
ياسين مااتكلمش.
فضل واقف في نص الصالة، والصورة في إيده، وعينيه بتتنقل بين الرجال اللي حواليه.
كل واحد فيهم كان واقف ثابت.
لكن واحد بس بدأ يتراجع خطوة.
ياسين لاحظ.
وقال بهدوء مخيف:
«حسام.»
الراجل اتجمد.
«نعم يا ياسين بيه؟»
«تعالى هنا.»
حسام حاول يبتسم.
«في إيه؟»
ياسين رفع الصورة قدامه.
«بص كويس.»
حسام بص للصورة.
ثانية واحدة بس كانت كفاية.
ملامحه اتغيرت.
ياسين قال:
«إنت كنت موجود ليلة موت أم آدم.»
حسام رجع خطوة.
«أنا؟ مستحيل.»
الرجل الغريب اللي كان واقع على الأرض ضحك.
«قلت لك يا ياسين… الخاين عمره ما بيكون بعيد عنك.»
حسام بص له بغضب.
«اسكت!»
وفجأة مد إيده ناحية سلاحه.
لكن قبل ما يسحبه، رجال ياسين كانوا وجهوا أسلحتهم ناحيته.
ياسين رفع إيده.
«ولا واحد يضرب.»
وبص لحسام.
«أنا عايز أعرف الحقيقة.»
حسام بدأ يضحك.
«الحقيقة؟ بعد ست سنين؟»
«آه.»
«الحقيقة إنك كنت غبي يا ياسين.»
الصمت نزل على المكان.
«وثقت في كل الناس… إلا الشخص اللي كان بيحاول يحذرك.»
ياسين قرب منه.
«إنت اللي ؟»
حسام هز راسه.
«لا.»
ثم بص لآدم.
«بس أنا عارف مين .»
آدم قرب من ياسين أكتر.
ياسين قال:
«اتكلم.»
حسام سكت لحظة.
ثم قال:
«أم آدم اكتشفت إن فيه حد بيسرق شغلك من جوه. وكانت هتقول لك.»
ياسين قبض إيده.
«مين؟»
حسام بص ناحية الرجل الغريب.
«هو.»
الرجل الغريب في الضحك.
«لسه بتكذب؟»
حسام رد:
«إنت اللي .»
ياسين اتجه ناحيته.
«ليه؟»
الرجل الغريب سكت.
ولأول مرة، الخوف ظهر على وشه.
لكن قبل ما يتكلم، صوت ليلى قطع الصمت.
«عمو…»
الكل بص لها.
كانت واقفة جنبي، ومشيرة للرجل الغريب.
«هو مش وحش.»
ياسين قرب منها.
«عرفتي منين؟»
ليلى ردت ببساطة:
«عشان كان بيعيط لما كان بيبص لصورة ماما آدم.»
الرجل الغريب اتجمد.
ياسين بص له.
«إنت كنت بتحبها؟»
الرجل نزل عينه.
«أكتر من أي حد.»
الصمت كان تقيل.
ثم قال:
«بس أنا .»
«أمال مين؟»
رفع عينه لياسين.
«أخوك.»
ياسين اتجمد.
«أخويا مات من عشر سنين.»
الرجل هز راسه.
«اللي مات كان شخص تاني.»
ياسين بص له بعدم تصديق.
«إنت بتقول إيه؟»
«أخوك الحقيقي عايش.»
وقبل ما حد يستوعب الكلام، موبايل ياسين رن.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
صوت رجل جه من الطرف التاني:
«وحشتني يا أخويا.»
ياسين مااتكلمش.
الصوت كمل:
«فاكر يوم ما قلت لك إنك هتخسر كل حاجة؟»
ياسين قبض على الموبايل.
«مين؟»
ضحكة قصيرة.
«إنت عارف.»
المكالمة اتقفلت.
ياسين فضل واقف مكانه.
سارة قربت منه.
«مستر ياسين…»
بص لها.
«طلعي آدم وليلى فوق.»
«ليه؟»
«لأن اللي جاي مش هيكون مجرد تهديد.»
أخد نفس عميق.
«أخويا رجع.»
لكن آدم فجأة مسك إيد أبوه.
«بابا.»
ياسين نزل لمستواه.
«نعم يا حبيبي؟»
آدم قال بصوت مرتعش:
«أنا عارف عمو ده.»
وأشار للرجل الغريب.
«هو اللي كان بييجي عند ماما زمان.»
الرجل رفع عينيه.
ياسين وقف ببطء.
«إنت كنت تعرف ابني؟»
الرجل ما ردش.
آدم كمل:
«وماما كانت بتقول له دايمًا… لو حصل لي حاجة، خلي ياسين يعرف إن آدم ابنه.»
ياسين شهق.
الرجل الغريب أغمض عينيه.
أما أنا، فبصيت لآدم وأنا مش مصدقة.
ياسين قرب من الرجل.
«قولها.»
الرجل فتح عينيه.
«آدم ابنك يا ياسين.»
ياسين رجع خطوة.
«كنت عارف؟»
«أيوه.»
«من إمتى؟»
«من يوم ما اتولد.»
ياسين بص لابنه، وكأن كل حاجة في حياته اتكسرت واتركبت من جديد في نفس اللحظة.
وبعدين سأل:
«ليه أم آدم ماقالتش لي؟»
الرجل رد:
«لأنها كانت خايفة إن أخوك … الطفل كمان.»
ياسين سكت.
ثم سأل:
«فين أخويا؟»
الرجل بص ناحية باب الفيلا.
«بره.»
وفي نفس اللحظة…
وصل صوت سيارات كتير وهي بتقف قدام الفيلا.
ثم انفتح باب المدخل ببطء.
ودخل رجل يشبه ياسين بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس الملامح.
لكن ابتسامته كانت مختلفة تمامًا.
ابتسم وقال:
«وحشتني يا ياسين.»
ياسين وقف قدام ابنه.
«لو قربت منه… .»
الرجل ضحك.
«لسه فاكر إنك تقدر تحمينا كلنا؟»
ثم نظر إلى سارة.
وتغيرت ابتسامته.
«بس إنت نسيت أهم حاجة يا أخويا.»
سارة تراجعت خطوة.
«إيه؟»
قال:
«إن أمها كانت بتشتغل عندنا زمان… وهي الوحيدة اللي معاها الدليل الحقيقي على اللي حصل من ست سنين.»
ياسين بص لسارة.
وسارة همست:
«أمي… كانت مخبية عندي حاجة.»
ثم فجأة افتكرت.
العلبة القديمة اللي أمها كانت مانعاها تفتحها طول عمرها.
العلبة اللي كانت مخبّية في دولابها.
واللي عليها نفس الرقم اللي كان مكتوب على مفتاح آدم:
217.
سارة بصت لياسين.
«المفتاح معايا.»
وفي اللحظة دي، كلهم فهموا إن السر الحقيقي…
ماكانش في بيت ياسين.
كان في بيت سارة من البداية.
حكايات شروق خالد
سارة فضلت واقفة مكانها، والمفتاح الصغير بيرتعش بين صوابعها.
ياسين بص له.
«إنتِ متأكدة إن المفتاح ده كان عند أمك؟»
هزيت راسي.
«أيوه. كانت مخبياه في علبة خشب قديمة، وقالت لي وأنا صغيرة إني ماقربش منها أبدًا.»
أخو ياسين ابتسم.
«يبقى أخيرًا وصلنا لها.»
ياسين لف ناحيته.
«إنت عايز إيه من العلبة؟»
«الحقيقة.»
«إنت عايز الدليل.»
ابتسامته اختفت.
«والاتنين واحد.»
حسام فجأة اندفع ناحية الباب، لكن رجال ياسين مسكوه.
صرخ:
«ما تفتحش العلبة يا ياسين!»
ياسين بص له.
«ليه؟»
حسام سكت.
ياسين قرب منه.
«ليه يا حسام؟»
حسام قال بصوت مكسور:
«لأن اللي جواها هيغيّر كل حاجة.»
سارة بلعت ريقها.
«أنا هجيبها.»
ياسين مسك إيدها قبل ما تتحرك.
«لأ.»
بصت له.
«دي أمي يا ياسين بيه. لو كانت سايبة حاجة عشان تكشف الحقيقة، لازم أعرف.»
فضل ساكت ثواني.
ثم قال:
«هتروحي وأنا معاكي.»
طلعنا من الفيلا وسط الحراسة.
طول الطريق، ياسين مااتكلمش.
لكن آدم كان ماسك إيد ليلى في العربية.
ولأول مرة، شفت ابتسامة صغيرة على وشه.
ليلى قالت له:
«إنت مبسوط؟»
آدم هز راسه.
«عشان بابا مش زعلان مني.»
بصيت في المراية.
ياسين كان سامع.
غمض عينيه للحظة.
ولما فتحهم، كان فيهم وجع واضح.
وصلنا بيتي.
نزلت بسرعة، وطلعت الأوضة القديمة.
فتحت الدولاب.
وأخرجت صندوق خشب صغير.
كان عليه رقم:
217.
حطيت المفتاح.
لفيته.
سمعت صوت طقة.
الصندوق اتفتح.
جواه كانت فيه صور قديمة، فلاشة صغيرة، ورسالة مكتوبة بخط إيد أمي.
ياسين أخد الرسالة.
فتحها.
بدأ يقرأ.
وبعد أول سطر، ملامحه اتغيرت.
«إيه المكتوب؟»
ما ردش.
أخدت الورقة منه.
وقريت:
“لو سارة فتحت الصندوق ده، يبقى أنا متأكدة إن ياسين لسه عايش، وإن ابني آدم كبر من غير ما يعرف الحقيقة.”
إيدي بدأت ترتعش.
كملت القراءة:
“ياسين مش هو اللي . الشخص اللي خان العيلة هو أقرب واحد ليه.”
ياسين رفع عينه ناحية حسام.
لكن آخر سطر خلانا كلنا نتجمد.
“والأخ اللي ياسين فاكر إنه مات… مش أخوه الحقيقي.”
ياسين اتراجع.
«إيه؟»
سارة بصت له.
«يعني إيه مش أخوك الحقيقي؟»
قبل ما يجاوب، الفلاشة بدأت تشتغل على اللابتوب.
ظهر تسجيل قديم.
أم سارة كانت قاعدة قدام الكاميرا، ووشها مليان خوف.
قالت:
«لو التسجيل ده وصل لياسين، يبقى الوقت خلص.»
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
«يا ياسين… أخوك الحقيقي من عشر سنين.»
ياسين اتجمد.
«لكن الراجل اللي ظهر قدامك دلوقتي… مش أخوك.»
الرجل اللي واقف خلفنا شهق.
أم سارة كملت:
«هو ابن الرجل اللي خان عيلتك. اتزرع في حياتك من سنين عشان ياخد مكان أخوك الحقيقي.»
ياسين بص للرجل.
«مين إنت؟»
الرجل لأول مرة ماعرفش يرد.
لكن أم سارة قالت الجملة اللي كسرت كل شيء:
«والشخص اللي ساعده يدخل حياتك… كانت مراتك.»
ياسين اتجمد.
«مراتي؟»
سارة همست:
«أم آدم؟»
التسجيل كمل.
«هي ماخانتهوش يا ياسين. كانت بتحاول تحميك. لكن قبل ما تقول لك الحقيقة، اكتشفت إنها حامل بآدم.»
ياسين حط إيده على وشه.
«يعني…»
سارة بصت له.
«آدم كان السبب إنهم كانوا عايزين .»
وفجأة، صوت من خلفنا قال:
«لأ.»
كلنا لفينا.
كان الرجل الغريب واقف عند الباب.
قال:
«ماكانش آدم السبب.»
ثم بص لياسين.
«أنا كنت السبب.»
ياسين تقدم ناحيته.
«ليه؟»
الرجل نزل عينه.
«لأن أم آدم كانت عارفة إن الطفل مش مجرد ابنك.»
سكت.
ثم قال:
«آدم كان وارث حاجة أكبر بكتير.»
ياسين قبض إيده.
«إيه؟»
الرجل رفع عينه.
«كل أملاك العيلة… وكل الحسابات السرية… وكل الأسرار اللي أبوك خبّاها.»
ياسين سكت.
ثم قال:
«ومين كان عايز كل ده؟»
الرجل ابتسم بحزن.
«الشخص اللي أمر أم آدم.»
وقبل ما يكمل…
رن موبايل ياسين.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت امرأة.
صوت هادي جدًا.
«ياسين…»
اتجمد مكانه.
أنا بصيت له.
هو كان شاحب.
«مين؟»
الصوت ضحك.
«مش عارف صوت مراتك؟»
ياسين ماقدرش يتكلم.
والصوت كمل:
«أنا لسه عايشة.»
ثم أغلقت المكالمة.
ياسين فضل ماسك الموبايل.
وأنا بصيت له.
«مراتك… عايشة؟»
رفع عينه لي.
وقال:
«إحنا قضينا ست سنين فاكرين إنها ماتت.»
ثم نظر إلى آدم.
«لكنها رجعت عشان تاخد ابنها.»
وفي نفس اللحظة…
آدم قال كلمة واحدة خلت الجميع يسكت:
«ماما؟»
حكايات شروق خالد
كلمة آدم وقعت على المكان زي الصاعقة.
«ماما؟»
ياسين بص لابنه، وبعدين بص للموبايل في إيده.
ست سنين.
ست سنين وهو بيحاول يقنع نفسه إن مراته ماتت.
ست سنين وهو بيحاول يربي ابنه لوحده.
وست سنين وهو عايش على كذبة.
«آدم…»
الولد قرب منه.
«هي ماما عايشة؟»
ياسين نزل على ركبته قدامه.
«أنا مش عارف.»
آدم عيط.
«بس هي قالت لي إنها هترجع.»
ياسين اتجمد.
«إمتى قالت لك كده؟»
«قبل ما تختفي.»
«إنت كنت عارف إنها مش ماتت؟»
آدم هز راسه.
«ماما كانت بتقول لي كل ليلة إن بابا هيحمينا.»
ياسين ضمه لصدره بقوة.
وأنا وقفت بعيد وأنا بحاول أستوعب كل اللي بيحصل.
لكن الرجل الغريب قال فجأة:
«لازم نمشي.»
ياسين رفع عينه.
«فين؟»
«اللي اتصلت بيك مش هي اللي بتتحكم في اللعبة.»
«أمال مين؟»
الرجل سكت.
ياسين وقف.
«اتكلم.»
قال:
«الليلة دي كل الناس اللي كانوا عايزين يخبوا الحقيقة عرفوا إن الصندوق اتفتح.»
سارة بصت له.
«يعني إيه؟»
قبل ما يرد، سمعنا صوت فرامل عربية بعنف قدام البيت.
وبعدها صوت باب عربية بيتقفل.
ياسين مسك سلاحه.
«كلكم ورايا.»
قربنا من الشباك.
عربية سوداء كانت واقفة قدام البيت.
وبعدين نزلت منها ست لابسة أسود.
وقفت تحت نور الشارع.
آدم أول ما شافها، حط إيده على إزاز الشباك.
«ماما…»
ياسين اتجمد.
الست رفعت وشها ناحية الشباك.
كانت فعلًا هي.
أم آدم.
مرات ياسين.
عينيها اتقابلت مع عينيه.
وبعدين رفعت إيدها…
وأشارت ناحية آدم.
ياسين فتح الباب.
لكن الرجل الغريب مسكه.
«استنى.»
«دي مراتي.»
«مش كل اللي بنفتقدهم بيرجعوا زي ما سابونا.»
ياسين زقه بعيد.
«ابعد عني.»
ونزل.
الست جريت عليه.
لكن قبل ما توصل، ياسين وقف قدامها.
«إنتِ عايشة.»


