
نفسي اتقطع بالكامل، ووقفت مش قادرة أتحرك ولا حتى أصرخ. الظلام كان دامس، وصوت الموج بره زاد قوته، كأنه بيغطي على صوت الخطوات اللي جوه.
مسكت طرف الفستان الأبيض وبدأت أتحرك بالراحة في اتجاه السلم.
قلبي كان من شدة الخوف، وذهني عمال يتخيل إن الرشيدي أو حد من رجاله قدر يوصل للفيلا أول ما أحمد مشي.
“مصطفى؟” ناديت بصوت واطي ومتردد وأنا بتحرك على السلم. “مصطفى أنت هنا؟”
ماحدش رد، لكن صوت الخطوات كان بيبعد عن الباب الرئيسي وبيقرب من ناحية المطبخ.
فجأة، سمعت صوت زجاج بيتكسر، وبعدها صوت مكتوم كأن حد بيحاول يستنجد.
جريت بسرعة ناحية الأوضة فوق، وقفت الباب بالمفتاح، ورجعت بضهري لحد ما خبطت في السرير.
مسكت المزهرية الكريستال الثقيلة اللي كانت على التربيزة جنبي بإيدين مرتعشتين من الخوف، ووقفت ورا الباب وأنا بحاول أتماسك.
مرت الدقائق كأنها سنين.
وفجأة، مقبض الباب بدأ يتحرك بالراحة فوق وتحت.
حد بيحاول يفتح الأوضة!
أنفاسي اتجمدت، ورفعت المزهرية بإيديا الاتنين وأنا مستعدة أدافع عن نفسي بكل قوتي.
المقبض اتحرك بصوت واضح، والباب اتفتح بالراحة.
خيال طويل وضخم ظهر عند الباب.
رفعت إيدي وكنت على وشك أتحرك، لكن قبل ما أعمل أي حاجة، إيد قوية أمسكت إيدي ومنعتني من الحركة.
وقعت المزهرية على السجادة من غير ما تعمل صوتًا كبيرًا.
“اهدي.. ده أنا.”
صوت أحمد.
النور رجع يشتغل في اللحظة دي، وضوء الأبليك الدافئ أنار الأوضة.
كان أحمد واقف قدامي، هدومه متأثرة بما حدث، وقميصه الأبيض عليه آثار بسيطة.
“أحمد!” قلت بصوت مخنوق، والدموع نزلت من عيني من شدة الخوف والضغط. “أنت كويس؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ والنور اتطفي ليه؟”
أحمد ما ردش فورًا.
أمسك بي من كتفي وطمأنني، وحاول يهديني بعدما لاحظ ارتباكي.
قال بصوت منخفض:
“واحد من رجال الرشيدي حاول يدخل الفيلا من ناحية المطبخ أثناء انقطاع الكهرباء، لكن مصطفى تعامل مع الموقف بره، والوضع بقى تحت السيطرة.”
رفعت وجهي وبصيت في عينيه.
“والآثار اللي على قميصك دي؟ أنت اتأذيت؟”
هز رأسه وقال:
“مش حاجة خطيرة. قلتلك قبل كده يا صفا.. طول ما أنتِ معايا، محدش هيقدر يقرب منك.”
ثم أمسك إيدي وقال بهدوء:
“اللي حصل ده يثبتلك إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف. أنتِ دلوقتي جزء من الخطر اللي حوالينا، وأنا مسؤوليتي أحميكي.”
وفجأة، تليفونه رن مرة تانية.
لكن المرة دي، كان الصوت واضحًا للجميع.
جاء صوت حاد من الطرف الآخر:
“مبروك يا باشا.. قدرت تحمي مراتك في الجونة، لكن يا ترى أختها الصغيرة في القاهرة هتقدر تحميها بنفس السهولة؟”
الكلمات غيرت أجواء الغرفة في ثانية.
أحمد توقف للحظات، ثم أمسك الهاتف بقوة.
قال بصوت منخفض:
“لو قربت منها يا رشيدي، هتنتهي كل حساباتنا بطريقة مش هتعجبك.”
جاءه الرد ببرود:
“قدامك ست ساعات يا باشا.. ترجعلي الورق والأرض اللي أخدتها مني، وإلا الليلة دي هتكون أصعب ليلة في حياتك.”
ثم انتهت المكالمة.
شعرت بالخوف يسيطر عليّ، وبدأت دموعي تنزل.
“ريم.. أختي الصغيرة يا أحمد! أختي ملهاش ذنب! أنت وعدتني إنك هتحميها!”
لف أحمد ناحيتي بسرعة، وقال بثبات:
“صفا! بصيلي هنا وركزي معايا. أختك مش هيجرالها حاجة. أنا حاطط حراسة على بيتها من يوم ما اتجوزتك، ومحدش يقدر يوصلها بسهولة.”
أخرج هاتفه الآخر واتصل بأحد رجاله.
“عمار! ريم في أمان؟”
جاءه صوت الحارس واثقًا:
“تمام يا باشا. الآنسة ريم جوه الشقة، وإحنا مأمنين العمارة والشارع بالكامل.”
أحمد تنفس ببطء وقال:
“انقلوها فورًا للمكان الآمن رقم 3، ومحدش يعرف طريقها غيري. يتحركوا دلوقتي.”
أنهى المكالمة ونظر إليّ.
ولأول مرة، شعرت أن أحمد أصبح بالنسبة لي خط الدفاع الوحيد أمام الخطر الذي يقترب منا.
اقترب مني ومسح دموعي بهدوء.
قال:
“الرشيدي بيلعب بأعصابي عشان أتصرف من غير تفكير. هو فاكر إنه حاصرني.”
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وأضاف:
“ومش عارف إن اللعبة دي أنا اللي مستعد لكل احتمالاتها من البداية.”
سألته وأنا أمسك بقميصه:
“هنعمل إيه؟”
قال بثقة:
“هنرجع القاهرة دلوقتي يا صفا.. بس مش عشان أديله اللي هو عايزه.”
ثم أكمل:
“إحنا راجعين عشان ننهي المشكلة دي، وأنتِ هتبقي معايا في كل خطوة عشان أضمن سلامتك.”
اتجه أحمد لتأمين المكان والاستعداد للرحيل، وأنا وقفت أراقبه بمشاعر متضاربة.
الخوف من المجهول، والقلق على أختي، والدهشة من الطريقة التي يتعامل بها أحمد مع كل ما يحدث.
ورغم كل شيء، بدأت أشعر أن هذا المكان الذي ظننته في البداية مجرد عزلة مفروضة عليّ، أصبح الآن المكان الوحيد الذي أشعر فيه بالأمان.
بعد نصف ساعة، كنا على متن طائرة خاصة تحلق في سماء الليل عائدين إلى القاهرة.
كان أحمد يجلس بجواري، ممسكًا بيدي، بينما كانت أفكاره منشغلة بما ينتظرنا عند العودة.
نظرت من نافذة الطائرة إلى أضواء القاهرة البعيدة.
كنت أعرف أن الساعات القادمة ستكشف الكثير من الأسرار.
وأن المواجهة مع الرشيدي لم تعد مجرد خلاف عابر…
بل أصبحت نقطة فاصلة ستغير حياة صفا وأحمد إلى الأبد.
#حكايات_شروق_خالد



