
بصيت له بابتسامة باردة ومية في المية سخرية، وقُلْت بصوت عالي سمّع الكل:
“بنتي في مدافن أديسون.. راحت عند ربنا لأنكم كنتوا مشغولين بكاسات الشامبانيا وتغيير الجناح وهي بتموت على الأسفلت! وبخصوص الفلوس؟ أنسوا.. البنك قفل أبوابه نهائي، والليلة اللي كنتوا بتفطسوا عليها، شربتم مقلبها لوحدكم، ومفيش ولا مليم واحد هيطلع من جيبي ليكم بعد النهاردة.”
كريم اتقنط وجري عليّ بوش محمر وعايز يمد إيده، وياسمين صرخت بشتايم أشكال وألوان، وأبويا وقف يلطم على وشه من الصدمة لما حس إن البير اللي كان بيكفي طمعه نشف للأبد. بس أمن المستشفى جه في ثواني وجرّهم لبره وهما بيتهددوا ويتوعدوا.
وقفت ورا الباب وأنا باصة لبره، وحسيت فجأة إن الإجهاد والضغط الرهبي اللي على كتافي لمدة أربع وثلاثين سنة طاروا في الهوا.. صحيح خسرت أغلى ما عندي في الدنيا ومكنش فيه تعويض لفريدة، بس الكاتدرائية المزيفة اتهدت على اللي فيها، وأنا أخيراً.. ولأول مرة في عمري.. بقيت حرة.
#حكايات_شروق_خالد
وقفت قدام الشباك المكسور من جوايا، ببص على الشارع التحتاني وهو ماشي بطبيعته ولا كأن الكون اتقلب واتهد فوق دماغي. فريدة مش هترجع، وضحكتها اللي كانت منورة البيت بقت مجرد صوت بعيد ملوش أثر غير في قلبي المكسور. بس وسط السواد ده كله، حسيت بنسمة هوا باردة دخلت ورقت روحي.
عمر السند ما كان هيكمل على أساس مائل، وعمر الستر ما كان هيجي من ناس بياكلوا لحم ضناهم عشان تذكرة حفلة أو جناح في فندق. خلاص، القصة خلصت والستارة نزلت على تمثيلية العيلة المثالية اللي ما كانتش غير كابوس طويل.
قفلت شباك الشقة، ولمّت هدوم فريدة ولعبها بحب ودموع صامتة، وحطيتها في مكانها الغالي. ومن اليوم ده، مريم المهندسة اللي كانت شايلة الدنيا على كتافها اتوفيت مع بنتها، وطلع من جثتها ست تانية.. ست قوية، قاسية، وعايشة لنفسها وبس.
لما التليفون رن بعد كدة برقم كريم أو أبويا، ما كنتش حتى بتعب نفسي أعمل بلوك.. كنت بكنسل وأنا مبتسمة، وأنا شايفة إن الفلوس اللي كانت بتروح للندل والجاحدين، بقيت أطلعها صدقة بروح فريدة وفي ميزان حسناتها. همّ اتخلقوا عشان يعيشوا في طمعهم، وأنا اتخلقت من جديد عشان أعيش للذكرى النقية الوحيدة اللي سبتهالي بنتي في الدنيا.
#حكايات_شروق_خالد
وسِعتُ دائرة الصمت حول حياتي الجديدة وكأنني أحفر خندقاً يحميني من جشعهم. مرّت الشهور بطيئة وثقيلة، وكل يوم كان يحمل معه طقساً خاصاً من الوفاء لروح فريدة. بدأت أتبرع بجزء كبير من مرتبي الشهري وأرباحي كمهندسة لإنشاء دار لرعاية الأطفال الأيتام ومستشفى خيري للأطفال تحمل اسمها، ليكون كل طفل فقير يجد علاجاً هناك بمثابة امتداد لنور فريدة الذي لم ينطفئ.
أما عن عائلتي، فلم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى انهار سقف حياتهم الوهمي فوق رؤوسهم تماماً مثلما توقعت. الديون القديمة التي كنت أسترها في الخفاء تجمّعت ككرة ثلج، والشركات والموردون هددوا كريم بالسجن بعد أن عجز عن سداد التزاماته، ومزرعة أبي الكبيرة حجز عليها البنك لعجزهم عن سداد الأقساط المتاخرة، واختفى أصحاب الوجوه المزيفة الذين كانوا يحيطون بياسمين بمجرد أن تبخرت أموالي.
في أحد الأيام، وأنا خارجة من مكتبي الهندسي متجهة لزيارة مدفن فريدة، ظهر أمامي أبي بشكل مفاجئ. كان مكسوراً، يجر قدميه بتعب ويحمل ملامح العجز والذل. حاول الاقتراب مني ومدّ يده المرتجفة قائلاً بصوت منكسر:
— يا مريم.. يا بنتي.. أبوكي مهدد بالطرد، وأخوكي هيدخل السقف، عيلتك بتموت.. سامحينا وارحمي شيخوختي!
وقفت أمامه بثبات غريب، ولم يتحرك في قلبي أي عرق أو حنين. نظرت إليه بعيون جامدة، وقلت بهدوء شديد:
— الشيخوخة مش بتتداوى بالفلوس يا بابا.. والكاتدرائية اللي هدمتوها بجهلكم محدش يقدر يبنيها تاني. البنك قفل حسابه للأبد، والعمود اللي كان شايلكم انكسر يوم ما قتلتوا روح بنتي برسايلكم وسهرتكم. ارجعوا لنفوسكم.. أنا خلاص مقتلتش فيا غير السلام.
عفته واقفاً مكانی، وخطوت بخطوات واسعة نحو سيارتي. ركبت وأنا أستنشق رائحة عطر فريدة اللي كنت حاطة زجاجته الصغيرة جنبي على التابلوه. أدرت المحرك، وانطلقت في طريقي، لأدرك لأول مرة في عمري معنى أن يكون الإنسان حراً.. حراً تماماً من قيود الدم، ومن وهم العائلة، ومن كل ثقل علق بروحي طوال سنين عمري الماضية.
#حكايات_شروق_خالد
جنية على الأسفلت
#حكايات_شروق_خالد



