
بنتى اللى مالية عليّ الدنيا، اللى عمرها سبع سنين، كانت ب وداخّلة عمليات أعصاب عاجلة بعد حادثة دهس فظيعة. وفي الناحية التانية، عيلتي كلها كانت قاعدة ترقص وتحتفل على مركب نيللي كبير متأجر لسهرة الهالوين. وكل همّ أبويا اللي فارق معاه ظهر في رسالة على الموبايل بيقول فيها: “حولي 360 ألف جنيه فوراً.. أخوكِ عايز يرقي الجناح بتاعه في الحفلة.” قسوة وجشع يوجعوا القلب على طفلتي اللي الروح كانت بتطلع منها. ولما طنشت قرفهم، أختي فتحت فيّ شتيمة وقلة أدب وبقت تقول عليّ إني ست بلا قلب وياً. وأنا واقفة قدام باب العمليات وروحي مسحولة من التعب، عملت ليهم كلهم بلوك ومسحت اسمهم، وغيت الفاتورة الكبيرة اللي كنت بدفعها من جيبي لوحدي. وبعدها بكام يوم، جوم هجموا على العناية المركزة وصوتهم عالي وبيصرخوا بجنون عشان التذاكر والمصاريف اللي اتلغت عليهم!
طول عمري شغالّة مهندسة إنشائية، وعارفة كويس أوي فيزياء الضغط وتقدير الأحمال—إزاي العمود بيستحمل إجهاد القص لحد ما الخرسانة تفرقع والحديد يتلوى زي القش المبلول. طول أربعة وثلاثين سنة، كنت مخدوعة وفاكرة إن عيلتي دي هي السند والحيطان اللي متقوية ببعضها. بس للأسف، طلعت مقبرة مهجورة، وكنت أنا العمود الوحيد المعوج اللي شايل على كتافي ستين طن من الرخام المعفن عشان ما يقعش يسحقنا كلنا. وصية أمي وهي بتموت في السرير—”خلي بالك من إخواتك يا مريم، أبوكي ضعيف وبيتكسر لأتفه سبب”—كانت زي الوثيقة اللي قيدت روحي وأنا مش حاسة. ولمدة اتناشر سنة، كنت البنك بتاعهم وممتص الصدمات لخيابتهم: أدفع في الخفاء الديون الكبيرة بتاعة أخويا كريم، وأغطي قروض جوازات أختي ياسمين الباذخة، وشارية أقساط الشقة والفيلا لأبويا محمود.
النقطة الوحيدة المنورة والنقية في دنيتي السودة دي كانت بنتي فريدة، أبو سبع سنين. وعشان أشتري ليلة واحدة هادئة وآمنة أقضيها معاها، عملت حاجة تقرف وتلوي البدن: حولت مبلغ ضخم من شقايا واحتياطي فلوسي عشان أأجر لهم مركب سياحي فاخر في النيل، أرميهم فيه في المية وأخلص من زعيقهم لمجرد أشتري سكوتهم وراحة بالي.
في الليلة دي، كانت فريدة زي الملاك في لبس الجنية اللي عملته لها بإيدي، وأجنحتها السلك الرقيقة ملفوف فيها لمبات صغيرة بتنور زي الفراشات. كانت بتتنطط وتجري على كورنيش الزمالك، وهي فرحانة ومحفظة علبة الحلوى في إيدها: “معايا اتناشر شوكولاتة يا ماما.. هشيل لك أكبر واحدة عشان أنتِ اللي عملتِ لي الأجنحة!”
وفجأة، في عُشر ثانية عند خط المشاة، الدنيا اتدمرت واتبدلت.
لا كلاكس نبه، ولا حد حس بحاجة. ما كانش فيه غير صوت الموتور وهو بيزأر بجنون ونور العربيات العالي اللي عامي العيون. عربية ملاكي فضي طارت وقطعت الإشارة الحمراء بسرعة رهيبة. صرخت بكل صوتي باسم فريدة، ونطيت بكل قوتي عشان ألحقها، بس قوانين الفيزياء ما رحمتنيش. خبطة مرعبة وصوت عظم بيتكسر هزّ سكون الليل. قوة الصدمة طيرت فريدة مترات في الهوا، كسرت أجنحة الجنية بتاعتها ورسّتها على الرصيف التاني جثة هامدة ما بتتحركش. العربية ما فكرتش حتى تهدي؛ كوتشاتها صرخت على الأسفلت وراحت هاربة في الضلمة بسرعة البرق.
وقعت على الأسفلت الساقع وأنا ضمّة بنتي لحضني ودموعي ماليين وشي، واتصلت بأبويا محمود وأنا بترعش من الخوف. وما سمعتش من السماعة غير دوشة الدي جي الصاخبة والضحك والزيطة:
“يا بابا! فريدة خبطتها عربية… البنت بتموت في إيدي! الحقني أنا محيتاجاك!”
“مريم؟ علي صوتك مش سامعك خالص!” جاني صوته تقيل وشارب ومملان بالضيق: “الشبكة هنا زفت وزفتة. أنتِ أكدتِ على المشروبات الغالية مع المتعهد؟ كريم بيقول إنهم جابوا العادي وبس. ما تتصليش تاني إلا لو فيه مصيبة تخص حساب المركب!”
والسكة اتقفلت.
بعد ساعات، جوة صالة انتظار العناية المركزة للأطفال في المستشفى، كنت قاعدة أترعش ومش قادرة أتحرك، وهدومي مبلولة دموع وتراب من الشارع. باب العمليات اتفتح، وخرجت الدكتورة، وفي عينيها نظرة الحزن والأسف اللي الأطباء بيخبوها عن أهالي المرضى لما تكون النهاية معروفة.
خدت نفس عميق عشان تنطق بالكلمة اللي هتهد حياتي: “مريم…”
وقبل ما الحرف الأول يطلع من بوقها، موبايلي اتهز بعنف في إيدي. الشاشة كلها نورت بإشعار رسالة جديدة من أبويا:
“حولي 360 ألف جنيه فوراً. أخوكِ محتاج يرقي الجناح بتاعه في السهرة.”
بصيت لشاشة الموبايل والرسالة منورة باللون الأحمر، حسيت إن الدم جمد في عروقي وكل حاجة حواليا وقفت. مفيش دموع تاني نزلت، بالعكس.. حسيت ببرود غريب ورهيب نزل على قلبي زي الثلج. دكتورة الأطفال لفت وشها وكملت كلامها بصوت مكسور: “البقاء لله.. عملنا اللي نقدر عليه بس الإصابة كانت أقوى بكتير من تحملها.” فريدة.. روحي وضحكتي وكل حاجة حلوة في دنيتي.. سابتني ومشيت.
رفعت عيني عن الدكتورة، وبإيد ثابتة كأنها حديد، فتحت ابلكيشن البنك على الموبايل. الفاتورة الضخمة بتاعة سهرة المركب، ومصاريف الجناح اللي أخويا زعلان عشان مش فيه، وديون كريم، وأقساط شقة أبويا.. كله كان معلّق وبانتظار الضغطة الأخيرة من كرتي البنكي. دوست بعنف على كلمة “إلغاء نهائي لكل الحوالات والأوامر الدائمة”.. وفي ثواني، فلوسهم اللي كانوا عايشين عليها هفّت في الهوا. وبعملية سريعة تانية، عملت ليهم كلهم “بلوك” من حياتي ومن خطوطي ومن الدنيا بحالها. انتهى دور المصدة والبنك الآلي اللي كان بيصرف عليهم.
يوم الدفنة والعزاء.. مكنش فيه أي أثر ليا معاهم. بعد مرور أيام قليلة، وأنا قاعدة لوحدي في شقتي الهادية اللي مليانة بريحة فريدة وذكرياتها، سمعت صوت دوشة وجعجعة وزعيق بره في ممر مستشفى العناية المركزة القديم، كأن فيه خناقة كبيرة واقعة.
فتحت باب الاوضة اللي كنت قاعدة فيها عشان ألمّ حاجتي، ولقيتهم.. عيلتي كلها! أبويا محمود، وأخويا كريم، وأختي ياسمين.. طالعين الدور ورا بعض زي البهوات، وشهم مكشر ومليان غل وغضب، وعمالين يصرخوا في وش أمن المستشفى والممرضات بصوت عالي لمّ الناس:
“يعني إيه تذاكرنا اتلغت؟! إحنا أهل البنت! إزاي تفضل مقفولة في الوش كده؟ وفلوس الحجز راحت فين؟! سارة هانم لازم تدفع حالاً!”
أبويا كان بيزعق وبيهدد، وكريم عمال يشتم، وياسمين بتصرخ بصوتها كله: “فين الفلوس يا مختلة يا أنانية؟! سيبتي أخوكي مكسوف قدام أصحابه في الجناح عشان قرشين؟!”
الكل كان باصص عليهم باستحقار من صوتهم الواطي في مستشفى أطفال، بس هما ولا فارق معهم ميت ولا مريض ولا أي حاجة.. همهم الوحيد كان الفلوس والرفاهية اللي طارت.
طلعت من الباب خطوة بخطوة، وهتفت بصوت هادي وثابت، صوت وحدة مفيش أي حاجة تبكيها تاني بعد ما خسرت بنتها:
“جايين تدوروا على الفلوس وتصرخوا عشان تذاكر الهالوين؟”
الكل سكت وبص لي بصدمة، كأنهم شايفين شبح. أبويا اتسعت عينيه وقال بصوت مليان غضب: “أنتِ لسه ليكي عين تتكلمي؟! تعالي هنا حالاَ، حولي الفلوس اللي اتلغت دي عشان الحساب يتسدد وفضيحة أخوكي! وأنتِ فين بنتك مش شايفينها معاكي؟!”



