
«من حقك متصدقنيش. بس افتحي الجواب واقريه، وبعدها احكمي عليا زي ما إنتِ عايزة.»
بصيت للجواب، وبعدها بصيت لوشه.
كان وشه شاحب، وعينيه غرقانة في الدموع، وهدومه القديمة كانت بتخليه يبان أكبر من سنه بكتير.
مديت إيدي وخدت الجواب.
فتحت الظرف بحذر، وطلعت منه ورقة قديمة، ريحتها كانت ريحة الزمن والذكريات اللي اتدفنت من سنين.
وأول ما قريت أول سطر، رجلي ما بقتش شيلاني.
كان مكتوب بخط أمي:
«بنتي وحبيبتي مريم…
لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا فشلت إني أحكيلك الحقيقة بنفسي، وفشلت إني أرجعلك حقك اللي اتاخد منك وإنتِ لسه طفلة.
سامحيني يا بنتي، لأني فضلت ساكتة سنين طويلة، مش علشان كنت خايفة على نفسي، لكن علشان كنت خايفة عليكي إنتِ.
الراجل اللي هيديكي الجواب ده اسمه محمود، وهو أبوكي الحقيقي، والإنسان الوحيد اللي عمره ما بطل يحبك، حتى في أصعب الأيام اللي مر بيها.
أنا عارفة إنك هتكرهيه في البداية، وهتسألي نفسك إزاي أبوكي يسيبك كل السنين دي.
بس أوعديني إنك تسمعي حكايته للآخر، قبل ما تحكمي عليه.
لأن اللي حصل يوم ما اتاخدتي من حضنه، ما كانش باختياره.»
وقفت عن القراءة.
حسيت إن الحروف بتتحرك قدام عيني، وإن دموعي نزلت على الورقة من غير ما أحس.
رفعت عيني لمحمود، وقلت بصوت مخنوق:
«يعني إنت فعلًا أبويا؟»
هز راسه، والدموع نازلة على خده.
«أيوه يا بنتي.»
صرخت فيه وأنا بعيط:
«طب كنت فين؟! فين طول السنين دي؟! أنا كبرت من غير أب، وكنت بشوف البنات اللي في سني بيخرجوا مع آباءهم، وأنا كنت بتمنى أشوفك مرة واحدة! كنت فين لما أمي كانت بتتعب؟ كنت فين لما كنا مش لاقيين فلوس العلاج؟ كنت فين لما كنت برجع من المدرسة وأعيط علشان كل البنات عندهم أب وأنا لأ؟!»
محمود حط إيده على صدره، كأنه كل كلمة بقولها كانت بتوجعه أكتر من اللي قبلها.
وقال بصوت مبحوح:
«والله يا مريم، لو كنت أعرف مكانك، كنت جيتلك حافي على رجلي. أنا ما سبتكيش بإرادتي يا بنتي.»
«أمال إيه اللي حصل؟!»
بص ناحية باب الصالون، وبعدها رجع بصلي وقال:
«أمك كانت حامل فيكي، وكنا عايشين في شقة صغيرة في إمبابة. كنت شغال صنايعي في ورشة موبيليا، وكنت على قد حالي، بس كنت مبسوط بيها وبالبيت اللي كنا بنحلم نربيكي فيه.»
سكت شوية، وابتدى يحكي.
«لحد اليوم اللي أبويا فارق الحياة فيه، وسابلي ميراث كبير. يومها أخويا الكبير، جلال، اتغير تمامًا. كان شايف إن كل الفلوس دي من حقه هو، وإن أمك واحدة فقيرة مش من مستوانا، وإنك لما تتولدي هتاخدي نصيب من الميراث.»
قبض محمود إيده وقال:
«جلال عرض عليا فلوس كتير علشان أطلق أمك وأبعد عنها، لكني رفضت. وبعدها ابتدى يضغط عليّ بيكي وبأمك.»
بصيتله بذهول.
«وإيه علاقة ده باللي حصل؟»
رد وهو بيحاول يسيطر على صوته:
«في يوم، خرجت من البيت علشان أجيب دواء لأمك. ولما رجعت، لقيت الشقة فاضية. أمك اختفت، وإنتِ كنتِ لسه رضيعة.»
حط إيده على وشه وكمل:
«دورت عليكي في كل مكان. رحت لأهلها، وروحت المستشفيات والأقسام، ولفيت القاهرة كلها. لكن أخويا كان مجهز لكل حاجة. وراني ورقة مكتوب فيها إن أمك سافرت معاكي، وإنها مش عايزة تشوفني تاني.»
هز راسه بعنف وقال:
«ما صدقتش الكلام ده. كنت عارف أمك كويس. كنت عارف إنها مستحيل تحرمني منك من غير سبب.»
سألته وأنا بعيط:
«طب أمي راحت فين؟»
بصلي نظرة غريبة، وقال:
«دي الحكاية اللي لازم تعرفيها من الجواب كله.»
رجعت للورقة بسرعة، وقلبي بيدق بعنف.
كان باقي فيها سطور كتير، وفي آخر الصفحة، أمي كانت كاتبة:
«يا مريم، لو محمود قدر يوصل ليكي، يبقى أخيرًا الحقيقة بدأت تظهر.
بس خلي بالك من حاجة واحدة يا بنتي…
الشخص اللي كان السبب في بعد أبوكي عنك، لسه موجود، ولسه فاكر إن السر مات معايا.
ما تثقيش في أي حد يقولك إنه عايز مصلحتك، قبل ما تعرفي هو مين فعلًا.
والدليل الحقيقي على كل اللي حصل موجود في مكان محدش فكر يدور فيه.
في البيت القديم، تحت بلاطة المطبخ اللي جنب الشباك.»
أول ما قريت آخر سطر، محمود رفع راسه فجأة، وبصلي بخوف.
«إنتِ قلتي إيه يا مريم؟!»
بصيتله وقلت:
«أمي بتقول إن في دليل على الحقيقة في البيت القديم، تحت بلاطة المطبخ اللي جنب الشباك.»
وشه اتغير في ثانية، وكأنه افتكر مصيبة قديمة.
قام من على الكرسي بصعوبة، واتكلم بسرعة:
«لازم نروح هناك دلوقتي.»
استغربت وقلت:
«دلوقتي؟ الساعة قربت على عشرة بالليل! وبعدين إيه اللي مخوفك كده؟»
بصلي بعينين مليانين رعب، وقال:
«لأن البيت ده مش فاضي يا بنتي.»
حسيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي.
«يعني إيه مش فاضي؟»
قرب مني وهمس:
«أخويا جلال عايش فيه لحد النهارده… ولو عرف إننا لقينا الجواب ده، مش هيسيبنا نعرف الحقيقة.»
وقبل ما أقدر أرد عليه، تليفوني رن.
بصيت للشاشة، ولقيت رقم غريب بيتصل بيا.
رديت وأنا متوترة:
«ألو؟»
جالي صوت راجل من الناحية التانية، صوت هادي لكنه مليان ضغط:
«مساء الخير يا مريم. أنا عارف إن عندك ضيف في الصالون دلوقتي، وعايزك تسمعيني كويس.»
قلبي وقع في رجلي.
الراجل كمل:
«خلي محمود يمشي من عندك، وانسي أي حاجة قريتيها في الجواب. لأن لو حاولتي تعرفي الحقيقة، هتندمي إنتِ وهو.»
وبعدين قفل الخط.
بصيت لمحمود، ولقيته واقف قدامي وشه أبيض زي التلج.




