روايات وقصص

قصّيت شعر راجل غلبان بجنيه واحد… حكايات شروق خالد

سألته وأنا بترعش:

«مين ده؟!»

محمود بلع ريقه بصعوبة، وقال:

«جلال… أخويا.»

وفي اللحظة دي، سمعت صوت خبط قوي على باب الصالون.

بصيت ناحية الباب، ولقيت راجلين لابسين أسود واقفين بره، وواحد فيهم بيشاورلي أفتح.

محمود مسك إيدي بسرعة وهمس:

«اسمعيني كويس يا مريم… مهما حصل، ما تسيبيش الجواب يقع من إيدك. الورقة دي هي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تثبت إن أبوكي بريء.»

وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، النور قطع فجأة، والصالون غرق في الضلمة.

وسمعت صوت الباب بيتفتح بالقوة.

يتبع…

في لحظة واحدة، الصالون كله غرق في الضلمة، وسمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب مننا.

قلبي كان بيدق بعنف، وإيدي بتترعش وأنا ماسكة جواب أمي كأني ماسكة آخر حاجة فاضلة منها في الدنيا.

محمود شدني من إيدي وهمسلي بسرعة:

«تعالي ورايا يا مريم، ومتطلعيش أي صوت مهما حصل.»

همستله وأنا بحاول أتماسك:

«هنروح فين؟ دول واقفين على الباب!»

رد وهو بيدور بعينيه في الضلمة:

«في باب صغير من ورا بيوصل للممر اللي جنب المخزن. كنت شوفته وأنا داخل.»

مسك إيدي وبدأنا نمشي بحذر، لكن قبل ما نوصل للباب الخلفي، سمعنا صوت واحد من الرجالة بيزعق:

«فتشوا المكان كله! الراجل العجوز والبنت لازم يكونوا هنا!»

وقفت مكاني من الرعب.

همست لمحمود:

«هما عايزين إيه مننا؟ إحنا معملناش حاجة!»

بصلي بحزن وقال:

«علشان معاكي الحقيقة يا بنتي، والحقيقة دي ممكن تضيّع كل حاجة أخويا بناها على حسابنا.»

وفجأة، نور كشاف ظهر على الحيطة اللي قدامنا.

محمود زقني بسرعة ناحية باب المخزن، ودخلنا وقفله بهدوء.

كان المكان ضيق ومليان كراتين وأدوات قديمة، وريحة التراب مالية الجو.

حطيت إيدي على بقي علشان أمنع نفسي من العياط، وسمعت صوت خطوات الرجالة وهي بتقرب من المخزن.

واحد منهم قال:

«أنا متأكد إنهم دخلوا هنا.»

والتاني رد:

«افتح الباب.»

محمود قرب مني، وخلع الجاكيت القديم بتاعه وحطه على كتافي، وبعدها وقف قدامي كأنه بيحاول يحميني بجسمه.

بصيتله وسط الضلمة، ولأول مرة من ساعة ما شوفته، حسيت إن الراجل ده ممكن يكون فعلًا أبويا.

الباب اتفتح بعنف.

دخل واحد من الرجالة وسلط الكشاف في وشنا.

«أهو! لقيتهم!»

مسكني من دراعي، وحاول ياخد الجواب مني، لكني صرخت:

«سيبني! إنت عايز مني إيه؟!»

محمود زقه بعيد عني بكل قوته، وقال بغضب:

«إوعى تمد إيدك على بنتي!»

الراجل التاني دخل ودفع محمود على صدره، فوقع على ركبته وهو بيتألم.

صرخت من قلبي:

«بابا!»

الكلمة خرجت مني من غير ما أفكر.

محمود رفع راسه وبصلي، وعينيه اتمليت بالدموع، رغم الألم اللي كان فيه.

لكن قبل ما الرجالة يقربوا مني تاني، صوت جه من عند باب الصالون:

«سيبوهم!»

دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة غالية وساعة دهب، وملامحه جامدة بشكل يخوف.

أول ما محمود شافه، وشه اتغير.

«جلال!»

أخو محمود وقف قدامه، وبصله باحتقار.

«لسه عايش يا محمود؟! أنا كنت فاكر إنك هتموت قبل ما تعمل المصيبة دي.»

محمود وقف بصعوبة، وقال:

«إنت اللي عملت المصيبة من سبعة وعشرين سنة يا جلال! إنت اللي حرمتني من بنتي، وإنت اللي دمرت حياة سعاد!»

جلال ضحك بسخرية.

«وإنت لسه مصدق إن حد هيصدق كلامك؟ راجل عايش في الشارع، لا معاه فلوس ولا بيت، جاي بعد السنين دي كلها يقول إنه صاحب حق؟»

بصلي جلال، ومد إيده ناحيتي.

«هاتِي الجواب يا مريم، واعتبري اللي حصل النهارده كأنه ما حصلش.»

رجعت خطوة لورا، وضمّيت الجواب لصدري.

«مش هديهولك! ده جواب أمي، ومن حقي أعرف هي كانت مخبية إيه عني!»

ابتسامته اختفت.

وقال بضغط:

«إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين.»

رديت وأنا بحاول أتماسك:

«يمكن أكون مش فاهمة، بس أنا مش هسكت عن حقي.»

جلال بص للرجالة، وشاورلهم يسيبونا، وبعدها رجع بص لمحمود.

«خد بنتك وامشي من هنا. بس لو سمعت إنك قربت من البيت القديم، أقسم بالله هخليكم تندموا على اليوم اللي اتولدتوا فيه.»

خرج جلال ورجالته، لكن قبل ما الباب يتقفل، لف وبصلي نظرة خلت جسمي كله يقشعر.

«افتكري كلامي يا مريم. مش كل حقيقة تستاهل إنك تعرفيها.»

بعد ما مشيوا، طلبت الإسعاف لمحمود، لكن هو رفض وقال إن إصابته بسيطة، وإننا لازم نتحرك قبل ما جلال يرجع.

كنت مصممة أروح المستشفى، لكنه مسك إيدي وقال:

«أنا استنيت اللحظة دي سبعة وعشرين سنة يا بنتي. مش هقدر أستنى أكتر.»

بصيتله بحزن.

«بس إنت تعبان يا بابا.»

أول ما سمع كلمة بابا من تاني مرة، نزلت دمعة من عينه.

قال بصوت مبحوح:

«قوليها تاني يا مريم.»

قربت منه، وقلت وأنا بعيط:

«يا بابا، أنا مش عايزة أخسرك قبل ما أعرفك.»

حضني بقوة، وكان بيعيط زي طفل صغير.

«سامحيني يا بنتي… سامحيني على كل يوم عيشتيه وإنتِ فاكرة إنك لوحدك.»

فضلنا واقفين كده شوية، وبعدها خرجنا من الباب الخلفي، وروحنا في عربية أجرة ناحية إمبابة.

طول الطريق، كنت ببص من الشباك وبفكر في أمي.

يا ترى ليه سكتت كل السنين دي؟

وليه خلتني أكبر وأنا فاكرة إن أبويا الحقيقي شخص تاني؟

والأهم، إيه الدليل اللي كانت مخبياه تحت بلاطة المطبخ؟

وصلنا للبيت القديم بعد نص الليل.

كان بيت من دورين في شارع ضيق، واجهته متآكلة، والشبابيك الخشب بتاعته متهالكة من الزمن.

محمود وقف قدام الباب، وبص للبيت بعيون مليانة حزن.

«هنا كنت عايش مع أمك يا مريم. هنا كنت بحلم إني أشوفك بتكبري قدامي.»

مد إيده وفتح الباب بمفتاح قديم كان محتفظ بيه.

دخلنا بهدوء، والبيت كان غارق في السكون.

المكان كله كان متغير، لكن لما دخلت المطبخ، حسيت بإحساس غريب، كأني دخلت مكان أعرفه من زمان رغم إني عمري ما شوفته.

محمود أشار ناحية الشباك.

«البلاطة اللي جنب الشباك.»

نزلت على ركبتي، وبدأت أفحص الأرض، لحد ما لاحظت إن فيه بلاطة مختلفة عن الباقي.

جبت مفك قديم من درج المطبخ، وبدأت أحاول أرفعها.

وبعد محاولات كتير، اتحركت البلاطة أخيرًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى