضل ينط على ضهري، وأنا في الآخر اتعصبت وزقيته بعيد.”
سكت.
“وقع على ترابيزة قديمة.”
قلبي دق أسرع.
“اتصاب جامد… واتكسر له ضلوع.”
اتنهد.
“هو خف الحمد لله، ومحصلهوش حاجة دائمة.”
“بس أبويا يومها بصلي وقاللي جملة فضلت عايشة معايا لحد النهارده.”
سألته:
“قالك إيه؟”
رفع عينه ليا وقال:
“إنت جسمك كبير وقوتك كبيرة… يبقى لازم تتحكم في نفسك أكتر من أي حد.”
سكت.
“ومن يومها وأنا كل ما أتعصب أبعد.”
“كل ما أضايق أخرج برا.”
“كل ما أحس إني ممكن أفقد أعصابي… أقطع حطب، أجري، أتمرن… أي حاجة.”
ابتسمت وسط دموعي.
“عشان كده كل ما بتتخانق مع حد بتختفي؟”
قال:
“أنا مش بتخانق.”
ضحكت.
“آه طبعًا.”
قال بجدية:
“بعدين أنا لما بعصب بخاف من نفسي.”
الكلمة دي وجعتني.
مديت إيدي ولمست إيده.
كانت إيده كبيرة لدرجة إن إيدي اختفت تقريبًا جواها.
قلت:
“إنت عمرك ما خوفتني.”
قال:
“بس النهارده سمعتهم.”
“سمعت مين؟”
“الناس.”
سكت شوية.
“سمعت قرايبك وهما بيتكلموا.”
“سمعت حد بيقول إن فرق الحجم بينا كبير.”
“وحد تاني قال إنك هتتعبي معايا.”
وبصلي:
“وعرفت إنك من ساعة ما رجعنا وإنتِ ساكتة.”
حاولت أهرب بعيني.
قال:
“ندى.”
بصيتله.
“إنتِ خايفة من اللي ممكن يحصل بينا بعد الجواز؟”
وشي احمر.
معرفتش أرد.
فقال بسرعة:
“مش لازم تجاوبيني.”
“ومش لازم يحصل أي حاجة الليلة.”
بصيتله.
“بس إحنا اتجوزنا.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“الجواز مش معناه إنك مجبرة على حاجة.”
سكت.
وبعدين قال:
“لو عايزة تنامي لوحدك، هنام على الكنبة.”
قلت:
“بس الكنبة صغيرة عليك.”
ضحك.
“أهو عشان كده هنام على الأرض.”
ضحكت رغم دموعي.
وبعدين قال:
“ولو عايزة نقعد نتكلم لحد الصبح، هقعد معاكي.”
“ولو عايزة ناكل من تورتة الفرح كلها، هنخلصها.”
بصيتله وأنا بضحك.
“إنت هتخلصها لوحدك.”
قال:
“أنا جوزك… لازم أشاركك.”
سكتنا شوية.
وفي اللحظة دي بدأت أفهم حاجة.
أنا مكنتش خايفة من ياسين.
أنا كنت خايفة من كلام الناس.
من نظراتهم.
من ضحكهم.
من كل مرة حد يبص علينا ويقول إننا مش شبه بعض.
كأن فرق الطول والحجم بينا معناه إن الحب نفسه لازم يبقى فيه خوف.
قربت منه شوية.
ومديت إيدي ولمست خده.
اتثبت مكانه.
عينيه اتعلقت بعيني.
كان واضح إنه مستني مني كلمة واحدة.
همست:
“ياسين؟”
قال:




