روايات وقصص

الهروب الأخير #حكايات_شروق_خالد

«يا بابا.. سلمى تعبانة قوي، وماما مش في البيت».. ده اللي همسه ابني في مكالمة تليفون مفاجئة ماكنتش متوقعها خالص. جريت على بيت طليقتي، ولقيت العيال الاتنين مستنيين حد يلحقهم، وبنتي شكلها كان غريب وتعبان أوي. ولما خدتهم على المستشفى، اكتشفت الحقيقة الصادمة عن اختفاء أمهم المفاجئ.

«يا بابا؟»

زياد مهران كان قاعد في اجتماع مهم في شغله بوسط البلد في القاهرة، وفجأة ظهر قدامه على الشاشة رقم مألوف.

في الأول كان ناوي يكنسل، وفاكرها مكالمة شغل عادية.. بس فيه حاجة جوّاه زقتّه عشان يرد.

في الأول ما سمعش غير صوت هوسة خفيفة وحركة هادية في البيت.

وبعدين ميّز صوت ابنه الصغير، وهو بيتكلم بخوف وتردد:

«حمزة؟ بتكلمني من رقم تاني ليه؟ هو فيه حاجة ولا إيه؟»

الولد سكت لحظة، كأنه بيجمع شجاعته عشان يحكي اللي حصل:

«يا بابا.. سلمى مش قادرة خالص، قاعدة نايمة طول الوقت وجسمها والع نار. وماما مش موجودة في البيت، ومش عارفين نلاقي حاجة ناكلها.»

زياد قام من مكانه مرة واحدة، وكرسيه رجع لوراء بصوت عالي.

ساعتها، الاجتماع والزملة والشغل كله بقى ولا حاجة قصاد الكلمتين اللي ابنه لسه قايلهم.

لمّ موبايله ومفاتيح عربيته وطلع يجري على الأنسانسير، وهو بيرن على «رنا» في سكته.

التليفون جاب رسايل صوتية علطول.

رن تاني، وبرضه مافيش أي رد.

من كم يوم، رنا كانت قايلاه إنها ممكن تاخد العيال تقضي كم يوم في شقة خالتهم في الساحل، وعشان الشبكة هناك بتبقى وحشة..

وبحكم إن العيال كانوا قاعدين معاها الأسبوع ده، وعلاقتهم اللي كانت زمان منكشّة وبقت أهدى الفترة دي، صدّق كلامها وماقلقش.

بس دلوقتي، كل كلمة قالتها بقت تلف في دماغه ويثار حواليها ألف علامة استفهام.

نزل الجراج بخطوات سريعة، ركب عربيته وطلع طيران على شقة رنا المستأجرة في المعادي.

قلبه كان بيقب، وهو بيحاول يرن عليها تاني وتالت:

«ردي بقى يا رنا.. بالله عليكي ردّي.»

وبرضه، التليفون بيرن من غير أي رد.

وصل عند العمارة بعد أقل من نص ساعة.

أول ما حط رجله في المدخل، حس إن الشقة هادية بطريقة تخوف.

مافيش أي صوت، ولا حركة ورا البيبان ولا الشبابيك.

طلع وقرب من باب الشقة وخبط:

«حمزة.. أنا بابا، افتح يا حبيبي.»

محدش رد في ساعتها.

زياد مد إيده بحذر، لقى أوكرة الباب مفتوحة ومش مقفولة بالمفتاح.

زق الباب ودخل، وبقى ينادي على ابنه بصوت عالي شوية:

«حمزة.. حمزة!»

وهناك شافه.

الولد كان قاعد على سجادة الصالة، وحاضن مخدة صغيرة لصدره.

شعره الأشعث نازل على عينيه، ونظرة عينه بتقول إنه كان قاعد بيعيط ومستني أي حد مألوف ييجي يلحقه.

أول ما شاف أبوه قدامه، رفع عينه ببطء شديد:

«افتكرت إنك مش هتجي.»

زياد رمى نفسه على ركبه جنبه في الأرض بسرعة:

«أنا جيت اهو يا روح قلبي.. أمك فين؟»

حمزة شاور بصباعه نحية الكرسي الكبير.

كانت سلمى نايمة تحت بطانية، وجنوبها محمرين أوي ووشها الصغير دبلان وتعبان بزيادة.

كانت نايمة مش مرتاحة، ومادّتش أي رد فعل لما زياد نادى عليها.

حط إيده برفق على جبهتها، لقى حرارتها عالية جداً وتولع.

شالها بين إيديه بحذر شديد عشان ما توجعهاش، وهي سندت راسها على كتفه بتعب وباين عليها إنها فاصلة خالص.

زياد حس إن مافيش وقت للكلام، وأهم حاجة دلوقتي إنه يلحقها بدكتور شاطر.

«يلا بينا يا حمزة.. هات جزمتك بسرعة واقرب مني عشان ننزل.»

الولد قام مفزوع ولبس كوتشي بسرعة:

«هي نايمة بس يا بابا؟»

زياد بصّله وبصوت كله حنان وطمأنة قالّه:

«هي تعبانة شوية يا بطل.. رايحين للدكتور عشان يكتبلها على دوا يخليها تبقى زي الفل.»

وهو ماشي وشايل سلمى في حضنه، عينه جت بالصدفة على المطبخ.

علبة بسكويت مفتوحة مرمية على الرخامة، وشوية أطباق متروسة في الحوض، والتلاجة فاضية مافيش فيها غير الهوا.

مافيش أي لقمة عدلة العيال يقدروا يعملوها لنفسهم.

وجنب الحوض، شاف كوباية بلاستيك فيها شوية عصير صغيرين باقيين في القاع.

زياد وقف لحظة وهو بيبص في المطبخ، وعقله مش مصدق اللي بيشوفه.

هو اللي كان مفكر إن العيال قاعدين مروقين ومبسوطين مع أمهم طول الأسبوع..

طلع الولد الصغير هو اللي كان شايل المسئولية وبيحاول ياكل أخته ويصبرها لحد ما حد يظهر!

الكلمة دي وجعت قلبه أوي وخليته يشيل هم الدنيا، بس فاق لنفسه وقال إن الكلام ده حسابه بعدين، الأهم دلوقتي سلامة العيال.

طلع حمزة وراه‌ وركّبه المقعد اللي ورا، وربط لهم الحزام، وطلع جاري على مستشفى أطفال كبيرة في القاهرة.

كان ماشي على مهله في الزحمة عشان ما يخضهمش، وكل شوية يبص في مراية العربية عشان يطمن عليهم.

بعد شوية، صوت حمزة الواطي جه من ورا:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى