تجاهلت زعيم مافيا في القاهرة… فطلب إيدي بدل ج1 حكايات شروق خالد

كان تجاهلي لأخطر زعيم مافيا في القاهرة المفروض يخليني أخسر البقشيش بس، مش يحط حياتي كلها في إيده. وقبل شروق الشمس، كان آدم المنصوري هيعرف اسمي، وعنواني، وديون عيلتي، وهيبدأ يتكلم عن الجواز وكأنه أمر مفيش من حقي أرفضه. كان «لاونج الألماس الأسود» موجود في منطقة راقية في القاهرة، ورا جدران من الزجاج الأسود والمخمل والكريستال، وسط موسيقى الجاز الحية.
بالنسبة للزبائن الأغنياء، المكان كان ساحر وفخم.
أما بالنسبة لي، فكان المكان اللي الناس اليائسة بتخدم فيه ناس مغرورة، وبتتظاهر إن الفرق بينهم حاجة طبيعية.
الساعة كانت واحدة بعد نص الليل، ورجلي كانت بتنزف جوه حذاء أسود رخيص، ومع ذلك كان لازم أعدي على صيدلية فاتحة أربع وعشرين ساعة بعد الشغل.
أختي الصغيرة مريم، اللي عندها سبعتاشر سنة، كانت محتاجة الأنسولين قبل الساعة ستة الصبح.
وتفويت المشوار ده ببساطة ما كانش اختيار.
كنت شغالة من الضهر، ببتسم لأبناء رجال الأعمال الأغنياء، وبحاول أبعد إيدين سياسيين متجوزين وهما بيحاولوا يلمسوني، وبسمع رجل أعمال سكران بيشرح لي البيزنس وكأني واحدة غبية.
هو ما كانش يعرف إني زمان كنت متخرجة من المدرسة الثانوية بدرجات كاملة، وإني سبت الجامعة بس لأن حياة عيلتي انهارت تمامًا.
وبعدين…
المكان كله اتغير.
الكلام وقف فجأة في نص الجمل.
الكوبايات اتثبتت في نص الطريق للشفايف.
حتى عازف الساكسفون وطّى صوت موسيقاه.
كريم، الساقي، شحب وشه وهو واقف جنبي.
همس:
— هو هنا.
بصيت له.
— مين؟
— آدم المنصوري.
وده خلاني أبص ناحية الباب.
دخل ست رجالة الأول، كلهم لابسين بدل سودا مفصلة بعناية، وبيمسحوا المكان بعينيهم كأنهم جنود.
وبعدين دخل آدم.
وساعتها فهمت ليه كل الناس سكتت.
كان عنده اتنين وتلاتين سنة، طويل، عريض الكتفين، شعره غامق، ووسيم بشكل بارد يخلي وسامته شبه حاجة غير طبيعية.
قدام الناس، كان ملياردير ورجل أعمال ناجح.
لكن في الخفاء، كل الناس كانت عارفة إنه مسيطر على واحدة من أقوى عائلات الجريمة في القاهرة.
البناء.
الشحن.
الملاهي الليلية.
النقابات.
وعقود المدينة.
كانوا بيقولوا إن نفوذه واصل لأماكن ما كانش المفروض يوصل لها.
مديري جري ناحيته بابتسامة باين إنها بتوجعه.
— أستاذ آدم، المكان الخاص بحضرتك جاهز.
كريم مسك معصمي.
— أرجوكِ ما تعمليش الوش ده.
بصيت له.
— وش إيه؟
— الوش اللي بيقول إنك شايفاه شخص سخيف.
سحبت إيدي.
— أنا شايفة أغلب الرجالة سخيفين.
اتسعت عينه برعب.
— ده عنده ناس مدفونة تحت الأرض.
رفعت كتفي.
— يبقى ممكن يبدأ بالترابيزة رقم اتناشر. الراجل ده ناداني «يا حلوة» تلات مرات، واداني اتنين جنيه بقشيش.
كريم بص لي وكأني فقدت عقلي.
وبعد لحظات، أشار لي مديري.
— سلمى. كبار الشخصيات.
أخدت زجاجة مية غازية واتجهت ناحية مكان آدم، وأنا بقول لنفسي إني مش شجاعة.
أنا بس كنت مرهقة.
وفي فرق كبير بين الاتنين.
لما وصلت، آدم ما عبرنيش بأي اهتمام.
كان مركز في تليفونه، وبيخبط بإصبعه على كوباية كريستال فاضية، ومستني.
لا «من فضلك».
ولا حتى بص لي.
مجرد أمر.
صببت المية.
نقطة واحدة وقعت على الترابيزة.
من غير ما يبص لي، آدم فرقع صوابعه وأشار للنقطة.
كأنه بيأمر كلب.
حرارة اشتعلت في صدري.
وفي اللحظة نفسها، سمعت صوت أدوات مائدة وقعت ورايا.
ست كبيرة في السن كانت وقعت منها الشوكة، وجوزها كانت إيديه بتترعش بعنف لدرجة إنه كاد يقع من الكرسي وهو بيحاول يجيبها.
فاتخذت قرار.
لفيت ضهري لآدم المنصوري.
وقلت وأنا بنزل أجيب الشوكة:
— أنا هجيبها يا مدام. وهجيب لك واحدة نضيفة.
الصمت اللي نزل ورايا كان خانق.
ولما رجعت، لقيت تليفون آدم مقلوب على الترابيزة.
ولأول مرة، كان بيبص لي مباشرة.
قال بهدوء:
— إنتِ.
بصيت له.
— أيوه؟
— أنا أديتك أمر.
— هما كانوا محتاجين مساعدة.
واحد من رجاله تقدم خطوة.
— خدي بالك من كلامك.
رفع آدم إيده.
الرجل وقف فورًا.
قلت لآدم:
— كان فيه نقطة مية على الترابيزة بتاعتك. لكن الست دي ما كانتش قادرة تنزل تجيب الشوكة. كان واضح مين محتاجني أكتر.
ولا نفس واحد اتحرك في المكان.
ثم وقف آدم.
ومن قرب، كان ضخم بشكل مخيف.
ملامحه ما كانش ممكن حد يقراها وهو بيتقدم ناحيتي لحد ما دخل مساحتي الشخصية.
اختلطت رائحة عطره الغالي برائحة خفيفة من دخان السيجار.
ولأول مرة الليلة دي، غريزتي أخيرًا قالت لي إن يمكن أكون تجاوزت حدودي فعلًا.
سألني:
— تعرفي أنا مين؟
رفعت ذقني.
وقبل ما أقدر أجاوب، ظهر على طرف فمه أصغر ابتسامة.
ثم بص لأحد رجاله وقال:
— هي أول ست في حياتي ترفض لي طلب.
رجع بعينيه لي.
وقال:
— هاتوها عندي.
حكايات شروق خالد
— هاتوها عندي.
الجملة وقعت عليّ كأنها حكم بالإعدام.
بصيت لمديري، لكنه كان بيبص في الأرض. كريم اختفى تقريبًا ورا ماكينة القهوة، ورجالة آدم اتحركوا ناحيتي.
رجعت خطوة.
— لو حضرتك عايز حاجة، ممكن تقولها هنا.
رفع آدم حاجبه.
— أنا ما طلبتش رأيك.
— وأنا ما طلبتش أشتغل عند حضرتك.
أحد رجاله شهق بصوت واضح.
أما آدم، ففضل ساكت ثانيتين.
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة، هادية، لكنها كانت أسوأ من العصبية.
— اسمك إيه؟
— سلمى.
— سلمى إيه؟
— سلمى وبس.
مال برأسه قليلًا.
— مفيش حد اسمه سلمى وبس.
— بالنسبة لك، فيه.
ابتسامته اختفت.
— إنتِ بتحاولي تستفزيني؟
— لأ. أنا بحاول أخلص ورديتي.
مديري قرب مني بسرعة وهمس:
— سلمى، روحي معاه.
بصيت له بعدم تصديق.
— حضرتك بتهزر؟
— ده آدم المنصوري!
— عارفة.
— يبقى اسمعي الكلام.
ضحكت بسخرية.
— عشان هو غني؟
مديري ابتلع ريقه.
— عشان هو آدم.
بصيت ناحية آدم.
كان واقف بهدوء، وكأنه بيتفرج على مسرحية هو الوحيد اللي عارف نهايتها.
قال:
— سيبونا.
رجاله تراجعوا.
مديري اتراجع.
حتى كريم اختفى.
وبقيت أنا وآدم في وسط اللاونج، والناس كلها بتراقبنا من بعيد.
قال:
— عندك كام سنة؟
— سبعة وعشرين.
— متجوزة؟
— السؤال ده مش من شغلك.
— أنا اللي بقرر إيه اللي يخصني.
— واضح إن حضرتك متعود الناس تخاف منك.
اقترب خطوة.
— وأنتِ؟
— أنا مشغولة بالخوف من حاجات تانية.
لأول مرة، ظهر شيء مختلف في عينيه.
— زي إيه؟
بصيت للساعة.
— زي إن الصيدلية هتقفل، وإن أختي محتاجة دواء قبل الفجر.
سكت.
قلت:
— لو سمحت، خليني أمشي.
كنت متوقعة إنه يمنعني.
لكنه بدلًا من كده سأل:
— اسم أختك؟
اتجمدت.
— ليه؟
— مجرد سؤال.
— مريم.
— عندها كام سنة؟
— سبعتاشر.
— ومحتاجة إيه؟
بدأت أحس إن الحوار بقى غريب.
— أنسولين.
تغيرت ملامحه للحظة، ثم عاد وجهه جامدًا.
— روحّي.
رمشت.
— إيه؟
— قلت روحي.
— أنا… ممكن؟
— آه.
استدرت فورًا.
لكن صوته أوقفني.
— سلمى.
بصيت ورايا.
قال:
— بكرة الساعة تسعة الصبح، هتكوني في مكتبي.
ضحكت من شدة التوتر.
— مش هكون هناك.
— هتكوني.
— لأ.
رفع الكوباية من على الترابيزة.
— هنشوف.
خرجت من اللاونج وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
كنت فاكرة إن اللي حصل انتهى عند الباب.
كنت غلطانة.




