منوعات

حكايات شروق خالد ج1

فاطمة كانت بتجري ونَفَسها متقطع وسط زحمة الصالة بتاعة الفندق الفخم، وعينيها رايحة جاية في المكان اللي مليان فخامة.

«هي راحت فين؟ دي كانت لسه بتجري هنا من ثانية واحدة!»

صوت ناشف طلع من السماعة بتاعة راجل الأمن اللي واقف جنب العمود الخشب:

«دوروا عليها! مش هتعرف تبعد بعيد بالشكل ده!»

عمها سيد كان حالف لها إن القعدة دي محترمة ومقفولة، لكن أول ما وقفت وش لوش قدام العريس اللي جايبينهولها صالونات، اتصدمت.

«أكيد بتهزروا! عمي سيد جايبلي صنايعي بناء؟»

الراجل كان ساند ضهره على الحيطة براحة، وابتسامة واثقة على وشه:

«في إيه يا بطلة؟ هو الصنايعية ممنوع يشربوا قهوة ولا إيه؟»

رغم الصدمة، مقدرتش تداري إن ملامحه قوية ولافتة.

«ده شكله كويس أوي بصراحة… ما أديها فرصة وخلاص، شكله ابن ناس وشيك. كده كده مش هعرف أهرب من الموضوع أكتر من كده، ولازم أخلص من الحكاية قبل ما الدنيا تتعقد.»

حطت إيدها في وسطها وبصلته بصة تفحص:

«بتعمل كام في السنة يا نجم؟»

الراجل رمش بصدمة وهو مستغرب الدخلة، لكنه رد ببرود:

«اللي يعيشني مستور.»

كملت أسئلتها، مصممة تعرف كل حاجة:

«عندك شقة؟»

«آه.»

«إيجار ولا تمليك؟ وخالصة ولا أقساط؟»

«على حسب.»

«من إمتى الصنايعية بيشتروا شقق بالسهولة دي؟»

شكها زاد أكتر مع كل إجابة.

«والعربية نظامها إيه؟ مركونة برة؟ تقدر تجيب عربية كويسة مثلًا؟ خلينا واضحين، أنا مش هركب وراك على توكتوك ولا موتوسيكل قديم!»

رفع حواجبه وبصلها بجدية:

«عربية كويسة؟ مش مقامي بصراحة، ومش مناسبة لاجتماعات الشغل.»

فاطمة ضحكت بسخرية جواها وشطبته خلاص من دماغها.

«يا بوي ده بياع كلام درجة أولى! شفت من عينتك كتير، لا حيلة ولا مال وكلام كتير وثقة زيادة. يعني جاي مقابلة صالونات بالمنظر ده؟ الصراحة إنت شكلك كويس وعسول، لكن المشوار مش جايب همه.»

مسكت شنطتها وجت تقوم من على الكرسي عشان تمشي، لكن الراجل حط إيده على الترابيزة بهدوء وقال:

«استني بس يا فاطمة، المقابلة لسه مخلصتش.»

فاطمة قلبها اتقلب ووشها جاب ألوان:

«أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ اعقل كده وعرف أنت بتكلم مين!»

ابتسم ابتسامة خفيفة، وفي ثانية واحدة حركة الصالة كلها اتغيرت.

أربعة رجال بملابس رسمية قربوا من الترابيزة ووقفوا وراه، وواحد منهم قال بنبرة مليانة احترام:

«كل حاجة جاهزة يا معلم حسن، ورجالة عمها برة بيدوروا عليها في الفندق كله.»

فاطمة إيديها بدأت ترتعش، وبصت لحسن بذهول:

«معلم؟ ورجالة مين؟ أنت مش صنايعي؟»

حسن قام وقف بطوله وهندم الجاكيت بتاعه، وبصلها بتركيز:

«صنايعي؟ أنا اللي بيدير شغل كبير في السوق ده، وعمك سيد مبعتكيش لواحد شغال باليومية. عمك داخل في التزامات معايا، وكان فاكر إن الجواز ده هيحل المشكلة.»

فاطمة اتسمرت مكانها، والصدمة كانت أكبر من إنها تستوعبها.

حسن قرب منها خطوة، وقال بهدوء:

«أنا عارف عنك أكتر مما تتخيلي يا فاطمة. ودلوقتي قدامك اختيارين: يا تخرجي لرجالة عمك ونشوف حل للموضوع، يا تفضلي هنا تحت حمايتي لحد ما نلاقي حل مناسب.»

فاطمة ريقها نشف ولسانها اتربط، وعينيها كانت بتتنقل بين وش حسن الثابت وبين الرجال اللي واقفين وراه.

صوت حركة رجالة عمها برة في البهو كان بيقرب.

مسكت بطنها بإيد بتترعش، وبصت لحسن وهي بتحاول تتنفس:

«أنت… عرفت موضوع الحمل منين؟»

حسن ابتسم ابتسامة خفيفة، وسحب الكرسي وقعد تاني براحة، وشاور لواحد من رجاله.

الراجل طلع ملف أسود وحطه على الترابيزة قدام فاطمة.

«أنا متابع تفاصيل كتير في البلد دي يا فاطمة، وعارف إن عمك سيد كان بيحاول يحل التزاماته بأي طريقة.»

فاطمة الدموع اتجمعت في عينيها، لكنها مسكت نفسها وقالت بصوت مكسور وفيه كبرياء:

«أنا أهلي كانوا هيجوزوني لراجل أكبر مني بكتير، وأنا هربت منهم. ومفيش حد أذاني! الحمل ده موضوع تاني خالص، وأنا مظلومة.»

حسن رفع عينه فيها بثبات، وشاور لرجاله:

«غطوا تحركاتها، ومش عايز حد يعرف هي فين لحد ما نفهم الصورة كاملة.»

في ثانية، اثنين من رجاله اتحركوا ناحية بوابات الفندق، والثالث فتح باب جانبي مستخبي ورا ستارة تقيلة.

حسن قام وقف وقرب منها، وقال بنبرة جادة:

«سواء كنتِ مظلومة أو لأ، دي حاجة لازم نفهمها بهدوء. لكن حاليًا رجال عمك قريبين من الباب ده. لو خرجتي من الباب العادي، الموضوع ممكن يتعقد. لو خرجتي معايا من الباب الجانبي، هتبقي في حماية المعلم حسن، لحد ما نلاقي حل مناسب.»

فاطمة بلعت ريقها:

«والشرط؟»

حسن بص في عينيها مباشرة:

«كلمتي واحدة، ومحدش يقدر يضايقك أو يقرب منك. وهنتصرف في الموضوع بشكل رسمي وواضح.»

فاطمة بصت ناحية الباب الرئيسي، وشافت رجال عمها من بعيد.

قلبها كان بيدق بسرعة، وبصت لحسن اللي واقف بثبات ومستني قرارها.

قالت بصوت واطي:

«موافقة… بس بشرط. اللي في بطني محدش يتعرض له ولا يضايقه.»

حسن ابتسم ابتسامة هادية وقال:

«محدش هيقرب منك أو من طفلك. يلا بينا.»

مشيت وراه ورجليها بالعافية شايلاها.

خرجوا من باب خدمة مستخبي ورا الفندق، ولقت عربية سوداء فخمة مستنياهم، ومعاها حراسة.

السواق فتح الباب بسرعة وقال:

«كل حاجة تمام يا معلم، والمأذون في المكان مستني حضرتك.»

ركبت فاطمة جنب حسن في الكنبة الخلفية، والعربية اتحركت بهدوء.

كان السكوت في العربية طويل، وفاطمة كانت عينيها على الشباك بتتفرج على الشوارع وهي بتختفي، وحاسة إن حياتها القديمة كلها اتغيرت في لحظة.

بعد نص ساعة، العربية دخلت قصر كبير وسط أرض واسعة.

البوابات الحديد اتفتحت أول ما شافوا عربية حسن، والرجال واقفين في أماكنهم.

دخلوا الصالة الكبيرة اللي كانت مفروشة بسجاد فاخر وتحف تليق ببيت كبير.

قعد الشيخ على الكنبة الكبيرة ومعه دفتر المأذون.

حسن قعد براحة وشاور للشيخ:

«اكتب يا مولانا… فاطمة بنت الحاج إسماعيل، على اسم حسن المعلم.»

الشيخ بص لفاطمة وقال:

«يا ابنتي… أنتِ موافقة وراضية بالزواج ده؟»

فاطمة بصت لحسن، وحست إنها هربت من مشكلة ودخلت على موقف أصعب، لكن قررت إنها تواجهه.

هزت راسها وقالت:

«موافقة يا شيخنا.»

وبعد دقائق، تمت مراسم الزواج بشكل رسمي.

الشيخ دعا لهم بالخير، وبعدها غادر المكان.

حسن التفت لفاطمة، وقرب منها بهدوء، وقال بصوت دافي لكنه جاد:

«مبروك يا عروسة. دلوقتي بقيتي مراتي رسمي، ورجالة عمك مش هيعرفوا يوصلولك بسهولة. لكن جه الوقت إني أسمع منك الحقيقة كاملة من غير أي أسرار.»

سكت لحظة، وبعدين سألها:

«مين والد الطفل؟ وإيه حكاية الحمل من البداية؟»

فاطمة فضلت ساكتة، وبصت له وهي حاسة إن أصعب جزء من الحكاية لسه هيبدأ.

لأنها كانت عارفة إن الحقيقة اللي هتقولها ممكن تغير كل حاجة.

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى