منوعات

حكاية سليم العطار ج2 .#حكايات_شروق_خالد

صوت الموتور كان زي السكينة اللي غرست في ظهري.

عربية الشيفروليه كابريس موديل تسعين… الصوت ده أنا حافظ نغمة شكمانها من وأنا عيل صغير. الصوت ده كان بتاع «جلال»… أخويا الكبير اللي حضنته وهو بيفارق الحياة في المستشفى من عشر سنين، ووقفت بعيني وأنا بنزله القبر وبإيدي رميت عليه التراب.

بصيت لأمينة، لقيت وشها اصفرّ تمامًا وهزت رأسها ببطء:

«هو يا سليم… هو اللي فاطمة هربت العيال منه.»

قلبي كان بيدق بسرعة. مسكت وسيلة الحماية اللي معايا، وطلعت من الأوضة السرية وقفلت الباب الإلكتروني.

نزلت الصالة. الدخان كان لسه مالي المكان، ورائحة الحريق والبارود كانت خانقة.

الباب الخشب الكبير المزخرف اتفتح ببطء.

دخل راجل بعكاز، لابس بدلة كحلي شيك جدًا، ووراه أربعة حراس. الراجل مشي كام خطوة، ورفع رأسه تحت نور الثريا المكسورة.

نفس الوش… بس في أثر جرح كبير نازل من حاجبه لغاية خده. نفس العينين الباردة.

«عاش من شافك يا سليم… كبرت وصرت معلم يا ابن العطار.»

صوتي خرج بالعافية:

«جلال؟… أنت… أنت ميت! أنا دفنتك بإيدي!»

جلال ضحك ضحكة جافة، وقال وهو بيسند على عكازه:

«أنت دفنت الصورة اللي أبوك وخالك حبوا يلبسوها لك يا سليم. اللي اندفن في القبر ده كان واحد شبهي… تمثيلية صغيرة عشان أخرج من الصورة خالص وأدير شغلي من بعيد.»

خطوت خطوة قدام وقلت:

«شغل إيه؟ والعيال دول بيعملوا إيه هنا؟ وفاطمة… فاطمة ماتت إزاي؟»

ابتسامة جلال اختفت، وعينيه اتغيرت.

«فاطمة دخلت في اللي مالهاش فيه. فاطمة عرفت إن سر عيلة العطار مش في الأعمال المشبوهة… السر فينا إحنا. في دمك ودمي. إحنا عيلة اتبنى جزء من تاريخها على أسرار وتجارب قديمة من أربعين سنة. والعيال دول مش مجرد أولادك… دول الجيل الجديد اللي كنا بنخطط له عشان الأسرار دي تستمر.»

رأسي كانت هتنفجر من الكلام.

«يعني إيه؟ العيال دول إيه؟»

جلال قرب خطوة، والحراس بتوعه وقفوا في أماكنهم.

«فاطمة حملت في أربعة توائم بعد علاج طبي خاص اتعمل في مستشفى برة. كانت فاكرة نفسها بتتعالج من مشكلة في الإنجاب، ولما اكتشفت الحقيقة… وإن الأطفال دول ممكن يتاخدوا بعيد عن حياتهم الطبيعية ويتربوا في مكان خاص، هربتهم بالاتفاق مع الدادة وخفتهم. وزورت خبر وفاتها. بس فاطمة غلطت لما افتكرت إنها تقدر تستخبى مني العمر كله.»

قلت بغضب:

«أنت اللي كنت السبب في موتها؟»

رد بهدوء:

«هي اختارت الصمت يا سليم. رفضت تقول مكانهم… وفضلت متمسكة بموقفها لآخر لحظة. لكن الدادة أخطأت… رجعتهم بيتك فاكرة إنك أكتر واحد تقدر تحميهم، وماعرفتش إن بيتك ده كان أول مكان هدور فيه عليهم.»

جلال شاور للحراس:

«ادخلوا هاتوهم… وسليم لو حاول يمنعكم، خلّوه بعيد عن طريقكم. مش عايزه يختفي دلوقتي، عايزه يشوف الحقيقة وهي بتظهر قدامه.»

الحراس بدأوا يتحركوا ناحية السلم.

