روايات وقصص

«زعيم المافيا أهان نادلة فقيرة بالإيطالي… لكنه ما كانش يعرف إنها أخته!» حكايات شروق خالد

كان مطبخ مطعم «الحصان الأبيض» تفوح منه رائحة الثوم المحروق، والكمأة الغالية، واليأس المكتوم.
كان مطعمًا راقيًا من النوع اللي الرجالة اللي لابسين بدل معمولة مخصوص يدفعوا فيه آلاف الجنيهات في طبق مكرونة تكلفته الحقيقية أرخص بكتير، بس علشان يبهروا ستات قاعدين طول الوقت بيحسبوا إمتى يقدروا يخلعوا من الديت.

كانت سلمى واقفة جنب ترابيزة التحضير المصنوعة من الاستانلس ستيل.
ضغطت بكف إيدها على أسفل ضهرها، بتحاول تدلك الوجع الخفيف اللي بقى ساكن جنب عمودها الفقري كأنه قرر يستأجر هناك للأبد.
الجزمة السودا اللي لابساها، والمخصصة للشغل، كانت خلاص بتودّع.
النعل الشمال كان بدأ يفلت من الجلد، وماسك نفسه حاليًا بشريط رفيع من الشطرطون الأسود، كانت لزقته في أوضة الموظفين من تلات ساعات.
كانت محتاجة جزمة جديدة.
سعرها ألفين جنيه في المحل الكبير اللي على الناحية التانية من المدينة.
لكن الألفين جنيه دول كانوا بالظبط المبلغ اللي ناقصها علشان تدفع نص إيجار الشهر الجاي.
الجزمة تستنى.
هي دايمًا كانت بتستنى.
“الترابيزة سبعة مستنية طبق السي باس بتاعهم يا سلمى. اتحركي.”
كان ده مدحت، مدير الصالة.
راجل شخصيته كلها مبنية على إنه يلحس جزمة الزباين الأغنيا، ويزعق في الموظفين اللي بياخدوا الحد الأدنى من الأجر.
وكان عرقان لدرجة إن قميصه الرخيص بقى لازق في جسمه.
“الشيف لسه بيزين الطبق يا مدحت.”
صوتها كان مسطح، مفيهوش أي إحساس.
مكانش عندها طاقة حتى إنها تغيّر نبرة صوتها.
دي كانت الساعة التامنة من وردية مدتها عشر ساعات.
بصت وهي بتراقب العامل المسؤول عن تجهيز الأطباق وهو بيحط أطباق البورسلين التقيلة تحت لمبات التسخين.
مسكت صينية، ووزنت الأطباق السخنة على دراعها، وخرجت من باب المطبخ المتأرجح ناحية الصالة.
الانتقال من المطبخ للصالة كان دايمًا صادم بالنسبة لها.
كأنك بتخبط في حيطة.
المطبخ كان دوشة، ونور، وحر، وجنون.
أما الصالة فكانت ضلمة، باردة، وخانقة من كتر الهدوء.
موسيقى جاز هادية كانت طالعة من سماعات مخفية.
كوبايات النبيذ الكريستال كانت بتخبط في بعضها بصوت رنان.
والتكييف كان متظبط على درجة منخفضة لدرجة إن العرق اللي على رقبة سلمى اتحول لبرودة بتجمد جلدها.
كانت بتقدم الأطباق من الشمال.
وتشيلها من اليمين.
وتصب المياه الغازية.
وتقدم ابتسامة محفوظة وفاضية، ابتسامة عمرها ما وصلت لعينيها.
الزوجين اللي قاعدين على الترابيزة حتى ما بصوش لها.
ما وقفوش كلامهم.
الراجل بس حرّك دراعه علشان تقدر تحط الطبق قدامه، حركة اتعملت بدافع العادة، مش لأنها إنسانة تستحق الاعتراف بوجودها.
بالنسبة لهم، سلمى مكانتش شخص.
كانت مجرد آلة.
قطعة أثاث بتوصل الأكل.
وسلمى مكانش عندها مشكلة في إنها تكون غير مرئية.
بالعكس…
كانت بتفضل كده.
لما الناس ما تبصلهاش، ما كانش لازم تمثل إنها مهتمة بحياتهم.
وما كانش لازم تمثل إنها مش قاعدة في دماغها تحسب هل تقدر تشتري مسحوق غسيل من النوع الرخيص، ولا هتضطر تغسل يونيفورم الشغل في الحوض بسائل المواعين للمرة التانية.
رجعت سلمى لمحطة الانتظار، وحطت الصينية تحت دراعها.
كانت نادية، واحدة من النادلات، واقفة جنب ماكينة الإسبريسو وهي بتكتب بعصبية على موبايلها.
عينها كانت حمرا.
“الإكراميات زبالة النهارده. الترابيزة أربعة سابولي خمسة في المية بس على حساب تمنه تلاف جنيه!”
“يوم التلات.”
قالت سلمى وهي ماسكة فوطة تلميع وبتفرك كوبايات المية بعنف.
“الأغنيا ما بيدوش بقشيش كويس يوم التلات. بيبقوا فاكرين إننا محظوظين أصلًا إنهم شرفونا.”
نادية ضحكت ضحكة جافة مفيهاش أي مرح.
“أنا ناقصني قسط العربية. لو ما طلعتش بألفين جنيه على الأقل النهارده، الأسبوع الجاي هركب أتوبيس.”
سلمى فضلت تمسح الكوباية.
كانت فاهمة الرعب اللي نادية حاساه.
حجر ساقع وتقيل قاعد في قاع المعدة.
حسابات الفقر.
الحسابات اللي بتستنزف مخ الإنسان كله، ومبتسيبش مساحة للأحلام ولا الهوايات ولا حتى الشخصية.
مجرد نجاة.
سلمى مكانش المفروض تكون هنا أصلًا.
من تلات سنين، كانت قاعدة في فصل مليان شمس في فلورنسا، بتدرس الفروق اللغوية بين اللهجات الإيطالية المختلفة.
كان عندها منحة دراسية كاملة.
وكان قدامها مستقبل.
لحد ما جالها التليفون.
تشخيص أمها.
الفواتير الطبية.
والحقيقة القاسية عن تكاليف العلاج.
سلمى سابت دراستها، رجعت مصر، وبدأت تشتغل نادلة علشان تمنع محصلي الديون من إنهم ياخدوا البيت.
لكن أمها ماتت بعد ست شهور برضه.
وسابت سلمى وراها من غير أي حاجة…
غير جبل من الفواتير المتأخرة، ومعرفة موسوعية باللغة الإيطالية، اللي بقت دلوقتي تستخدمها أحيانًا بس علشان تترجم قائمة الأكل للسياح اللي مش فاهمين حاجة.
وفجأة…
مدحت شكله كان قرب يغمى عليه.
كان واقف جنب أبواب المطعم الخشبية الثقيلة، ومش بس بيعرق دلوقتي…
ده وشه نفسه كان شاحب.
إيديه كانت بتتحرك بتوتر حوالين وسطه.
الهمهمة الهادية في الصالة كأنها انخفضت فجأة.
موجة توتر انتشرت في المكان.
خفيفة…
لكن مستحيل حد ما يحسش بيها.
الناس بطلت كلام في نص الجملة.
والشوك اتجمدت فوق الأطباق.
“يا ساتر…”
نادية همست، وإيديها نزلت من على الموبايل.
رجعت خطوة لورا، وحاولت تخبي نفسها شوية ورا ماكينة الإسبريسو.
“لأ… مش النهارده.”
سلمى بصت لها.
“مين؟”
صوت نادية خرج كأنه طعم رماد.
“المنشاوي.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“حسام المنشاوي.”
الباب اتفتح.
وكان واقف عنده راجل جسمه ضخم كأنه كتلة خرسانة.
بص في أرجاء المطعم بنظرة باردة ومنظمة.
عينه كانت بتفحص الزوايا العمياء، والمخارج، والمسافات بين الترابيزات.
وبعدين…
دخل حسام المنشاوي.
ما اقتحمش الباب.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى