أبو البنات اكتشف سر الخادمة… فكانت تعرف حقيقة موت أمهم! #حكايات_شروق_خالد

بعد تلات شوارع بس من خروجي وأنا عامل نفسي مسافر القاهرة، طلبت من السواق يركن، ونزلت بهدوء ورجعت على فيلتي من طريق جانبي، لأني كنت شاكك إن مدبرة البيت بتأثر على بناتي بطريقة مش المفروض تحصل.
بس اللي اكتشفته كان أصعب بكتير إني أصدقه…
الخدامة الهادية اللي كنت على وشك أطردها، كانت فاهمة إزاي تحمي بناتي الصغيرين أحسن من أبوهم نفسه.
الصبح ده، بُست آية وصوفيا على راسهم، وشيلت شنطة اللابتوب الجلد في إيدي وأنا بعدي الصالة الرخام، وبعدها ركبت عربيتي السودا وخرجت من بوابة الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس.
الكل كان فاكر إن ياسين الدمنهوري، واحد من أخطر رجال الأعمال اللي وراهم نفوذ كبير في مصر، مسافر القاهرة لاجتماع مهم.
لكن ده ماكانش حقيقي.
“اركن هنا.”
قلت للسواق بعد تلات شوارع.
بصلي في المراية باستغراب.
“باشا؟”
“ماتسألش.”
كانت ناهد صبري بقالها أسابيع بتحط الشك في دماغي ناحية سلمى حسن.
كانت مصممة تقنعني إن سلمى قربت زيادة عن اللزوم من بناتي التوأم اللي عندهم خمس سنين، وإنها بدأت تاخد لنفسها سلطة أكبر من حقها في البيت، ويمكن كمان نسيت إنها مجرد موظفة عايشة وسط مستوى من الثراء عمرها ما كانت هتوصله.
وأنا كنت عايز ناهد تطلع عندها حق.
لأن لو كلامها طلع صح، الموضوع كان هيبقى بسيط.
أطرد سلمى.
أجيب واحدة غيرها.
وأرجع أنا أتحكم في كل حاجة.
دخلت الفيلا من الباب الجانبي كأني حرامي داخل بيته، وإيدي بشكل تلقائي راحت ناحية السلاح اللي كان مخبيه تحت الجاكيت.
وفجأة سمعت ضحك.
مش الضحكة المتوترة اللي آية وصوفيا كانوا بيضحكوها قدام الكبار عشان يرضوهم.
لأ.
دي كانت ضحكة حقيقية.
ضحكة طالعة من قلبهم.
لما وصلت عند باب المطبخ، وقفت مكاني.
سلمى كانت واقفة جنب الرخامة، لابسة يونيفورم التنظيف الرمادي، وبتقطع بواقي تورتة عيد الميلاد قطع صغيرة، وبناتي واقفين قدامها وعينيهم مليانة حماس.
قالت سلمى:
“الحتة دي بتاعة آية… عشان عليها أكبر كمية كريمة.”
آية فتحت عينيها بفرحة.
“إنتي فاكرة؟!”
ضحكت سلمى.
“أنا عمري ما بنسى أزمات الكريمة.”
وفجأة صوفيا مدت إيدها ناحية كوباية العصير.
قبل ما الكوباية تقع حتى، سلمى حركتها بهدوء بعيد عنها سنتين.
ماحدش قال حاجة.
لكن أنا لاحظت.
إيد صوفيا كانت ساعات بتترعش لما بتتوتر أو تحس إنها مضغوطة.
وأنا…
ماكنتش أعرف.
وبعدين صوفيا سألتها:
“سلمى، بما إن بابا مسافر القاهرة… هتفضلي معانا الليلة؟”
إيد سلمى وقفت مكانها.
وبصوت هادي قالت:
“هفضل معاكي لحد ما تنامي.”
صوفيا قربت منها أكتر.
“بس طنط نوال بتطفي نور الطرقة خالص.”
“أنا هسيبلها تعليمات.”
سكتت لحظة وبعدين كملت:
“النور الأزرق يفضل مفتوح، وباب الأوضة يفضل موارب شوية… والأرنوب يتحط على شمالك.”
في اللحظة دي، شفت صوفيا هديت تمامًا.
حاجة جوايا اتقبضت.
ماكانش فيه أي خداع.
ولا محاولة إنها تاخد مكاني.
كانت مجرد واحدة فاهمة بالظبط بناتي محتاجين إيه في اللحظات اللي أنا مش موجود فيها.
من سنتين، أمهم مادلين ماتت بعد ما عربية نقل عدت الإشارة وخبطت عربيتها في شارع التسعين.
ومن يومها، عملت الحاجة اللي رجالة زيي بيعملوها لما يواجهوا وجع الفلوس والنفوذ مش قادرين يصلحوه.
سيطرت على كل حاجة تانية.
اشتريت عربيات مصفحة.
غيرت فريق الحراسة كله.
جبت أطباء نفسيين، وخبراء تغذية، ومدرسين خصوصيين، ومربيات على أعلى مستوى.
نفوذي كان واصل لأماكن كتير، من شركات الاستيراد والتصدير والمقاولات، لنوادي ليلية وأعمال تانية محدش يعرف حقيقتها غير المقربين مني.
كنت أقدر أخلص من أي خطر قبل الفجر.
لكن ماكنتش أعرف أعمل إيه لما بناتي يعيطوا عشان وحشتهم أمهم.
فدفنت نفسي في الشغل.
كل صباح بقى مجرد بوسة سريعة ووعد إني هعوضهم.
وكل ليلة كانت بتنتهي بنفس الجملة:
“بكرة هقعد معاكي أكتر.”
سلمى دخلت بيتنا بعد وفاة مادلين بست شهور.
بصراحة، بالكاد كنت فاكر إني اتكلمت معاها وقت المقابلة.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن سلمى قضت جزء كبير من حياتها وهي بتتعامل مع أطفال خايفين ومتوترين.
كانت عارفة إن آية لما بتتوتر بتحب أكلها يترتب قدامها بألوان معينة.
وكانت فاهمة إن وجع بطن صوفيا في أوقات كتير ماكانش مرض…
كان خوف وقلق.
ولما الرعد كان بيخوف صوفيا، سلمى عمرها ما كانت تقول لها:
“ماتخافيش، إنتي كويسة.”
كانت بس تقعد جنبها وتقول:
“أنا هنا.”
الكلمتين دول بقوا بالنسبة لبناتي أمان.
وبعدين دخلت ناهد حياتي.
ست أنيقة، معروفة في دوائر الناس الأثرياء، وكل تصرفاتها محسوبة بدقة.
كانت فاهمة عالم الطبقة الغنية، وفاهمة كمان الجانب الخطير من حياتي.
في البداية، كلامها كان منطقي.
قالتلي مرة:
“هو طبيعي إن آية تروح لسلمى قبل ما تيجي لك؟”
وبعدها بفترة سألتني:
“ياسين، مش شايف إن صوفيا اتعلقت بالخدامة زيادة عن اللزوم؟”
وأنا واقف مستخبي برا المطبخ، وبشوف آية مسندة خدها على دراع سلمى، فهمت أخيرًا السؤال اللي ناهد ماكانتش عايزاني أسأله لنفسي.
يمكن سلمى ماكانتتش بتحاول تاخد مكاني.
يمكن…
هي كانت بتحاول تهتم بالجزء اللي أنا سبتُه فاضي.
ولأول مرة من سنين، بدأت أسأل نفسي:
ناهد كانت عايزة سلمى تمشي من البيت ليه فعلًا؟
حكايات شروق خالد
فضلت واقف مكاني ثواني، وأنا ببص على سلمى وبناتي.
وبعدين خرجت من عند باب المطبخ من غير ما حد يحس بيا.
طلعت الدور التاني، ودخلت مكتبي وقفلت الباب ورايا.
أول حاجة عملتها إني مسكت موبايلي واتصلت بمدير الأمن.
“عايز تسجيلات كاميرات البيت كلها من آخر شهر.”
سكت شوية وبعدين قلت:
“وبالذات أي حاجة حصلت بين ناهد وسلمى.”
رد بسرعة:
“حاضر يا باشا.”
قفلت المكالمة وقعدت على الكرسي.
كنت طول الوقت فاكر إن ناهد بتحاول تحميني.
لكن لأول مرة بدأت أشك إنها كانت بتحاول تتحكم فيا.
بعد أقل من نص ساعة، مدير الأمن بعتلي أول ملف.
فتحته.
واللي شوفته خلاني أقبض على إيدي من شدة الغضب.
في تسجيل من أسبوعين، ناهد كانت واقفة في الممر قدام أوضة البنات.
آية كانت بتعيط.
وصوتها كان واضح:
“عايزة سلمى.”
ناهد قربت منها وقالت بحدة:
“إنتي كبرتي على الكلام ده. سلمى مش هتفضل معاكي طول الوقت.”
آية بدأت تعيط أكتر.
وبعدين ناهد قالت جملة خلت الدم يغلي في عروقي:
“لازم تتعودي إن أبوكي هو اللي يقرر مين يبقى في حياتك.”
وقفت التسجيل.
نفسي بقى تقيل.
لكن لسه كان فيه حاجة أسوأ.
فتحت تسجيل تاني.
المرة دي كانت صوفيا.
كانت قاعدة على الأرض جنب سلمى، وبتبكي.
ناهد دخلت عليهم وقالت:
“إنتي السبب في تعلقهم بيكي.”
سلمى ردت بهدوء:
“أنا مش بعمل حاجة غير إني بهديهم.”
“من النهارده هتبطلي.”
“لو البنات محتاجين حد…”
قاطعتها ناهد:
“أنا قلت هتبطلي.”
سلمى بصت لها لحظة، وبعدها قالت:
“حاضر.”
لكن قبل ما تمشي، صوفيا مسكت إيدها.
“ماتروحيش.”
سلمى انحنت وباست راسها.
“أنا مش هسيبك.”
التسجيل وقف.
قعدت ساكت.
أنا كنت عايز أطرد سلمى بسبب كلام ناهد…
بينما الحقيقة إن ناهد نفسها كانت بتخوف بناتي.
في اللحظة دي، سمعت خبطة خفيفة على الباب.
“بابا؟”
كان صوت آية.
قمت بسرعة وفتحت.
لقيت آية وصوفيا واقفين قدامي.
الاتنين بصوا لي باستغراب.
صوفيا قالت:
“إنت رجعت؟”
نزلت على ركبتي قدامهم.
“أيوه.”
آية قربت مني.
“بس إنت قلت إنك مسافر.”
سكت.
ماكنتش عارف أقول لهم إني كذبت.
فقلت:
“كنت محتاج أشوفكم.”
آية حضنتني.
وأنا حضنتها بكل قوتي.
بعدها صوفيا قالت:
“بابا…”
“نعم؟”
“إنت هتطرد سلمى؟”
السؤال نزل عليا كأنه ضربة.
بصيت لها.
“ليه بتسألي؟”
ردت وهي بتبص في الأرض:
“عشان طنط ناهد قالت إنك هتطردها.”
رفعت عيني فورًا.
“إمتى قالتلك كده؟”
صوفيا سكتت.
آية مسكت إيدي.
“قبل ما تمشي النهارده.”
بدأت أفهم.
ناهد كانت عارفة إني هطرد سلمى.
لكن أنا ماكنتش قلتلها القرار بشكل مباشر.
يعني…
كانت واثقة إن تأثيرها عليا وصل للدرجة دي.
وقتها سمعت صوت خطوات جاية من آخر الطرقة.
ناهد ظهرت.
وأول ما شافتني، وشها اتغير.
“ياسين؟!”
ابتسمت ابتسامة متوترة.
“إنت رجعت؟”
وقفت.
“أيوه.”
بصت للبنات.
وبعدين رجعت تبصلي.
“حصل حاجة؟”
قلت بهدوء:
“تعالي مكتبي.”
وشها اصفر.
“دلوقتي؟”
“دلوقتي.”
دخلت ورايا.
قفلت الباب.
وحطيت الموبايل على المكتب.
شغلت التسجيل.
وشها اتغير أول ما سمعت صوتها.
فضلت ساكتة.
لحد ما التسجيل خلص.
بصيت لها.
“عايز أفهم.”
قالت بسرعة:
“أنا كنت بحاول أساعد.”
“تساعدي مين؟”
“البنات.”
ضحكت بسخرية.
“إنتي بتخوفيهم من الست الوحيدة اللي بتخليهم يحسوا بالأمان؟”
“سلمى استغلت ضعفهم.”
“إنتي متأكدة؟”
“طبعًا.”
قربت منها.
“يبقى ليه كنتي بتقولي لهم إني هطردها؟”
سكتت.
“جاوبي.”
بدأ صوتها يرتعش.
“كنت بحاول أخليهم يعتمدوا عليك.”
“أنا أبوهم.”
قلت بغضب:
“مش محتاج حد يخلي بناتي يخافوا عشان يحبوني.”
دموعها نزلت.
“ياسين، أنا بحبك.”
الجملة دي خلتني أسكت.
لكن بعدها قلت:
“الحب مش معناه إنك تكسري ثقة طفلين في الناس اللي حواليهم.”
وبعدين فتحت الباب.
“إنتي هتمشي من هنا.”
بصتلي بصدمة.
“إنت بتطردني؟”
“أيوه.”
“عشان خدامة؟”
رفعت عيني لها.
“لأ.”
وقلت ببطء:
“عشان كذبتِ عليا.”
خرجت من المكتب.
ولأول مرة من سنين، ماجريتش ورا شغلي.
روحت أوضة البنات.
لقيت سلمى قاعدة بينهم وبتحكيلهم حكاية.
أول ما شافتني قامت.
“باشا.”
بصيت لها.
“كملي.”
اتوترت.
“إيه؟”
“كملي الحكاية.”
قعدت تاني.
وأنا قعدت جنب البنات.
فضلت أسمعها.
بعد دقائق، صوفيا سندت راسها على كتفي.
وآية مسكت إيدي.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة بسيطة جدًا…
أنا قضيت سنتين بحاول أشتري لهم الأمان.
لكن الأمان الحقيقي ماكانش بيتباع.
كان موجود في حضن أم.
وفي كلمة هادية.
وفي شخص يقول لطفل خايف:
“أنا هنا.”
بعد ما البنات ناموا، خرجت مع سلمى للحديقة.
وقفت بعيد عن الفيلا وبصيت لها.
“أنا آسف.”
اتوترت.
“على إيه؟”
“إني صدقت كلام عنك من غير ما أسألك.”
سكتت.
قلت:
“وإني ماخدتش بالي من حاجات كتير بتحصل قدامي.”
ردت بهدوء:
“إنت كنت موجوع.”
بصيت لها.
“إيه؟”
“من بعد وفاة مدام مادلين… إنت مشغلتش نفسك بالشغل عشان الفلوس.”
سكتت.
“إنت كنت بتحاول ماتحسش.”
الكلام دخل جوايا بشكل أقوى من أي اتهام.
قلت:
“وإنتي عرفتي ده إزاي؟”
ابتسمت بحزن.
“لأني كنت شايفاك كل يوم.”
وفجأة سمعنا صوت إنذار من ناحية البوابة.
رجال الأمن جريوا ناحية المدخل.
اتشد جسمي بالكامل.
“خليكي هنا.”
لكن قبل ما أتحرك، جالي اتصال.
“باشا…”
صوت مدير الأمن كان متوتر.
“في عربية واقفة برا.”
“مين؟”
“مش عارفين.”
بصيت ناحية البوابة.
العربية كانت مطفية الأنوار.
ومفيش حد ظاهر جواها.
وبعدين وصلني على موبايلي فيديو من رقم مجهول.
فتحته.
تجمدت.
الفيديو كان لآية وصوفيا وهما داخلين المدرسة من يومين.
وتحت الفيديو رسالة واحدة:
“إحنا عارفين إنك هتكون لوحدك الليلة.”
رفعت عيني ناحية سلمى.
هي كانت بتبصلي.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
لأننا الاتنين فهمنا نفس الحاجة في نفس اللحظة…
الموضوع ماكانش عن ناهد.
ولا عن سلمى.
ولا حتى عن البنات.
حد كان بيراقب بيتي من البداية.
وحد كان مستني اللحظة اللي أرجع فيها لوحدي.
وأنا لأول مرة…
ماكانش خوفي على نفسي.
كان خوفي على آية وصوفيا.شدّيت موبايلي في إيدي، وبصيت لمدير الأمن.
“اقفلوا كل البوابات.”
“حاضر يا باشا.”
“ومحدش يدخل ولا يخرج.”
سلمى قربت مني.
“ياسين…”
رفعت إيدي.
“خليكي جنب البنات.”
“بس—”
“سلمى، اسمعيني.”
بصيت في عينيها.
“لو حصل أي حاجة، تاخدي البنات وتدخلي الغرفة السرية.”
اتصدمت.
“الغرفة السرية؟”
“أيوه.”
“بس أنا ماعرفش مكانها.”
“هتعرفي.”
مشيت ناحية الفيلا، لكن قبل ما أدخل سمعت صوت رصاصة.
الحرس اندفعوا ناحية البوابة.
صرخت:
“اطفوا الأنوار!”
الفيلا كلها غرقت في الظلام.
مسكت سلاحي واتحركت بسرعة.
وفجأة سمعت صرخة.
“بابا!”
كان صوت آية.
جريت ناحية السلم.
لكن سلمى ظهرت قدامي وهي شايلة صوفيا وماسكة إيد آية.
“هم هنا!”
“مين؟”
“مش عارفة!”
سمعت صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي.
قربت منهم.
“تعالي ورايا.”
نزلنا ممر جانبي بعيد عن الصالة.
وصلنا لباب خشبي صغير.
حطيّت إيدي على لوحة مخفية وفتحت الباب.
سلمى بصتلي بدهشة.
“دي الغرفة السرية؟”
“أيوه.”
دخلت البنات، وبعدها سلمى.
قفلت الباب الإلكتروني.
وقبل ما أقفله بالكامل، سمعت صوت رجل من الخارج:
“ياسين الدمنهوري!”
تجمدت.
الصوت كان مألوف.
