
تحرك سيف نحو النافذة ليشم الهواء، لكنه فجأة توقف. أخذ شهيقاً عميقاً.
تحت رائحة الكحول، كانت هناك رائحة غريبة ولاذعة: رائحة اللوز المر.
تجمد دم سيف في عروقه. لقد عاش طفولته وسط صراعات دموية، وكان يعرف جيداً رائحة السموم الكيميائية.
التفت بسرعة، وعيناه مسمرتان على بقعة السائل المنسكب.
نادى سيف بصوت خفيض وخالٍ تماماً من الغضب، ليحل محله تركيز قاتل: “شريف… إوعى تشرب حاجة.”
توقف شريف مذهولاً: “نعم؟”
“تعال هنا. شم الريحة دي.”
انحنى شريف بقلق ليشم البقعة، ثم تراجع للخلف مفزوعاً كمن لسعته عقرب.
همس شريف بصوت مرعوب: “ده سيانيد… مركز ومخلوط بالكحول عشان يتداري طعمه!”
حدق سيف في حطام الكريستال.
لو أنه شرب ذلك الكأس، لكان جثة هامدة على هذه الأرضية الآن.
كان قلبه ينبض بعنف. شخص ما اخترق إجراءات أمن مكتبه، وتجاوز الحراس والكاميرات لوضع السم خصيصاً له.
أمر سيف ممسكاً برأسه بغضب جديد: “هاتلي تفريغ كاميرات المراقبة… حالا.”
توقف سيف عن الحركة، وشحب وجهه تماماً بينما كانت عيناه تتحركان ببطء بين حطام الزجاج المتناثر على الأرض وبين الباب المغلق الذي خرجت منه أمينة للتو.
“كاميرات المراقبة… هات التسجيلات حالاً يا شريف!” نبرة صوته جاءت مرعبة وصارمة بشكل جعل شريف يتحرك كالسهم نحو الحاسوب الرئيسي في ركن المكتب.
على شاشة العرض الكبيرة، بدأ شريف في سحب لقطات كاميرات المراقبة الخاصة بالجناح التنفيذي خلال الساعات الماضية. تقدما معاً نحو الشاشة، وبدآ في متابعة الشريط بتسريع طفيف حتى وصلا إلى اللحظة التي دخلت فيها أمينة المكتب وهي تدفع عربة التنظيف.
لكن ما ظهر على الشاشة لم يكن مجرد عاملة تنظيف عادية تؤدي عملها في صمت كما ظنوا.
على الكاميرا، ظهرت أمينة وهي تتحرك بحركات محسوبة ودقيقة للغاية؛ وقفت لثوانٍ أمام مكتبه، وعيناها تمسحان المكان بتركيز مهيب وحاد لا يعكس أبداً صورة “الخادمة البلهاء والخرقاء” التي أظهرتها أمامه. والأدهى من ذلك… ظهر بوضوح تام على شاشة الكاميرا كيف أن أمينة، وقبل دخوله بدقائق معدودة، التقطت بملقط صغير شيئاً دقيقاً للغاية سقط بجوار الدورق — كان هو الغطاء الحقيقي المزود ببصمات الجاني الخفي الذي تسلل للمكتب قبلهما لتنفيذ عملية الاغتيال، والذي أخفته بمهارة داخل كيس قماشي صغير في جيبها قبل أن يدخل هو وشريف!
وقف سيف مذهولاً، وامتزجت في عينيه مشاعر الصدمة بالذهول المطلق. قال شريف بصوت مرتعش: “يا ساتر… دي مش عاملة نظافة عادية يا سيف… دي كأنها… كأنها كانت عارفة كل خطوة! دي أنقذت حياتك متعمّدة، ودمرت الزجاج عشان تمنعك من الشرب من غير ما تلفت نظرنا!”
شعر سيف أن الأرض تميد به. تذكر الطريقة التي صرخ بها في وجهها، وكيف طردها بمهانة، وهي التي عرضت حياتها للخطر للتو وضحكت على نفسها ودفعته لكي يطردها ليحميها من بطش رجاله أو لتبعد الشبهات عنها.
صرخ سيف بعنف وهو يغادر مقعده: “العمارة كلها! اقفل بوابات البناء وقفل الكراج حالاً! ممنوع أي مخلوق يخرج من الباور دا حتى لو كان مين! ولو هدور عليها في شوارع القاهرة شبر شبر.. هاتولي أمينة حالا!”
أسرع شريف نحو الهاتف الداخلي ليصدر الأوامر الصارمة لأمن الأبراج، بينما انطلق سيف بخطوات واسعة نحو مصعد الطوارئ الخاص، فقلبه لم يعد يعنيه شأن الموانئ ولا الانتقام من منافسيه، بل بات مشدوداً نحو تلك الغامضة التي كانت تمشي أمامه طوال العامين الماضيين كطيف لا يراه أحد، بينما كانت في الحقيقة تحميه في الظل.
وفي تلك اللحظة، كانت أمينة قد وصلت بالفعل إلى الباب الخلفي لبرج “نيل تاور”. خلعت زيّ العمل الأزرق الواسع وألقت به في حاوية النفايات الخارجية، لتظهر بملابس أنيقة وعملية، وابتسامة هادئة تعلو محياها وهي تتجه نحو سيارتها الصغيرة المركونة في الظل.
فتحت الباب، وأخرجت من حقيبتها غطاء الدورق الأصلي الملطخ ببصمات الجاني الحقيقي، وقبل أن تدير مفتاح المحرك، صدح صوت هاتفها المحمول برقم مجهول.
رفعت السماعة بهدوء، ليأتيها صوت سيف المشحون باللهفة والاعتراف: “مين إنتي… وإزاي قدرتي توصلي للّي أنا عجزت أشوفه؟”
ابتسمت أمينة بخفة وقالت بصوت هادئ وثابت أذهله: “لأن اللي بيحمي الإمبراطورية مش اللي بيديرها بالصوت العالي يا سيادة المعلم… استنى مني المكالمة الجاية، وخلّيك حريص في اختيار رجالتك أكتر من كده.”
#حكايات_شروق_خالد
قبل أن يتمكن سيف من الرد أو نطق حرف واحد، كانت الخطوط قد انقطعت وأغلقت أمينة الهاتف في وجهه بهدوء تام.
دارت بمفتاح السيارة، وانطلقت في شوارع القاهرة الهادئة، تاركة وراءها برج “نيل تاور” وواحدة من أكبر الإمبراطوريات الإجرامية مشتعلة بالأسئلة والذهول.
أما داخل السيارة، فلم تكن أمينة مجرد عاملة نظافة بسيطة كما ظن الجميع طوال العامين الماضيين. كانت “نادية” — أو هكذا كان اسمها الحقيقي قبل أن تتخفى وتتوارى عن الأنظار — ابنة اللواء الراحل رفعت، الضابط الأمني الكبير الذي أطاحت به عصابة الشناوي قبل سنوات تحت ستار حادث مروري مدبر. لقد دخلت إلى قلب عرين الأسد بهدف واحد فقط: الانتقام لمقتل والدها، لا عبر طلقة رصاص عشوائية قد تُنسى، بل عبر إسقاط الإمبراطورية من الداخل وتفكيكها حجراً حجراً. لكن المفارقة أنها اليوم، وبدون قصد، وجدت نفسها تنقذ حياة عدوها اللدود، مسجلة بذلك نقطة تحول كبرى في لعبة الشطرنج الطويلة التي تلعبها وحدها في الظل.
وفي الطابق الأربعين، كان سيف يقف أمام الشاشة عاجزاً عن الكلام. التفت إلى شريف وقال بصوت يخترقه التوتر والفضول لأول مرة في حياته: “ابحث لي في ملفات العاملين القديمة، وفي كل أرشيف البلد… أنا عايز أعرف مين أمينة دي بالمللي، ومين اللي وراها!”
لكن شريف هز رأسه ببطء وهو ينظر إلى بصمات الأصابع على الغطاء الذي أبقته أمينة معها، ليجيب بصوت خفيض: “اللي قدرت تخترق أمننا وتلعب بينا كلنا، مش هنسيب أثر وراها بالسهولة دي يا سيف… دي مش مجرد حرب على الموانئ، دي حرب ذكاء، واحنا خسرنا الجولة الأولى تماماً.”
ابتسم سيف بمرارة، وشعر للمرة الأولى في حياته الحافلة بالبطش والخوف الحقيقي — ليس من الموت، بل من تلك المرأة الغامضة التي باتت تحرك خيوط اللعبة دونه. وأدرك جيداً أن اللقاء القادم بينهما لن يكون كغيره، وأن القاهرة على موعد مع عاصفة لن تترك خلفها أحجاراً قائمة.
مرت ثلاثة أیام على تلك الليلة المشهورة في برج “نيل تاور”، وثلاثة أيام أخرى عاشها سيف الشناوي في حالة تشبه الجنون الخفي. لم يعد يهتم بشحنات الموانئ ولا بصراعات عائلة كاستيلانو؛ كان عقله بالكامل محصوراً في تفاصيل تلك المرأة التي اختفت كالشبح.
في مكتبه الواسع، كان سيف يحدق في تقرير أمني سري وضعه شريف أمامه على الطاولة.
فتح شريف الملف وقال بصوت مشحون بالتوتر: “دورنا في كل مكان يا سيف. اسم ‘أمينة’ اللي كانت مسجل بيه في شركة النظافة طلع وهمي تماماً، ورقم البطاقة مزور بمهارة عالية لا تقام إلا باحتراف أمني من العيار الثقيل. بس قدرنا نوصل لخيط رفيع جداً… بصمات الأصابع اللي كانت على كيس القماش اللي سابته، طابقناها مع أرشيف قديم، والنتيجة طلعت مصدّمة.”
رفع سيف نظره ببطء، وعيناه تشتعلان: “نطق.. مين طلعت؟”
أخذ شريف نفساً عميقاً وأجاب: “مش أمينة خالص… دي ‘نادية رفعت’، البنت الوحيدة للواء الراحل رفعت، اللواء اللي كان ماسك ملف التحقيقات في قضايا غسيل الأموال بتاعتنا قبل خمس سنين، واللي مات في ‘الحادثة’ الشهيرة على طريق الإسماعيلية!”
عمّ السكوت المكتب كالصاعقة. تجمّد سيف في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة. تذكر وجه والده الراحل وهو يحذره مراراً قبل اغتياله من أن عائلة اللواء رفعت لن تسكت، لكنه ظن أنهم تخلصوا من الجميع. لم يكن يخطر بباله أبداً أن ابنة ذلك اللواء العتيد ستخترق حصونه بزي عاملة نظافة، تعيش تحته لعامين كاملين، تراقب، تحفظ، وتنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية — ثم، في اللحظة الحاسمة، تنقذ حياته لمجرد أنها تريد الانتقام بطريقتها الخاصة، لا بسمٍ رخيص، بل بانهيار كامل لإمبراطوريته.
قبل أن ينطق سيف بحرف واحد، رن هاتفه المحمول المحمي بتشفير خاص على المكتب. لم يكن رقماً معتاداً، بل ظهرت عبارة: رقم محجوب.



