روايات وقصص

سراب العائلة حكايات_شروق_خالد

كنت قدام دقايق وأخلص صفقة عقارات بـ 600 مليون جنيه في العاصمة الإدارية، وفجأة لقيت طليقتي بتعد الفكة عشان تجيب فطار لوالد ولدين صغيرين شبهي بالمللي. واحد منهم همس وقال: “يا ماما، اشتري سندوتش واحد بس، وأنا وياسين هنقسمه.” من خمس سنين، سبت أمي تقنعني إن الست دي بتدمر مستقبلي. ودلوقتي هي بتعاني عشان تعرف تشتري فطار، في الوقت اللي عيلتي عايشة فيه في رفاهية خيالية ما تتخيلهاش.

بس الكابوس الحقيقي بدأ لما المحامي بتاعي اكتشف إن طليقتي حاولت تبلغني بحاجة قبل ما الطلاق يتم رسمياً.
وإن فيه حد اتأكد إني مستحيل أستلم رسالتها.
أنا اسمي “فارس مهران”. عندي تمانية وتلاتين سنة، بمتلك عقارات وبنايات في أرقى أحياء القاهرة أكتر من إني أقدر أعدها، وكنت لابس ساعة تمنها يجيب عربية فارهة، وكنت على وشك إني أشترى تلات أبراج تجارية في التجمع الخامس.
كنت فاكر إن معايا الدنيا وما فيها.
لحد الصباحية دي يوم الثلاثاء.
كنت واقف في مخبز شيك في الزمالك بعد ما خلصت اجتماع شغل. السواق بتاعي كان مستنيني بره، وكنت بفتح الإيميل على الموبايل لما صوت طفل خلاني أرفع راسي.
“يا ماما، أرجوكِ.. أنا مش جعان أوي كده.”
الولد الصغير ماكنش ممكن يكون أكبر من أربع سنين. شعره البني الناعم نازل على جبينه، وعيونه الواسعة الغامقة كانت متثبتة على الكرواسون بالشكولاتة ورا الأزاز.
وجنبه واقف ولد تاني.
نفس الوش. نفس العيون.
كان حاضن كشكول قديم وعليه رسمات لكواكب وفضاء.
وبينهم كانت واقفة ست ماشفتهاش من خمس سنين.
“ملك”.
طليقتي.
لحظة واحدة، نسيت إزاي أتنفس.
الست اللي كنت فاكرها زمان كانت دايماً تلبس عبايات ودريسات ملونة وتضحك بكل وشها. كانت بترجع البيت من شغلتها كمدرسة علوم ووسط هدومها فيه طباشير، ومعاها قصص مضحكة عن عيال المدرسة.
دلوقتي، بالطوها كان بهتان، وكوتشيها مهترئ، ولمت شعرها بطريقة عشوائية ذيل حصان.
كانت باينة مرهقة وبتموت من التعب.
بس اللي كانت بتعمله هو اللي خلاني قريب أقع على ركبي في نص المحل.
كانت بتعد الفكة.
جنيهات.. خمسات.. عشرات (عملات معدنية).
صوابعها كانت بترتجف شوية وهي بترص الفلوس على رخام المخبز.
قالت للراجل بتاع الفرن: “لو سمحت، اتنين كرواسون شوكولاتة.”
الراجل العجوز بص للفلوس.
ملك عدت الفلوس تاني.
كانت ناقصة عشرين جنيه.
الولد الأولاني شدها من الكم وقال: “يا ماما.. عادي، أنا وياسين هنقسم واحد مع بعض.”
ملك نزلت على ركبتها وقالت: “يا حمزة، يا حبيبي.. مش لازم تقسموا، ماما معاها كفاية ليكوا انتوا الاتنين.”
بس هي ماكنش معاها.
أنا كنت شايف بعيني.
الراجل بتاع المخبز، اللي كان اسم كارت الصدر بتاعه “عم صبري”، بص في الدرج وعمل نفسه لقى حاجة.
“يا سلام، بص كده! فيه عرض جامد النهاردة.. اتنين كرواسون بسعر واحد.”
ملك هزت راسها برفض وعينيها مدمعة.
“يا عم صبري، إنت ساعدتنا كتير أصلاً ومش هينفع.”
“وتقدر تردها لي بأنك تخلّي الولاد دول يكبروا بيحبوا العلوم زي أمهم العنيدة.”
التوأم ضحكوا بصوت عالي.
ملك ابتسمت، بس لما نزلت راسها، شفتها بتمسح دموعها بطرف كمها.
فيه حاجة جوه صدري اتكسرت نصين.
من خمس سنين، كنت واقف في ريسبشن فيلتنا في القطامية وقولت لها: “لو مش قادرة تتعلمي تبقي واجهة مشرفة لعيلتي، يبقى أحسن لكي تختفي من حياتي.”
لحد دلوقتي فاكر تعبير وشها.
مفيش غضب.
مفيش كره.
مجرد انكسار قلب ساكت.
سألتني لو كنت بجد أقصد اللي بقوله.
وأنا بكل قسوة قلت آه.
أمي، “ناهد المحمدي”، قضت شهور تقولي إن ملك مش من مستوانا ومش مناسبة لعيلتنا.
“دي مدرسة يا فارس، وإنت بتعمل إمبراطورية. انت محتاج ست تفهم الويك إند بيتقضى فين ومين يعزم مين.”
وفي الآخر، صدقتها.
ملك رفضت تسيب التدريس أو تترك مدرستها. وماكنش هامها حفلات رجال الأعمال، ولا سهرات الساحل، ولا السفر بالطيارات الخاصة.
كانت عايزة فصل مليان عيال وجوز يرجع يتغدى معاها ويحكي لها يومه.
أنا سميت ده طموح ضعيف.
يا رب.. قد إيه كنت جاهل وغبي.
كنت على وشك إني أقرب منها، لما حمزة ضحك على حاجة أخوه قالها.
وبعدين رفع حاجب واحد بس لفوق.
جسمي كله اتجمد في مكانه.
أنا كنت عارف التعبير ده كويس قوي.
كنت بشوفه في المراية طول عمري.
أبويا الله يرحمه كان دايماً يتريق عليا بسببه.
“أدي حاجب عائلة مهران،” كان بيقولها، “معناها انك ناوي تعمل مصيبة.”
ودلوقتي الولد الصغير ده كان بيعمل نفس الحركة بالضبط، كأني ببص في نسخة مصغرة مني.
بصيت لأخوه “ياسين”.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى