
“تلاقي نسوا التاريخ أو اتلخبطوا..”
بس معقولة الستة عيال يغيبوا كلهم في نفس الليلة ومن غير حتى ما يكلفوا خاطرهم بكلمة؟
دي حاجة تعجز المخ!
في الآخر، ما قدرتش، حطيت المنديل على وشي وقعدت أعيط بحرقة.
مكنش زعلي عشان مفيش هدية..
لا والله، أنا كنت بعيط عشان بعد عمر من التعب والشقا عشانهم، حسيت إني بقيت منسية ومحدش سائل فيا أصلًا.
وفجأة.. خبطتين تلاتة تخان على باب الشقة.
قلبي نط من مكانه!
قلت بس، أهم جم!
جريت على الممر وفتحت الباب بسرعة.
بس لما بصيت، ملقيتش لا ابني ولا بنتي.. لقيت عسكري شرطة واقف على العتبة ومكشر.
سألني بخشونة خفيفة: “حضرتك الحاجة صفاء عبد الحميد؟”
“نعم يا ابني.. في إيه؟ حد جرا له حاجة؟”
بص لي بجدية وقال: “يا أمي.. طُلِب مني آجي أدي لحضرتك دي.”
ومد إيده بورقة مطوية.
مكتوب بخط كبير على وشها:
أمي
عرفت الخط فوراً من غير ما أفكر.
طارق.
ابني الرابع.
أكتر واحد فيهم كان حساس وبيتعب نفسياً من الهوا الطاير بعد ما أبوه سابنا.
عدى بظروف صعبة ياما، وحتى بعد ما اتجوز وبقى عنده عيال، كان ساعات تلفون بالليل المتأخر أول ما تحصله زنقة أو مشكلة.
عشان كده، أي رنة تليفون بعد الساعة اتناشر بالليل كانت بتقطع قلبي وتخليني أخاف.
دلوقتي بقى، واقف عسكري على باب شقتي وماسك جواب بخط إيد طارق!
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة.
مكتوب فيها تلات جمل بالظبط:
> “يا أمي.. متتصليش بحد خالص.. ومتسأليش أسئلة.. أرجوكي ثقي في العسكري وتعالي معاه فوراً.”
>
حسيت الدم انسحب من وشي ومبقاش فيا حيل.
همست بصوت متهدج: “يا ابني والنبي فهمني.. ابني طارق فيه حاجة؟ جراله إيه؟”
العسكري بلع ريقه وقال: “أنا محتاج حضرتك ترافقتيني بس يا أمي.”
“ابني حصله إيه انطق!”
بص في الأرض وقال بجمود: “كل حاجة هتعرفيها.. اديني نازل وهتلاقي الإجابة هناك.”
ركبي سابت ومبقيتش قادرة أقف على رجلي.
ورايا كانت ترابيزة العيد ميلاد اللي محدش لمسها، وقدامي مجهول رعبني.
لبست عبايتي وطرحتي بسرعة، قفلت باب الشقة، ونزلت وراء العسكري لحد عربية البوليس الواقفة تحت البيت.
وأنا راكبة والعربية بتتحرك، بصيت للمطبخ ونوره اللي كان منور.
كنت فاكرة إني سايبا وأسوأ وأحزن ليلة عيد ميلاد في عمري كله.
بس ما كنتش أعرف أبداً إن المكان اللي رايحين له ده.. هو اللي هيعرفني السر العجيب اللي خلى الستة عيال يختفوا في وقت واحد!
وأول ما عرفت الحقيقة وراء غيابهم.. عيطت بس المرة دي من الفرحة مش من القهر.
ركبت العربية وقلبي كان بيدق زي الطبلة، وكل الأفكار السودا بتلعب في دماغي. طول الطريق وأنا بدعي ربنا يستر ومايكونش جرى لطارق ولا لباقي العيال حاجة وحشة. العربيات كانت ماشية في الشارع هادية، وأنا ماسكة في طرف العباية بإيديا اللي مش تبطل ترتعش.
بعد دقايق معدودة، عربية الشرطة هدت ووقفت قدام مكان أول مرة أخد بالي منه.. كانت قاعة مناسبات صغيرة ومزينة ببرواز أنوار هادئ على اسم “قاعة الفيروز”، بس الأنوار من جوه كانت مطفية ظاهرياً كأن مفيش حفلة، ومفيش غير عربيات ولادي الستة مركونة بره على جنب الشارع!
عيني نطت على العربيات.. عربية أحمد الكبير، وعربية فاطمة، ومريم، وعربية طارق.. كلهم.. كلهم هنا!
العسكري فتح لي باب العربية وقال باحترام: “اتفضلي يا أمي، ادخلي جوه.”
نزلت ورجلي دوبك شايلاي. مشيت خطوتان ودخلت من باب القاعة الموارب، ولقيت الدنيا ظلام دامس.
فتحت بوقي عشان أنادي: “يا جماعة.. يا طارق.. أنتوا فين؟”
وفجأة.. في ثانية واحدة، النور اتفتح كله مرة واحدة!
“كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي!”
الصوت طلع مدوي من ست حناجر مع بعض، ومعاه صوت “زغروطة” طالعة من قلب قلبهم.
اتخضيت ورجعت خطوة لورا وحطيت إيديا على صدري من الفجعة.
وقدامي.. لقيت أولادي الستة واقفين صف واحد، وماسكين تورتة كبيرة منورة بالشموع، ووشوشهم ملوتة بابتسامات واسعة وفرحة منسابة في عينيهم، ووراهم ولادهم (أحفادي) قاعدين يصفقوا ويهتفوا بصوت عالي.
بصيت لهم وأنا مش مصدق عيني. طارق جه جري عليّ وحضنني جامد وهو بيضحك: “حقك عليا يا أمي، والله غصب عننا، بس دي كانت الخطة الوحيدة عشان نعملها ليكي مفاجأة حقيقية!”
دموعي اللي كانت محبوسة نزلت، بس المرة دي مش دموع قهر ولا وحدة.. دي دموع وجع القلب اللي اتحول في ثانية لدفء وفرحة ما تتصفش.
أحمد الكبير قرب وقبّل إيدي وقال: “تفكيري أنا وإخواتي.. اتفقنا إننا لو قلنا لكِ إننا جايين متأخر أو هنعمل حفلة هنا، كنتِ هتتعبی في الطبخ والتجهيز، وإحنا عارفينك بتموتي في تعب نفسك. فقلنا نعملها هنا في مكان جاهز، ونتفق مع العسكري صديقي عشان يجيبك من البيت من غير ما تحسي بحاجة!”
بصيت على الأطباق اللي على الترابيزة اللي في القاعة، لقيتهم جايبين كل الأكل اللي طبخته في البيت ونقلوه هنا بعلمهم، ومرتبين كل حاجة أحسن مني ألف مرة.
حضنت ولادي الستة واحد ورا التاني، وضميتهم لصدري كأنهم لسه أطفال صغيرة في اللفة.
نسيت الساعات الأربعة اللي قضيتها لوحدي بتبكي، ونسيت العتمة والوحدة.
في اللحظة دي، وأنا وسطهم كلهم وحولينا ضحكات الأحفاد وزعيقهم الفرحان، حسيت إن تعب السنين وشقى العمر كله.. طلع ليه تمن أغلى بكتير مما كنت أتخيل.
#حكايات_شروق_خالد