خرجت من الغرفة من غير ما سلمى تشوفني.
مشيت ناحية الصوت.
لقيت واحد من رجالي واقع على الأرض.
ورجل تاني واقف وسط الصالة.
وشه كان مغطى.
قلت:
“شيل القناع.”
ضحك.
“لسه فاكرني؟”
وقف قدامي.
وشال القناع.
اتصدمت.
“حسام؟”
كان حسام، نائبي القديم.
الرجل اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد.
قلت بغضب:
“إنت اللي ورا ده؟”
ابتسم.
“أنا اللي ورا حاجات كتير.”
“ناهد؟”
“ناهد كانت مجرد أداة.”
قبضت إيدي.
“كنت عايز إيه؟”
“البنات.”
الجملة دي خلت الدنيا تسكت للحظة.
“إنت مجنون؟”
“لأ.”
ابتسم.
“أنا عارف إنك لو خسرتهم، هتديني كل حاجة.”
قرب خطوة.
“الموانئ، الشركات، الحسابات…”
قلت:
“إنت فاكر إني هسلّمك حاجة؟”
ضحك.
“مش لازم تسلّم.”
وأشار ناحية السلم.
“أنا هخليك تختار.”
وفي اللحظة دي، جالي صوت سلمى من سماعة صغيرة كانت في جيبي.
“ياسين…”
همست.
“في حد عند الباب السري.”
قلبي وقع.
حسام لاحظ إني اتغيرت.
“البنات عندك؟”
ماجاوبتش.
ابتسم.
“كنت متأكد.”
اندفع ناحية الممر.
جريت وراه.
لكن قبل ما يوصل للباب، ظهر صوت سلمى من السماعة:
“خد بالك!”
وفجأة انطفأت كل أنوار الفيلا.
حسام وقف.
وبعد ثانيتين، سمعنا صوت باب حديد بيتقفل.
وبعدين صوت صوفيا من داخل الغرفة:
“بابا؟”
صرخت:
“أنا هنا!”
حسام لف ناحيتي.
“إنت عملت إيه؟”
ابتسمت لأول مرة.
“أنا؟”
وبصيت للباب.
“ولا حاجة.”
وبعدها ظهر رجال الأمن من كل اتجاه.
حسام حاول يهرب.
لكن اتقبض عليه.
وقفت قدام الباب السري.
فتحته.
لقيت سلمى قاعدة على الأرض، والبنات في حضنها.
آية أول ما شافتني جريت عليا.
“بابا!”
شلتها.
وصوفيا جريت في حضني التاني.
حضنتهم الاتنين.
لكن سلمى كانت واقفة بعيد.
بصيت لها.
“إنتي عملتي إيه؟”
قالت:
“لما سمعت صوت الراجل، افتكرت كلامك.”
“إيه؟”
“الغرفة السرية.”
سكتت.
قالت:
“بس أنا ماقعدتش مستنية.”
رفعت حاجبي.
“عملتي إيه؟”
ابتسمت بخجل.
“قفلت النظام الأمني من جوه.”
بصيت لها بدهشة.
“إنتي تعرفي تستخدم النظام ده؟”
ضحكت.
“كنت بشتغل قبل كده مع شركة أمن.”
فضلت أبصلها.
كل يوم كنت بشوف قدامي خدامة هادية.
لكن الحقيقة إنها كانت أكتر شخص في البيت فاهم إزاي يحمي بناتي.
قربت منها.
“سلمى.”
“نعم؟”
“من النهارده…”
سكت لحظة.
“إنتي مش خدامة في البيت.”
بصتلي باستغراب.
“أمال إيه؟”
بصيت للبنات.
وبعدين رجعت لها.
“إنتي فرد من العيلة.”
عينيها لمعت.
لكن قبل ما ترد، آية قالت:
“يعني سلمى هتفضل معانا؟”
ضحكت.
“هتفضل.”
صوفيا حضنت رجل سلمى.
“للأبد؟”
سلمى نزلت لمستواها.
“للأبد.”
وفي اللحظة دي، لأول مرة من سنتين، حسيت إن بيتي رجع بيت بجد.
لكن اللي ماكنتش أعرفه…
إن قصة حسام ماكانتتش النهاية.
لأن بعد ساعات، وأنا في مكتبي براجع الملفات اللي اتضبطت معاه، لقيت ظرف أسود مخبي في درج عربيته.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة.
صورة مادلين…
مراتي.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
“إنت فاكر إن موتها كان حادث؟”
فضلت واقف مش قادر أتنفس.
وبصيت للصورة مرة تانية.
لأن لو الرسالة دي حقيقية…
يبقى موت مادلين من سنتين ماكانش حادث.
وكان فيه حد من البداية…
بيحرك كل الخيوط من ورا الستار.
والأسوأ من كده؟
اسم واحد كان مكتوب تحت الرسالة.
ناهد صبري.فضلت باصص لاسم ناهد المكتوب على ضهر الصورة.
ناهد صبري.
نفس الست اللي دخلت حياتي من سنة.
نفس الست اللي فضلت تقنعني إن سلمى خطر على بناتي.
نفس الست اللي كانت عايزة تطردها بأي طريقة.
لكن السؤال الحقيقي كان:
إيه علاقة ناهد بموت مادلين؟
مسكت الظرف وقلبته.
كان جواه فلاشة صغيرة.
وصلتها بالكمبيوتر.
ظهر ملف واحد.
اسمه:
“آخر ليلة.”
فتحته.
الفيديو بدأ من كاميرا مراقبة قديمة قدام بيت مادلين.
التاريخ كان قبل حادث العربية بساعات.
شفت مادلين وهي خارجة من البيت.
وبعدين ظهر شخص واقف بعيد.
قربت الصورة.
اتجمدت.
كان حسام.
لكن الفيديو ماوقفش هنا.
بعد دقايق، ظهرت عربية سودا.
ونزلت منها ناهد.
أنا رجعت الفيديو تاني.
وبعدين تالت مرة.
مش ممكن.
ناهد كانت موجودة قبل موت مادلين.
اتصلت بمدير الأمن.
“عايز كل المعلومات عن ناهد صبري من أول يوم دخلت حياتي.”
رد:
“حاضر.”
بعد عشر دقايق، دخل مكتبي ومعاه ملف ضخم.
فتحه قدامي.
“في حاجة غريبة يا باشا.”
“إيه؟”
“بيانات ناهد القديمة كلها ناقصة.”
“يعني إيه ناقصة؟”
“يعني الاسم موجود، لكن قبل عشر سنين تقريبًا مفيش أي سجلات واضحة ليها.”
قلبي دق بسرعة.
“دور أكتر.”
بدأ يقلب في الأوراق.
وبعدين وقف.
“لقيت حاجة.”
“إيه؟”
حط صورة قديمة قدامي.
الصورة كانت لمادلين وهي في المستشفى قبل ولادة البنات.
واقف جنبها دكتور ورجل تاني.
بصيت للرجل.
عرفته فورًا.
كان والد ناهد.
لكن تحت الصورة كان فيه اسم مختلف.
صابر صبري.
قلت:
“ده أبوها؟”
“أيوه.”
“كان بيشتغل إيه؟”
مدير الأمن بصلي بتردد.
“كان مسؤول حسابات في واحدة من شركاتك القديمة.”
سكت.
فجأة كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
صابر كان عارف أسرار الشركة.
حسام كان نائبي.
ناهد دخلت حياتي بعد موت مادلين.
والاتنين كانوا قريبين من بعض.
لكن لسه سؤال واحد ناقص.
ليه مادلين؟
فتحت الفيديو تاني.
ركزت في آخر دقيقة.
مادلين كانت واقفة جنب عربيتها.
ظهر حسام.
قال لها حاجة ماكنتش سامعها.
وبعدين مادلين فتحت شنطتها وطلعت ظرف.
سلمتهوله.
حسام أخده.
وبعدها مادلين ركبت العربية.
لكن قبل ما تتحرك، ظهر شخص تالت.
شخص كان واقف بعيد.
كبرت الصورة.
حاولت أركز.
وفجأة اتجمدت.
الشخص ده…
كان أنا.
أو واحد شبهِي بشكل مخيف.
لكن أنا ماكنتش هناك.
قلت بصوت منخفض:
“مين ده؟”
مدير الأمن قرب من الشاشة.
“مش حضرتك.”
“أنا عارف.”
“يبقى مين؟”
رجعت الفيديو.
شغلت آخر ثواني.
وفيها ظهر وش الرجل للحظة.
وشي اتغير.
لأن الرجل كان أخويا.
أخويا اللي مات من عشر سنين.
قلت:
“ده مستحيل.”
مدير الأمن سكت.
“أخويا مات.”
“عارف يا باشا.”
“يبقى الفيديو متلاعب فيه.”
قبل ما يكمل كلامه، الباب اتفتح.
سلمى دخلت.
كانت ماسكة ورقة.
“ياسين…”
بصيت لها.
“إيه؟”
قالت:
“لقيت دي في أوضة البنات.”
أخدت الورقة.
كانت رسمة طفولية.
آية كانت راسمة البيت.
أنا.
هي.
صوفيا.
وسلمى.
لكن كان فيه شخص خامس واقف برا البيت.
وشه متشخبط بالقلم الأسود.
وتحت الرسم كانت آية كاتبة:
“الراجل اللي بييجي وإحنا نايمين.”
رفعت عيني لسلمى.
“إنتي شوفتي حد؟”
هزت راسها.
“لأ.”
“والبنات؟”
“آية قالتلي إنها شافته من أسبوع.”
اتحركت فورًا.
“فين آية؟”
“في أوضتها.”
جريت.
لقيتها قاعدة على السرير.
قعدت جنبها.
“آية، بابا عايز يسألك سؤال.”
هزت راسها.
“الراجل اللي رسمتيه ده مين؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“هو بيقف عند الباب.”
“أي باب؟”
“باب أوضة ماما.”
قلبي توقف.
“إنتي شفتيه؟”
“أيوه.”
“كان بيعمل إيه؟”
قربت مني وهمست:
“كان بيقول اسم ماما.”
اتجمدت.
“كان بيقول إيه؟”
بصتلي بخوف.
“كان بيقول…”
سكتت.
وبعدين قالت:
“مادلين.”
خرجت من الأوضة وأنا مش قادر أتنفس.
وقفت في الممر.
سلمى كانت مستنياني.
بصيت لها.
“البيت لازم يتقفل بالكامل.”
“ليه؟”
“لأن اللي قتل مادلين…”
سكت لحظة.
“ممكن يكون لسه قريب مننا.”
لكن قبل ما أكمل، سمعنا صوت ضحكة طفولية من الدور الأرضي.
ضحكة آية.
وصوت صوفيا.
وبعدين صوت رجل غريب قال:
#حكايات_شروق_خالد
“ماتخافوش#حكايات_شروق_خالد…”
أنا وسلمى بصينا لبعض.
وبسرعة نزلنا السلم.
وصلنا للصالة.
البنات ماكانوش هناك.
لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض جديد.
فتحته بإيدي المرتعشة.
جواه صورة واحدة.
صورة ليا وأنا واقف جنب مادلين يوم فرحنا.
وعلى الصورة مكتوب:
“لو عايز تعرف مين قتل مراتك… اسأل سلمى.”
رفعت عيني ناحية سلمى.
هي كانت واقفة قدامي.
وشها شحب تمامًا.
وبصوت ضعيف قالت:
“ياسين…”
“إيه؟”
بلعت ريقها.
“أنا كنت عارفة إن مادلين ماتت مقتولة.”
سكتُّ.
“إيه؟”
نزلت دموعها.
“بس ماكنتش عارفة مين قتلها.”
قربت منها.
“إنتي عرفتي منين؟”
بصتلي في عيني وقالت:
“لأن مادلين…”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“كانت آخر واحدة كلمتني قبل موتها.”
وفي اللحظة دي، فهمت إن سلمى ما دخلتش حياتنا صدفة.
يمكن كانت عارفة أكتر بكتير مما قالت.
ويمكن…
هي نفسها كانت السبب الحقيقي اللي خلاني ألاقي الحقيقة بعد سنتين.فضلت باصص لسلمى من غير ما أتكلم.
“مادلين كلمتك قبل موتها؟”
هزت راسها ودموعها نزلت.
“أيوه.”
“وقالتلك إيه؟”
مسحت دموعها وقالت:
“قالتلي إنها اكتشفت إن في حد من شركتك بيزوّر حسابات وبيسرق فلوس ضخمة.”
سكتُّ.
“وقالتلي إنها شكت في حسام.”
كل حاجة بدأت تتجمع.
حسام.
ناهد.
والد ناهد.
والحسابات القديمة.
ومادلين.
سألتها:
“ليه ماقلتيليش؟”
بصتلي بحزن.
“لأنها طلبت مني ماقولكش.”
“ليه؟”
“قالت إن حياتك في خطر… وإنها لو ماتت، لازم أحمي البنات بأي طريقة.”
سكت.
“ومن يومها وأنا بحاول أبقى قريبة منهم.”
بصيت لها.
“يعني كل السنين دي…”
“كنت بحاول أنفذ وعدي لمادلين.”
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات.
رجال الأمن دخلوا.
“باشا، لقينا العربية اللي كانت واقفة برا.”
“مين صاحبها؟”
مد لي ورقة.
“حسام.”
لكن حسام كان بالفعل مقبوض عليه.
فهمت.
كان فيه شخص تاني.
خرجت من الفيلا، وفريق الأمن ورايا.
العربية كانت متوقفة عند آخر الشارع.
فتشناها.
وفي صندوقها لقينا ملفات وصور وتسجيلات.
وكان بينهم ملف واحد مكتوب عليه:
مادلين الدمنهوري.
فتحته.
لقيت الحقيقة كاملة.
مادلين اكتشفت إن حسام كان بيسرق من شركاتي بمساعدة والد ناهد.
ولما واجهته، قرر يسكتها.
ناهد عرفت اللي حصل بعد كده.
لكن بدل ما تروح للشرطة، حاولت تستخدم السر عشان تسيطر عليا وتبعد أي شخص ممكن يكشف الحقيقة.
أما حسام…
فكان هو اللي دبّر حادث العربية.
لكن مادلين قبل موتها كانت باعت نسخة من الأدلة لسلمى.
وسلمى فضلت محتفظة بيها سنتين.
مش عشان تخدعني.
لكن عشان تحمي البنات زي ما وعدت أمهم.
بعد أسبوع، كل المتورطين اتقبض عليهم.
حسام اعترف.
وناهد اعترفت بدورها.
أما أنا…
فوقفت لأول مرة قدام قبر مادلين من غير ما أحس بالذنب.
حطيت وردة على قبرها وقلت:
“سامحيني.”
وبعدين بصيت للسما.
“أنا هحميهم.”
رجعت البيت.
آية وصوفيا كانوا مستنييني عند الباب.
جريت الاتنين عليا.
آية قالت:
“بابا، سلمى قالت إن النهارده هنعمل تورتة.”
ضحكت.
“وإنتي عايزة إيه؟”
“أكبر قطعة.”
ضحكت سلمى من بعيد.
“أنا عارفة مين هياخدها.”
بصيت لها.
ولأول مرة ماحسيتش إنها موظفة.
كانت فعلًا جزء من البيت.
قربت منها.
“سلمى.”
#حكايات_شروق_خالد
“نعم؟”
طلعت علبة صغيرة من جيبي.
فتحتها.
كان جواها خاتم بسيط.
اتصدمت.
“ده إيه؟”
قلت:
“وعد.”
“وعد بإيه؟”
بصيت في عينيها.
“إنك من النهارده مش هتفضلي واقفة على باب البيت.”
سكتت.
“هتدخلي جوه.”
دموعها نزلت.
“ياسين…”
“أنا مش عايز واحدة تربي بناتي.”
ابتسمت.
“أنا عايز واحدة تبقى أمهم التانية…”
بصيت للبنات.
وبعدين رجعت لها.
“وشريكتي في حياتي.”
سلمى بكت وهي بتضحك.
أما آية فصرخت:
“يعني سلمى هتبقى معانا على طول؟!”
قلت:
“على طول.”
جريت آية وصوفيا عليها وحضنوها.
وأنا وقفت قدامهم.
لأول مرة من سنتين، البيت ماكانش مجرد فيلا كبيرة مليانة حراسة ورخام وفلوس.
كان بيت.
بيت فيه ضحك.
وفيه أمان.
وفيه ناس بتحب بعض بجد.
وبعد شهور، اتجوزت سلمى في حفل بسيط بعيد عن الصحافة والناس.
آية وصوفيا كانوا واقفين جنبها طول الوقت.
وقبل ما ندخل قاعة الفرح، آية مسكت إيدي وقالت:
“بابا.”
“نعم؟”
قالت:
“ماما كانت هتحب سلمى.”
بصيت لها، وابتسمت والدموع لمعت في عيني.
“أنا متأكد.”
ومن يومها، اتغيرت حياتي.
بطلت أقيس نجاحي بعدد الشركات اللي أملكها.
ولا بعدد الناس اللي بتخاف مني.
بقيت أقيسه بحاجة واحدة.
هل بناتي ناموا وهم مطمنين؟
هل ضحكوا النهارده؟
هل حسوا إن أبوهم موجود؟
وأما سلمى…
فكانت كل ليلة تطفي نور البيت، وتسيب النور الأزرق الصغير مفتوح في أوضة صوفيا.
وتحط الأرنب على شمالها.
وتقول لهم:
“تصبحوا على خير.”
وفي كل مرة كانت صوفيا ترد بنفس الجملة:
“طول ما إنتي هنا… إحنا مش بنخاف.”
وأنا كنت واقف برا الباب أسمعهم.
وأفهم أخيرًا إن أغلى حاجة في الدنيا…
مش الفلوس.
ولا القوة.
ولا النفوذ.
أغلى حاجة هي إن يكون عندك بيت…
تقدر ترجع له وأنت عارف إن فيه ناس مستنياك من قلبها.
تمت.
أبو البنات اكتشف سر الخادمة… فكانت تعرف حقيقة موت أمهم!
#حكايات_شروق_خالد



