منوعات

الطفلة اللي سمعت قلب رجل في القاهرة… حكايات شروق خالد

# قلبك حزين يا عمو.. والطفلة التي كشفت السر بعد خمس سنوات

الجملة البسيطة دي قالتها طفلة عندها تلات سنين، وهي واقفة قدام رجل غامض له نفوذ كبير في القاهرة، ماسكة سماعة دكتور لعبة حمرا وبيضا في إيدها الصغيرة.

أنطون المنشاوي كان راجع من سفره قبل ميعاده، والبيت كله كان ساكت بشكل غريب.

بقاله خمس سنين ما دخلش أوضة ابنه اللي رحل.

خمس سنين كاملة، والأوضة في الدور الرابع مقفولة، وممنوع أي حد يقرب منها.

ولا ورد، ولا موسيقى، ولا حتى صوت عالي في البيت.

أنطون كان بيقول لنفسه إن ابنه رحل من زمان، وإن كل اللي يربطه بيه انتهى يوم رحيله.

لكن الحقيقة إنه كان بيحاول يقنع نفسه بكده.

كل ليلة، لما البيت يهدأ، كان بيطلع للدور الرابع ويقف قدام الباب المقفول.

من غير ما يفتحه.

من غير ما يلمس المقبض.

بس يقف.

لحد ما يسمع صوت جواه بيقول له إن ابنه لسه مستنيه.

وفي الليلة دي، المطر كان نازل على القاهرة بغزارة، والطريق من المطار كان شبه فاضي.

دخل أنطون قصره في الزمالك، وخلع الجاكيت المبلول، وهو متوقع يلاقي مازن، ابن عمه ومساعده الأول، مستنيه كعادته.

لكن البيت كان هادي.

هادي زيادة عن اللزوم.

نادى بصوت منخفض:

“مازن!”

محدش رد.

رفع عينه للسلم، ولاحظ حاجة غريبة.

نور ضعيف طالع من ناحية المطبخ.

اتحرك ناحيته، وهناك شاف أمينة، الطباخة العجوز، واقفة مرتبكة.

قال بحدة:

“في إيه؟”

بلعت أمينة ريقها.

“ولا حاجة يا بيه.”

“أنا سألتك في إيه؟”

اتوترت وقالت:

“الست ليلى… الجديدة.”

“مالها؟”

“جايبة بنتها معاها.”

سكت أنطون لحظة.

“بنتها؟”

“آه يا بيه… أصلها أرملة ومفيش حد يقعد مع البنت.”

“والبنت فين؟”

قبل ما أمينة ترد، سمع أنطون صوت ضحكة صغيرة جاية من ناحية السلم.

لف بسرعة.

ما شافش حد.

وبعدين سمع خطوات صغيرة.

تك…

تك…

تك…

طفلة صغيرة ظهرت من ورا الحيطة.

كانت لابسة فستان وردي بسيط، وشعرها مربوط بتوكتين صغيرين، وفي إيدها سماعة دكتور لعبة حمرا وبيضا.

وقفت قدامه.

رفعت عينيها له.

ما خافتش.

ما عيطتش.

بس بصت له فترة طويلة.

أنطون، اللي رجالته كانوا بيحسبوا له ألف حساب، وقف قدام طفلة مش عارف يعمل إيه.

قال ببرود:

“إنتِ مين؟”

الطفلة ابتسمت.

“أنا مريم.”

“ومين سمحلك تطلعي هنا؟”

رفعت السماعة اللعبة وحطتها على صدرها.

وبعدين قربت منه خطوة.

“إنت تعبان؟”

قطب حواجبه.

“لأ.”

هزت راسها.

“كداب.”

أنطون اتجمد.

أمينة حطت إيدها على بقها.

“يا نهار أبيض…”

لكن مريم ما اهتمتش.

قربت أكتر، ومدت السماعة ناحية صدر أنطون.

“ممكن أسمع قلبك؟”

أنطون بص للسماعة.

وبعدين بص للطفلة.

“إنتِ بتلعبي دكتور؟”

هزت راسها.

“آه.”

“طب اسمعي.”

حطت السماعة على صدره.

فضلت ساكتة.

ثانيتين.

تلاتة.

وبعدين رفعت عينيها له.

الابتسامة اختفت من وشها.

وقالت بهمس:

“قلبك حزين يا عمو.”

الجملة ضربت أنطون في مكان محدش قدر يقرب منه من خمس سنين.

مد إيده وشال السماعة من إيدها.

“مين قالك كده؟”

مريم بصت له باستغراب.

“قلبي.”

“قلبك؟”

هزت راسها.

“آه.”

“إنتِ عرفتي منين إن قلبي حزين؟”

الطفلة سكتت.

وبعدين بصت ناحية السلم.

“عشان هو بينادي.”

وش أنطون اتغير.

“مين؟”

مريم أشارت لفوق.

للدور الرابع.

لأوضة ابنه المقفولة.

وقالت بمنتهى الهدوء:

“الولد اللي جوه.”

الصمت وقع على البيت كله.

أنطون حس إن الدم انسحب من وشه.

“إنتِ قلتي إيه؟”

مريم كررت:

“الولد اللي جوه.”

قرب منها بسرعة.

“مفيش ولد جوه.”

الطفلة بصت له بثبات.

“هو موجود.”

“مين قالك؟”

“هو.”

“هو مين؟”

ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة، وقالت:

“صاحبي.”

في اللحظة دي، نزلت ليلى الشناوي من السلم وهي بتجري.

وشها كان أبيض من الخوف.

“مريم!”

الطفلة لفت ناحيتها.

“ماما.”

ليلى نزلت بسرعة، شالت بنتها، وبصت لأنطون.

“أنا آسفة يا بيه… والله ما كان قصدي…”

أنطون ما بصش لها.

عينيه كانت على مريم.

“إيه اللي كانت بتقوله؟”

ليلى ارتبكت.

“هي… هي طفلة.”

“أنا سألتك بتقول إيه.”

“مش عارفة.”

أنطون قرب خطوة.

“بنتك قالت إن في ولد في أوضة ابني.”

ليلى شهقت.

“إيه؟”

“سمعتي.”

“مريم عمرها تلات سنين يا بيه.”

“وده معناه إيه؟”

“معناه إنها بتخرف!”

مريم حطت راسها على كتف أمها وقالت بهدوء:

“مش بخرف.”

أنطون حس بقشعريرة.

بص لها.

“إنتِ دخلتي الأوضة دي قبل كده؟”

مريم هزت راسها.

“لأ.”

“شفتيها؟”

“لأ.”

“طب عرفتي منين إن فيها ولد؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“هو اللي قال لي.”

أنطون قبض إيده.

“إيه اسمه؟”

مريم بصت له.

“قال لي ما أقولش.”

ليلى قالت بسرعة:

“خلاص يا بيه، أنا هاخد بنتي ونمشي.”

أنطون لف لها.

“ولا هتروحي ولا هتخرجي من البيت.”

اتجمدت ليلى.

“ليه؟”

“لأن بنتك قالت حاجة مستحيل تعرفها.”

“بس…”

“وأنا عايز أعرف عرفتها منين.”

مريم رفعت راسها من على كتف أمها.

وبصت لأنطون تاني.

وقالت:

“هو زعلان منك.”

الجملة دي كانت كفيلة تخلي أنطون ينسى كل حاجة.

لأن ابنه، قبل ما يرحل، كان آخر شخص قال له:

“إنت عمرك ما هتصدقني يا بابا.”

وبعدها بساعات، تعرض لحادث غامض.

الملف اتقفل باعتباره حادث طريق.

أو على الأقل…

ده اللي أنطون كان مصدقه.

طلع أنطون السلم ببطء.

وقف قدام باب الدور الرابع.

إيده قربت من جيبه.

المفتاح القديم كان لسه موجود.

خمس سنين وهو بيحمله.

خمس سنين وهو بيرفض يفتح الباب.

لكن الليلة دي، لأول مرة، سمع صوتًا.

خبطتين خفيفتين من الناحية التانية.

دق…

دق…

أنطون ثبت مكانه.

مازن ظهر خلفه فجأة.

“أنطون!”

أنطون ما ردش.

مازن قرب.

“إنت بتعمل إيه هنا؟”

أنطون بص للباب.

وقال بصوت منخفض:

“إنت سمعت؟”

مازن عقد حواجبه.

“سمعت إيه؟”

جاءت الخبطة مرة تانية.

دق…

دق…

مازن اتجمد.

“مستحيل.”

أنطون طلع المفتاح.

إيده كانت بترتعش لأول مرة من سنين.

دخل المفتاح في القفل.

وقبل ما يلفه…

سمع صوت مريم من آخر السلم.

“عمو…”

لف.

كانت واقفة في حضن أمها.

وبصوت هادي قالت:

“ما تفتحش لوحدك.”

أنطون بص لها.

“ليه؟”

مريم قربت وشها من أذن أمها، وهمست.

لكن أنطون سمعها.

“عشان الراجل اللي الولد لسه عايش.”

تجمد أنطون.

والمفتاح وقع من إيده.

لأول مرة منذ خمس سنوات، الخوف ظهر في عيني الرجل الذي لم يكن أحد يجرؤ على مواجهته.

—

مريم قالت الجملة، والمفتاح لسه واقع على الأرض.

أنطون ما اتحركش.

كان باصص للطفلة كأنه بيحاول يقرر إذا كان اللي سمعه حقيقي، ولا عقله أخيرًا بدأ يخونه بعد خمس سنين من الندم.

مازن نزل بسرعة، التقط المفتاح، وبص لأنطون.

“أنطون… إنت كويس؟”

أنطون ما ردش.

فضلت عينه معلقة على مريم.

“مين قالك إن الراجل اللي تسبب في رحيل ابني لسه موجود؟”

ليلى شدّت بنتها لصدرها.

“مريم، اسكتي.”

لكن الطفلة بصت لأنطون وقالت:

“هو قال لي.”

أنطون اقترب منها.

“فين هو؟”

مريم رفعت إيدها الصغيرة وأشارت ناحية باب الأوضة.

“جوه.”

أنطون حس بقلبه بيخبط في صدره.

“الشخص اللي تسبب في رحيل ابني… جوه الأوضة؟”

مريم هزت راسها.

“لأ.”

سكتت لحظة.

“حاجة تخصه.”

مازن بص لأنطون.

“لازم نفتح.”

أنطون مد إيده للمفتاح.

لكن قبل ما يحطه في القفل، سمع صوت تكسير جاي من تحت.

صوت زجاج بيتكسر.

وبعده مباشرة صوت أمينة وهي بتنادي.

“يا بيه!”

أنطون لف بسرعة.

مازن اتحرك ناحية الصوت.

“في حد دخل البيت.”

أنطون بص لليلى.

“خدي مريم وانزلي للمطبخ، واقفلي الباب عليكم.”

ليلى هزت راسها وهي مرعوبة.

“بس يا بيه…”

“دلوقتي!”

جريت ليلى وهي شايلة بنتها.

لكن مريم وهي بتبعد، بصت لأنطون وقالت:

“عمو…”

“إيه؟”

“ما تثقش في الراجل اللي هييجي يساعدك.”

أنطون اتجمد.

“مين؟”

لكن مريم اختفت خلف السلم.

مازن قرب منه.

“إحنا لازم ننزل.”

أنطون بص للباب المقفول.

وبعدين قال:

“إنت انزل.”

مازن اتصدم.

“إنت مجنون؟”

“أنا هفتح الأوضة.”

“دلوقتي؟ في حد داخل البيت!”

“وده السبب.”

أنطون حط المفتاح في القفل.

لفه.

صرير طويل خرج من الباب.

وببطء، الباب اتفتح.

ريحة تراب وخشب قديم خرجت من جوه.

الغرفة كانت زي ما سابها.

سرير صغير.

مكتب عليه كتب مدرسية.

كرة قديمة.

صورة لابنه وهو عنده عشر سنين.

وعلى الحيطة…

ساعة متوقفة عند الساعة 11:47.

أنطون دخل.

رجله كانت تقيلة.

خمس سنين من الذكريات ضربته مرة واحدة.

لمس المكتب.

عينيه لمعت.

“آدم…”

قال اسم ابنه لأول مرة بصوت مسموع من خمس سنين.

مازن وقف عند الباب.

وفجأة قال:

“أنطون…”

أنطون لف.

مازن كان بيشاور على الأرض.

في آثار تراب جديدة.

آثار حذاء.

جاية من الشباك.

أنطون قرب.

الشباك كان مقفول.

لكن الستارة كانت بتتحرك.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى