
بعد تلات شهور من ما طلّقت الست الوحيدة اللي حبيتها في حياتي، مستشفى كلمتني الساعة عشرة وتلت بالليل عشان تقول إنهم لقوها مغمي عليها وفيها في دماغها. كنت أنا مارشيتي، أكبر زعيم مافيا في شيكاغو؛ الراجل اللي بيأمر أكتر من تمنمائة راجل مسلح وما بيسمحش لأي مخلوق أنه يشوفه خايف أبداً. ولما الممرضة قالت لي إن طليقتي حامل في الشهر الرابع، كوباية البوربون وقعت من إيدي واتكسرت. البيبي ده كان ابني أنا. وآخر كلمة قلتها لهبة قبل ما نتطلق كانت إن جوازنا ده كله ما كانش غير كذبة.
اسمي مارشيتي.
عندي تسعة وتلاتين سنة.
طول ست سنين، هبة البراوي كانت البني آدم الوحيد اللي يقدر ينسيني معني اسمي الحقيقي هنا في مصر.
من تلات شهور، دمرت جوازنا بجملة واحدة.
في الليلة دي، كنت قاعد في مكتب العاصمة الإدارية فوق، وبتسامر مع ست رجالة بيتخانقوا على فلوس وشحنة بضاعة ناقصة.
الجو كان برد ومطر بره.
وفجأة تليفوني الخاص رن.
مفيش حد تقريباً معاه الرقم ده.
* “الريس ؟”
* “أيوه.”
* “معاك أماندا من مستشفى السلام الدولي. حضرتك مسجل كجهة اتصال الطوارئ لهبة البراوي.”
إيدي وقفت وهي رايحة على كوباية البوربون.
* “هبة مارشيتي”، عدلت لها اوتوماتيك.
سكتت شوية وبعدين قالت:
* “يا فندم، البطاقة الشخصية مكتوب فيها هبة البراوي.”
طبعاً ما هو ده اللي حصل.
رجعت لاسم عيلتها تاني يوم ما الطلاق اتوثق رسمياً.
لكن أنا فضلت لابس دبلتي تحت الجوانتي عشان مافيش مخلوق يشوفها.
* “إيه اللي حصل؟”
* “جابتها الإسعاف مغمي عليها من حوالي أربعين دقيقة. عندها إصابة جامدة في دماغها.”
صوابعي ضغطت جامد على الكوباية.
* “هي عايشة؟”
* “أيوه.”
كلمة واحدة.
خليتني أعرف أخد نفسي تاني.
وبعدين الممرضة كملت:
* “يا فندم، لازوة أسألك سؤال. حضرتك كنت تعرف إن الأنسة هبة حامل؟”
كوباية البوربون وقعت من إيدي.
واتفرتكت على الأرض الخشب.
كل الكلام والترتيبات اللي في المكتب وقفت مرة واحدة.
* “في الشهر الكام؟”
* “حوالي الأسبوع الستاشر.”
يعني في الرابع.
حسبتها في عقلي بسرعة.
الحمل ده حصل قبل طلاقنا.
قبل ما هبة تقعد قدامي في قاعة المداولة بالمحكمة، وتعيط بعينين مليانة دموع لدرجة إن القلم وقع من إדה مرتين.
قبل ما تبص في عيني وتسألني السؤال اللي لسه سامعه في ودني لحد دلوقتي كل ليلة:
“هو فيه حاجة من دي كانت بجد يا ؟”
وقبل ما أرد عليها أقسى رد في كله.
“لا.”
كلمة واحدة.
كانت كفيلة تهد ست سنين بحالهم.
شفت وشها وهو بيقع ويتحطم قدامي.
وشفتها وهي بتمضي على الورق.
وسيبت الست اللي عشقتها تمشي وهي فاكرَة إنها ما كانتش تعني لي أي حاجة في الدنيا.
والدلوقتي.. طلعت شايلة ابني في بطنها.
* “والبيبي عايش؟”
* “نبض الجنين مستقر حالياً.”
* “حالياً؟”
* “يا فندم، لازم تيجي المستشفى حالاً.”
كنت نزلت بجري أجيب بالطوئي.
أختي الصغيرة ياسمين كانت واقفة جنب دفاية الصالة.
* “يا ؟”
مديتش إجابة.
قربت مني خطوة كمان.
* “في إيه؟”
* “هبة في المستشفى.”
وش ياسمين اتغير في ثانية.
* “إيه؟!”
* “لقوها مغمي عليها.”
جريت على الباب بس وقفت فجأة.
* “وهي حامل في الشهر الرابع.”
ياسمين فضلت باصة لي شاکة.
* “رابع؟!”
* “أيوه.”
* “يعني… يا ، ده معناه إن العيلة دي..!”
* “ابني أنا.”
* “ما تقطعش، يمكن مش هو..!”
التفت لها ببطء:
* “هبة عمري ما خانتني يا ياسمين.”
ولا مرة.
حتى في الوقت اللي كنت بديلها فيه ألف سبب عشان تكرهني.
تذكرت ليلتنا الأخيرة مع بعض كويس.
هبة كانت نامت وراسها على صدري، وإيديها محطوطة على قلبي.
فضلت صاحي لحد الفجر صاحي وبحضنها.
كانت فاكرة إني حنين عليها زيادة عن اللزوم.
ما كانتش تعرف إني كنت خلاص خدت قراري إني تاني يوم هخرب بيتنا بإيدي.
وما قدرتش أقولها السبب.
بعد إحدى عشرة دقيقة كنت سايب فيها مكتبي، أربع عربيات دفع رباعي سودا وقفت قدام مستشفى السلام.
رجالة الحراسة بتوعي دخلوا ورايا طوارئ المستشفى.
ممرضة جريت علينا.
* “حضرتك بيه؟”
* “مراتي فين؟”
* “طليقتك بتعمل أشاعات دلوقتي.”
طليقتي.
أنا مرتين في حياتي.
بس الكلمة دي كانت أوجع بكتير.
* “دخلني لها.”
* “يا فندم مينفعش تدخل دلوقتي.”
قربت خطوة.
واحد من رجالة الأمن اتحرك من ورايا من غير ما أتكلم.
وش الممرضة خطف ألوان.
رفعت إيدي بس.
الرجالة وقفوا.
طرد دكاترة المستشفى أو إخافتهم مش هيخلي هبة تفوق.
والفكرة دي خوفتني أكتر بكتير من أي شيء تاني.
الفلوس ممكن تفتح أي باب.
واسمي ممكن يخلي أي راجل كبير يعيد حساباته.
وتمنمائة راجل مسلح يقدروا يحموا مخازن ومصانع وبلاد بحالها.
بس مفيش ولا حاجة فيهم كانت تقدر تجبر هبة إنها تفتح عينيها.
وبعد ثواني، ظهر دكتور.
* ” بيه؟”
التفت له.
* “أنا دكتور طارق مهران.”
* “إيه اللي حصل لهبة؟”
شكله كان بجد وجاد.
* “عندها إصابة بالغة في الراس. ولسه بنحدد حجم الصدمة والتأثير.”
* “حصلت إزاي؟”
* “لقوها مرمية تحت السلم في العمارة بتاعتها.”
عضيت على شفايفي بجامد.
* “حادثة؟”
* “مش متأكدين لسه.”
* “كان معاها حد؟”
* “مستنيين المباحث تثبت ده.”
بصيت على الباب المقفول.
* وابني؟
* “نبض الجنين لسه ثابت ومستقر.”
غمضت عيني نص ثانية.
وبعدين الدكتور كمل بصوت هادي:
* “بس فيه حاجة كمان لازم تفهمها كويس.”
بصيت له:
* “إيه هي؟”
* “لما الأنسة هبة فاقت ثواني في العربية، الإسعاف سألوها لو فيه حد حابين نكلمه.”
قلبي دق جامد.
* “قالت رقمي؟”
* “قالت رقمك.”
ما قدرتش أنطق حرف.
بعد كل اللي عملته، هبة لسه كانت حافظة رقمي.
ولسه بتذكرني أنا بالذات.
بعدين الدكتور قال بحدة هادية:
* “بس قبل ما تغيب عن الوعي تاني، قالت جملة غريبة.”
* “قالت إيه؟”
دكتور طارق اتردد لحظة:
* “قالت لهم ما يخلوش يعرف أي حاجة عن البيبي.”
الممر والمستشفى كله اختفى من قدام عيني.
قعدت تلات شهور أقنع هبة إن جوازنا ما كانش ليه أي معنى.
وشكلي نجحت في كده بامتياز، لدرجة إنها فضلت تشيل ابني لوحدها وجع ولا إنها ترجع لي.
في اللحظة دي، تليفوني هز في جيبي.
رسالة من مدير الأمن بتاعي.
يا باشا، جبنا كاميرات المراقبة اللي بره عمارة هبة.
وصلت رسالة تانية بعدها على طول.
ما كانتش لوحدها قبل ما تقع.
فضلت باصص في الشاشة وعيني طارت من السكوت.
وبعدين ظهرت الرسالة الأخيرة.
لازم تيجي تشوف بنفسك مين كان معاها.
لأول مرة في عمري، كنت مالك مصر كلها في إيدي، بس ما امتلكتش أي قدرة أحمي بيها أكتر اتنين بحبهم في حياتي.
وفيه حد واطي كان مع هبة قبل ما تترمي فاقدة للوعي تحت السلم ده كله.
الفصل الثاني