في اللحظة دي، جلال نسي حاجة واحدة بس…

إنه بيتكلم مع سليم العطار… الراجل اللي قضى سنين طويلة وسط عالم مليان أسرار وصراعات، وكان دايمًا مستعد لأي مفاجأة في بيته.

أنا مش بس كنت مستعد بوسيلة حماية… إيدي الثانية كانت ماسكة جهاز تحكم صغير في جيبي.

ضغطة واحدة مني… والأضواء في الفيلا كلها انطفت، والإنذار اشتغل، وبدأ نظام الحماية الآلي في البيت يشتغل.

بدأت الفوضى تعم الصالة وسط الضلمة، وصوت الزجاج والكراكيب اللي بتقع كان مالي المكان. الحراس اتفاجئوا بنظام الأمن وما لحقوش يتصرفوا.

استغليت حالة الارتباك، وانسحبت بسرعة في الضلمة ناحية الممر المؤدي للغرفة السرية. كنت حافظ كل شبر في الفيلا زي كف إيدي.

وصلت للباب الإلكتروني، فتحته بالبصمة ودخلت وقفلت فورًا من الداخل.

لقيت أمينة قاعدة في الأرض وحاضنة العيال الأربعة، وهم مكمشين في بعض وكاتمين صوتهم.

أمينة بصتلي وهي بترتعش:

«إيه اللي بيحصل برة يا سليم؟»

قلتلها بثبات:

«مفيش وقت للحديث يا أمينة. جلال برة، والبيت كله مش آمن. فيه مخرج طوارئ من تحت الأرض بيطلع على الشارع الخلفي. هتمشي فيه أنتِ والأولاد فورًا.»

إبراهيم، أهدأهم وأصغرهم حجمًا، مسك في جاكتي وقال بصوت هادي:

«أنت مش جاي معانا؟»

بصيت في عينيه اللي شبه عينيا بالظبط، وابتسمت له لأول مرة:

«أنا هأمن لكم الطريق وأحصلكم. امشي مع الدادة وما تقفوش ولا تتلفتوا وراكم.»

فتحت الباب الحديدي المخبأ تحت السجادة في أرضية الأوضة، ونزلت أمينة والعيال واحد ورا الثاني.

وقبل ما أقفل الباب، أمينة بصتلي وقالت:

«خلي بالك من نفسك يا بني… فاطمة سابتهم أمانة في رقبتك.»

قفلت الباب السري وأمّنته من فوق.

رجعت للصالة بعد ما الصوت هدي نسبيًا. الضلمة كانت سائدة، وأضواء العربيات من برة كانت بتعكس خيالات على الحيطان.

جلال كان واقف بيحاول ينسحب ناحية البوابة الرئيسية، ومتبقي معاه حارس واحد بس.

خرجت من بين الخيالات ووقفت قدامه.

جلال وقف مكانه، وبصلي بحدة وهو بينهث:

«فاكر نفسك كسبت يا سليم؟ حتى لو هربتهم النهاردة، العيلة مش هتسيبهم… السر ده أكبر منك ومني.»

رديت عليه بهدوء:

«السر ده ينتهي النهاردة يا جلال. العيلة دي خلصت من اليوم اللي فاطمة قررت تحمي فيه العيال.»

وفجأة ساد صمت كامل.

بعد دقائق، وصلت قوات الشرطة والطوارئ بعدما أبلغ الجيران عن حالة الفوضى اللي حصلت في المكان.

سلمت نفسي والوسيلة اللي كانت معايا للجهات المختصة بدون مقاومة، وبدأت التحقيقات الرسمية تكشف كل الملابسات والشبكة المشبوهة اللي كان جلال وشركاؤه جزءًا منها.

الأولاد تم نقلهم لمكان آمن وتحت رعاية الجهات المختصة، لحد ما الإجراءات القانونية تكتمل ويتم تأمين حياتهم بعيدًا عن أي خطر.

وبعد كل اللي حصل، فضلت القاعدة الأساسية ثابتة:

الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها في النهاية بتظهر.

والأطفال اللي كانوا ضحية لأسرار الكبار، أخيرًا أصبح لهم طريق آمن وحياة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى