منوعات

قلب بطل صغير#حكايات_شروق_خالد

قلب بطل صغير.. طلب عشرين جنيهًا من أمه فكشف سرًا إنسانيًا لم تتوقعه

«يا ماما، ممكن عشرين جنيه كمان؟»

وقفت مكاني وأنا بقطع الفراولة. كان يوسف واقف عند باب المطبخ، ولابس السويت شيرت المدرسي الأزرق، وشنطته على كتف واحدة، وعمال يلعب بسحاب الشنطة بين صوابعه.

قلت له باستغراب: «عشرين جنيه؟»

هز راسه بالإيجاب.

«يا يوسف، أنا مدياك خمسة عشر جنيه يوم الجمعة!»

«أنا عارف».

«وعشرين جنيه يوم الثلاثاء اللي قبله!»

«أنا عارف ده كمان».

سيبت السكينة من إيدي وقلت له: «تعال هنا ثواني».

ما اتحركش من مكانه. وهنا قلبي بدأ ينقبض.

دي كانت أول علامة تخليني أحس إن فيه حاجة مش طبيعية. ابني مكنش كتوم خالص طول عمره؛ وهو في تالتة ابتدائي، كان لسه بيرغي ويحكي لي حاجات أنا أصلًا ما طلبتش أعرفها، زي مين من عيال الفصل بياكل لبان، والمدرس أكل إيه في الفسحة، وليه كلب الجيران أذكى من كلبنا.

بس الفلوس فجأة بقت موضوع حساس، ورافض يتكلم فيه نهائيًا.

من تلات أسابيع، طلب عشر جنيهات من الظرف اللي بشيل فيه فلوسه. وبعدها عشرين كمان، وبعدين مبالغ أصغر.

كنت بكتب كل مبلغ بيسحبه ورا الظرف، عشان يوسف كان بيحوش عشان يشتري عجلة جديدة، وكنت عايزاه يتعلم الفلوس بتروح إزاي بسرعة.

ودلوقتي هو سحب ستة وتمانين جنيه! وهو كان بادئ بمائة وستين.

أغلب الفلوس دي كانت من عيد ميلاده في سبتمبر، واللي جدو وتيتة ادوهاله في العيد. وكان متمسك أوي بالعجلة الزرقاء اللي شافها في محل العجل قريب مننا.

قلت له: «أنت صرفت أكتر من نص فلوسك يا يوسف».

قال بهدوء: «عارف».

سألته: «بتشتري إيه؟»

بص ناحية الشباك وقال: «حاجات».

«حاجات إيه؟»

«حاجات كده وخلاص».

قلت له: «يا يوسف».

كتفاه شدوا وطلعوا لفوق شوية. أنا حافظة النظرة دي كويس.. دي نفس نظرة لما بيكسر حاجة بالغلط وبيحاول يقرر الاعتراف هيكون أفضل ولا لأ.

سألته: «أنت بتشتري حاجات من عيال تانية؟»

«لأ».

«ألعاب فيديو؟»

«لأ».

«فيه حد بيطلب منك تديه فلوس؟»

عينيه راحت لعيني لثانية واحدة بس، لكن أنا لاحظت.

قلت له: «يا يوسف، فيه حد في المدرسة بياخد فلوسك غصب عنك؟»

«لأ يا ماما».

«متأكد؟»

«أيوه».

«أمال الفلوس بتروح فين؟»

وشه احمر من شدة الإحراج.

قال: «ماقدرش أقول».

حدقت فيه وسألته: «ما تقدرش، ولا مش عايز؟»

شد سحاب الشنطة بقوة لدرجة إنه علق في القماش.

قال: «أنا وعدت!»

الكلمتين دول غيروا كل حاجة في دماغي.

وطيت على ركبي قدامه وسألته: «وعدت مين؟»

هز راسه بالنفي بقوة.

قلت له: «يا حبيبي، لو فيه حد بيخليك تدفع فلوس غصب عنك—»

قاطعني بصوت عالي: «مفيش حد بيجبرني!»

قالها بصوت خلاني أقف من مكاني، وبعدين كأنه اتفاجئ من نبرة صوته.

همس: «أنا آسف».

مسكت إيده بالراحة وقلت له: «أنت مش في مشكلة يا حبيبي. أنا بس عايزة أفهم».

سحب إيده بلطف وقال: «ممكن أخد العشرين جنيه من فضلك؟»

كنت عايزة أقول لأ. كان المفروض أقول لأ، أو على الأقل أوقف الموضوع ده وأفهم إيه اللي بيحصل.

بدل كده، قعدت أفكر.. هو لو فيه حد بيضغط عليه أو بيخوفه، ممكن يكون بيعمل إيه؟

يا ترى لو حد قال له إن فيه مشكلة هتحصل لو مجاش المدرسة ومعاهوش فلوس؟

فتحت درج المطبخ، وطلعت الظرف بتاعه، وعديت أربع ورقات بخمسة جنيه.

أخد الفلوس من غير حتى ما يبتسم.

قال: «شكرًا يا ماما».

وطلع على فوق في أوضته.

وقفت ماسكة الظرف في إيدي، وحسيت إني أم مش قادرة تفهم إيه اللي بيحصل مع ابنها، وإنها محتاجة تعرف الحقيقة قبل ما الموضوع يكبر.

في نفس اليوم بالليل، كلمت أختي داليا.

قالت لي: «تلاقيه بيشتري تسالي وشيبسي من الكانتين».

قلت لها: «بستة وتمانين جنيه تسالي؟! ده مبلغ كبير يا داليا!»

قالت: «العيال بتصرف فلوسها على حاجات بسيطة وخلاص».

قلت لها: «يا بنتي رافض يقول لي بيشتري إيه نهائي!»

قالت: «جايز مكسوف».

وبعدين سألتني: «أو جايز حد مضايقه ومخليه مش عارف يتكلم».

داليا سكتت ثواني طويلة، وبعدها سألتني: «هو اتصرف بغرابة الأيام اللي فاتت دي؟»

قعدت أفتكر.

يوسف بقى يدخل على أوضته على طول أول ما يدخل البيت. وبقى يسأل أسئلة غريبة.. زي: إيه اللي بيحصل للعيال لو باباهم ومامتهم انفصلوا؟

ومرتين رجع واللانش بوكس بتاعه مليان ومقربش منه.

وفي يوم سألني بجد: «هو الناس ممكن تدخل السجن لو معاهاش فلوس كفاية تدفعها؟»

وقتها كنت فاكرة إنه سمع كلمة في كرتون ولا حاجة. دلوقتي مبقتش متأكدة خالص.

قلت لداليا: «أنا حاسة إن فيه حاجة كبيرة بتحصل يا داليا».

قالت: «طالما كده، بكرة الصبح تروحي المدرسة وتجيبي الموضوع من أوله».

وعدتها إني هعمل كده.

تاني يوم الصبح، وبينما يوسف كان في الحمام بيغسل أسنانه، فتحت شنطته عشان أطلع ورقة المدرسة اللي كان ناسيها.

وهنا بقى.. لقيت الورقة.

كانت مطوية مربع صغير جدًا ومدسوسة جوه المقلمة من ورا. شكل الورقة كان يوحي إنها اتفتحت واتطبقت مرات كتير.

وبخط رصاص مهزوز ومش واضح، كان مكتوب فيها:

«من فضلك ما تقوليش لماما.. أنا مش عايز حد يدخل في مشكلة».

مفيش أي اسم مكتوب عليها.

حسيت بقلق شديد. سمعت صوت يوسف طالع من الحمام، فقمت خبيت الورقة بسرعة في جيبي.

دخل المطبخ وهو بيضحك عادي.

قال: «يا ماما، نسيتي ورقة الرحلة!»

بصيت له بتمعن.

لرباط كوتشيه القديم، وللسنة اللي قدام اللي لسه واقعة، وللود الصغير ده اللي لسه بيحضن ديناصور قماش وهو نايم.

وتخيلت إن فيه طفل أكبر منه ممكن يكون بيضغط عليه ويخليه يجيب فلوس من غير ما يحكي لحد.

قلت له بهدوء وصوت بيترعش: «يا يوسف، لو فيه حاجة مضايقاك في المدرسة، تقدر تحكي لي أي حاجة وأنا في ضهرك».

الابتسامة اختفت فجأة من على وشه.

قال: «أنا عارف يا ماما».

قلت: «أنا قصدي.. أي حاجة خالص».

هز راسه، وبعدين قال لي جملة صدمتني:

«يا ماما؟»

«نعم يا حبيبي؟»

«لو فيه حد عمل حاجة غلط عشان هو في ضيقة وظروفه صعبة، يفضل برضه شخص وحش؟»

حسيت بغصة وقفت في حلقي.

قلت له: «ده بيعتمد هو عمل إيه يا حبيبي».

قعد يفكر في كلامي شوية.

قال: «حاضر».

شال اللانش بوكس بتاعه على كتفه وقال: «بحبك».

قلت له: «وأنا كمان يا حبيبي.. ربنا يحفظك».

بعد ما نزلته، ركنت العربية قدام المدرسة على طول ودخلت على الإدارة.

قلت للموظفة إني قلقة جدًا، وإن عندي إحساس إن فيه حد بيستغل ابني وبيأثر عليه بسبب الفلوس.

وهي رتبت لي ميعاد مع المدرس بتاعه تاني يوم الصبح بدري.

وكلمت شغلي وقلت لهم هتأخر ساعتين عشان ظرف عائلي طارئ.

أنا مكنتش أعرف مين اللي كتب الورقة دي، بس كنت مصممة أعرف.

ولو فيه أي شخص مضايق ابني الصغير للدرجة دي ومخليه خايف يتكلم قدام أمه، مكنش ممكن أسكت أو أسيبه من غير ما أفهم الحقيقة.

الجزء الثاني: السر الذي كشفه المدرس

سقت العربية وأنا حاسة بقلبي بيدق بصوت عالي كأنه طبلة جوه صدري.

الفكرة كلها كانت محصورة في حاجة واحدة: مين الشخص اللي ورا الموضوع ده؟ وإيه حكاية الفلوس؟ وليه يوسف قلقان بالشكل ده؟

لما وصلت المدرسة تاني يوم، دخلت على مكتب المدرس بتاع الفصل.

كان راجل طيب وملامحه هادية، وأول ما شافني استقبلني بابتسامة قلقة كأنه حس إن فيه موضوع مهم.

قعدت قدامه وطلعت الورقة من جيبي وحطيتها على المكتب.

قلت له وصوتي بيترعش من القلق:

«أنا لقيت دي في شنطة ابني امبارح. يوسف بيسحب من حصالته كل أسبوع، وكل ما أسأله بيعمل إيه بالفلوس يرفض يتكلم، ولما لقيت الورقة دي حسيت إن فيه حد بيضغط عليه أو بياخد فلوسه غصب عنه».

المدرس مسك الورقة، ولبس نظارته، وفضل يقرا المكتوب بخط الرصاص المهزوز مرة واتنين.

ملامحه اتغيرت وبقت جدية جدًا.

قال بصوت واطي:

«دي مش طريقة كلام عيال عادية يا مدام.. واضح إن فيه قصة محتاجة نفهمها».

وبعدين كمل:

«بس الحقيقة.. يوسف في الفصل هادي جدًا، وعمره ما اشتكى من حد، ومبيعملش مشاكل خالص. تعالي معايا كده وقت الفسحة، خلينا نشوف بعنينا».

نزلت معاه لساحة الفسحة.

العيال كانت بتجري وتلعب في الحوش، وصوت ضحكهم مالي المكان.

المدرس شاور لي من بعيد على ترابيزة في الركن البعيد تحت شجرة.

قال: «بصي هناك.. ده يوسف.. ومعاه البنت دي».

بصيت كويس.

كان يوسف قاعد على دكة خشب، ومقعد جنبه زميلته في الفصل.. بنت صغيرة شعرها كيرلي، ولابسة مريلة مدرسية قديمة شوية من عند الكم، وشكلها يوحي إن أسرتها بتمر بظروف صعبة.

يوسف كان فاتح اللانش بوكس بتاعه، وبيطلع منه سندوتش جبنة رومي، وبيمده لها بهدوء.

وهي كانت بتاخده بكسوف واضح، وبتديه في إيدها ورقة أو حاجة صغيرة مكرمشة.

وقفت مكاني مندهشة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى