روايات وقصص

كاميرات المليونير كشفت الحقيقة الممنوعة حكايات شروق خالد

محمود المنشاوي كان عنده تلاتين سنة، وعنده كل حاجة الفلوس ممكن تجيبها. فيلا تلات أدوار في التجمع، عربيات فارهة، وحساب بنكي بيزيد كل شهر. بس مفيش ثروة في الدنيا قدرت ترجّع له الحاجة الوحيدة اللي خسرها من تمن شهور… الجزء اللي اختفى من حياته يوم ما مراته فيكتوريا ماتت في حادثة.

 

دلوقتي كان عايش لوحده مع ابنه مالك، طفل عنده تلات سنين، عيونه كبيرة وملامحه بتشبه أمه أكتر كل يوم. والشبه ده كان بيوجع قلب محمود كل صباح كأنه خنجر.

من يومين كان قال لمساعدته:
“أنا محتاج مربية تانية.”

دي كانت المربية رقم تلتاشر في تمن شهور.
محمود دايمًا كان بيلاقي سبب يمشيهم. واحدة بتتأخر، واحدة بتتكلم مع مالك بطريقة مش عاجباه، وواحدة تالتة ببساطة ما قدرش يثق فيها.
بس الحقيقة كانت أعقد من كده.

هو ما كانش قادر يستحمل يشوف ست تانية بتعتني بابنه. كل حضن كانت مربية بتديه لمالك كان بيفتته من جواه… لأن الحضن ده كان المفروض يكون من فيكتوريا.
بس فيكتوريا راحت.
ومالك كان محتاج حد.

في صباح يوم الاتنين، نزل محمود السلم وهو بيظبط رابطة عنقه. كالعادة، الصمت ضربه في وشه.
زمان كان البيت مليان ضحك ومزيكا وحياة.
دلوقتي مفيش غير الصدى.

“أستاذ محمود.”
ظهرت قدامه أمينة، مدبرة البيت، وهي بتمسح إيديها في فوطة.
“مالك فطر خلاص. هو في أوضته بيلعب لوحده.”
قطب محمود جبينه.
“لوحده؟”
“أيوه يا فندم، زي ما حضرتك طلبت. مفيش تلفزيون، مفيش تابلت، بس ألعابه.”

هز محمود راسه، وهو بيتجاهل الإحساس الغريب اللي شد معدته.
كان شايف إن ده أحسن.
مالك لازم يتعلم يعتمد على نفسه من بدري.
الدنيا مش بترحم الضعيف.

“المربية الجديدة هتيجي الساعة كام؟”
“الساعة عشرة. اسمها مريم.”
بص محمود في ساعته.
كان فاضل أربعين دقيقة قبل ما يروح الشركة.
وقت كفاية عشان يحط القواعد.

طلع لأوضة مالك.
لقى ابنه قاعد على السجادة وسط المكعبات، وبيحاول يبني حاجة شبه برج صغير.
“صباح الخير يا مالك.”
الولد رفع عينه.
العينين العسلي شبه أمه بالظبط بصوا له بحذر.
“صباح الخير يا بابا.”

محمود قعد على السرير، مش على الأرض جنب ابنه.
“في مربية جديدة هتيجي النهارده. اسمها مريم.”
مالك هز راسه ببطء.
كان اتعود.
المربيات بتيجي وتمشي زي فصول السنة.

“أنا عايزك تسمع كلامها وتبقى مؤدب.”
مالك بص له باستغراب بسيط.
“أنا دايمًا مؤدب يا بابا.”
وكان فعلًا صادق.
مالك كان هادي.
هادي زيادة عن اللزوم لطفل عنده تلات سنين.
ما كانش بيعمل نوبات غضب، ما كانش بيعيط، وما كانش بيطلب حاجة تقريبًا.
وساعات محمود كان بيسأل نفسه:
هو ده طبيعي؟

“أنا عارف يا ابني… إنت ولد كويس.”
مالك ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن الابتسامة اختفت بسرعة.
محمود كان عايز يقول حاجة تانية.
كان عايز يحضنه.
يسأله عامل إيه.
يسأله لو مامته بتوحشه.
بس الكلام دايمًا كان بيتحبس في زوره.

“أنا ماشي. أشوفك بالليل.”
“باي يا بابا.”
وبس.

خرج محمود من الأوضة، وقفل الباب وراه، وسند ضهره على الحيطة وهو بياخد نفس طويل.
ليه الموضوع صعب بالشكل ده؟
ليه كل مرة يتكلم فيها مع ابنه يحس كأنه ماشي على إزاز مكسور؟

كان لسه هينزل عشان يخرج، لكن جرس الباب رن.
بص في الساعة.
الساعة تسعة ونص.
بدري نص ساعة.
فتح الباب وهو متضايق.
بالنسبة له، عدم الالتزام بالمواعيد مشكلة كبيرة.
لكن الوصول بدري أوي برضه معناه إن الشخص مش مقدر وقته.

قدامه كانت واقفة بنت عندها حوالي تسعة وعشرين سنة.
شعرها بني مربوط لورا، مفيش ميكاب مبالغ فيه، لابسة بنطلون جينز نضيف وقميص أبيض، وعلى كتفها شنطة ظهر قديمة.
“صباح الخير. أنا مريم.”
صوتها كان هادي، لكن ثابت.
وبصت في عينه مباشرة من غير ما توطي عينها.

محمود قال ببرود:
“إنتِ جيتي بدري. المعاد الساعة عشرة.”
“عارفة. وأنا آسفة. الأتوبيس وصل بدري عن المتوقع، ففضلت أستنى هنا بدل ما أفضل ألف في المنطقة.”
على الأقل صريحة.

فتح محمود الباب على الآخر.
دخلت مريم وهي بتبص حواليها بفضول هادي.
الغريب إنها ما اتبهرتش بفخامة الفيلا.
ما اتوترتش.
وما بانش عليها الخوف.
كانت بتبص بهدوء وكأنها بتحاول تفهم المكان.

كان عندها خطابات توصية من تلات عائلات.
وكلهم بيشكروا فيها.
وسنتين خبرة في رعاية الأطفال.

سألها محمود:
“سيبتي الشغل ليه؟”
“العيلة نقلت محافظة تانية.”
“وكانوا عايزين ياخدوكي معاهم؟”
“أيوه، بس عندي مسؤوليات هنا.”
“مسؤوليات إيه؟”
سكتت لحظة.
عدى على عينيها وجع سريع… أو قلق.
“أنا برعى أمي. هي تعبانة.”

محمود اتردد لحظة.
“أنا آسف.”
“شكرًا.”

سكت البيت تاني.
محمود كمل:
“ابني عنده تلات سنين. فقد أمه من تمن شهور. وهو طفل هادي.”
مريم بصت له وقالت:
“هادي زيادة.”
ما قالتهاش كسؤال.
قالتها كأنها عرفت من أول لحظة.
محمود ما علقش.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى