روايات وقصص

المحطة الأخير لقلب سيف الهواري ج 1 حكايات شروق خالد

— “إنتِ بتولعي فيا؟ بتقولي لي إني إمبارح طلبت أتجوز معلم مافيا قدام ثلاثمائة بني آدم؟!” حست “داليا” إن بطنها اتقبضت أول ما بنت عمها “تيريزا” وريتها الفيديو على الموبايل. على الشاشة ظهرت هي نفسها، حافية في رجل ولبسة في الثانية، بفستان أصفر عليه نقط طين صغيرة، وماسكة إيد راجل طويل لابس بدلة سوداء شيك جداً.

قالت داليا في الفيديو وهي بتضحك بضحكة هبلة:
— “بقولك إيه.. تيجي نتجوز؟”
الراجل مكنش بيضحك، وحواليه رجالة ضخام جداً عمالين يبصوا حواليهم ومستعدين لأي هجوم.
سألها الراجل بصوت خشن:
— “وليه أعمل كده أصلاً؟”
ردت عليه بدلع وهي :
— “علشان جزمتك دي شكلها غالية قوي، وشك عابس وكشرتّك دي مش لطيفة، وعينيك حزينة أوي بالنسبة لواحد وسيم زيك.”
تيريزا وقفت الفيديو وبصت لها بقرف:
— “يا بنتي ده ‘سيف الهواري’! إنتِ واخدة بالك إيه اللي انتِ عملتيه ده؟”
داليا حطت إيديها على وشها من الفضيحة.
الحكاية بدأت أصلاً في ليلة “حفل الحصاد” في مزرعة تبع العيلة في قرية قريبة من مركز “سنورس” بمحافظة الفيوم. عيلتها عملت الحفل ده عشان يلموا فلوس وينقذوا “البنسيون” أو النزل الريفي الصغير بتاع جدتهم اللي كان على وشك الحجز عليه.
داليا، اللي عندها سبع وعشرين سنة، كانت شغالّة ليل نهار من غير راحّة؛ الصبح تستقبل الزباين، وبعد العصر تصلح السباكة المكسورة، وبالليل تعمل مخللات ومربى عشان تنزل تبيعها في السوق.
الفندق كان مديون للبنك للودن، وجدتها كانت محتاجة عملية قلب مفتوح، والبنك خلاص بيتهدد بطرد الكل.
وفي الليلة دي، وبعد ما شربت، داليا عملت أكبر جنان في حياتها، وراحت جري تكلم أخطر راجل في السيلة كلها.
سيف الهواري، صاحب الـ 36 سنة، كان رجل أعمال كبير مستقر في القاهرة. رسميًا عنده شركات نقل وتجارة وأمن ومقاولات، وغير رسمي؟ كفاية إن اسم عيلته يخلي أعتى رجالة الصعيد والقاهرة يوطوا صوتهم.
كان نازل الفيوم عشان يخلص صفقة أراضي كبيرة، ومحدش كان متوقع أبدًا إن رحلته تخلص بأنه شايل على كتافه بنت طلبت منه الجواز!
قالت تيريزا بصوت مرعوب:
— “المهزلة لسه مكملة يا داليا.” ورجعت شغلت الفيديو.
سيف قرب من داليا وقال لها جملة واحدة بجدية:
— “مفيش مرتجع.”
وبعدين شالها بين إيديه والناس كلها بتصفق، وداليا صرخت بصوت عالي:
— “طب امشّي رجليك شوية يا عريسي!”
الفيديو خلص وسيف بيضحك غصب عنه.
داليا كانت عايزة الأرض تنشق وتبتلعها:
— “قولي لي إنه ماعرفش بيتي فين والنبي!”
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت عربيات فخمة بتفرمل برة قدام النزل.
ثلاث عربيات دفع رباعي سودا وقفوا قصاد النافورة.
من العربية الأولى نزل بودي جارد ضخم، ومن الثانية واحد تاني بملامح حادة، ومن العربية الثالثة نزل “سيف الهواري” بنفسه!
كان لابس بنطلون قماش غامق، وقميص أبيض، وماسك في إيده بوكيه من “ورود عباد الشمس”.
داليا طلعت تجري على الصالة وهي لسه لابسة “الشبشب القديم”:
— “يا باشا.. يا سيف بيه، أنا بجد بتأسف، كنت غيبوبة امبارح!”
سيف رفع راسه وبص لها بهدوء:
— “صباح الخير يا عروسة.”
تيريزا طلعت تجري وراها وضحكت ضحكة هستيرية.
قالت داليا وهي بتفرك إيديها بتوتر:
— “يا فندم أنا كنت ومش دارية بالدنيا، يعني كلام السكر مش محسوب!”
سيف هز راسه:
— “عارف.”
— “خلاص.. يبقى نعتبر إن مفيش حاجة حصلت، ونقفل الصفحة دي خالص؟”
سيف سكت ثواني وهو بيتبص لها بابتسامة خفيفة:
— “في مشكلة صغيرة.”
داليا وشها جاب ألوان:
— “مشكلة إيه تاني؟!”
— “إنتِ قولتي لي إمبارح بالليل إنك بريمو في تصليح طلمبات المية وشبكات الري.. وأنا عندي مزرعة في التجمع فيها طلمبة بايظة ومش راضية تشتغل.”
— “هو إنتَ جاي من القاهرة لحد هنا عشان..؟”
داليا بصت للكرت الأسود على الترابيزة كأنه قطعة من النار. عقلها كان شغال بألف سرعة؛ من ناحية، ده راجل مافيا أو رجل أعمال فوق السحاب ومحدش يقدر يضمن نوياه، ومن ناحية تانية، البنك واقف على الباب وجدتها بتصارع المرض فوق السلام.
مدت إيديها بتردد وخدت الكرت، وقالت بصوت متمرد بس مكسور:
— مش عشان أنا خايفة منك.. ولا عشان قبلت بالهبل اللي قلته إمبارح.. بس عشان جدتي والبيت ده. نص ساعة أغير الهدوم دي وأجيلك.
سيف ابتسم ابتسامة خفيفة كأن الانتصار كان مضمون من اللحظة الأولى:
— مستنيكي.. بس بلاش متأخر، طريق القاهرة بيقفل بدري.
دخلت داليا الأوضة بتاعتها، لبست بنطلون جينز واسع وقميص عملي، ولمت شعيرها حصان، ونزلت وهي حاسة إنها رايحة لحفرة مجهولة بس مجبرة تنط فيها. ركبت العربية ورا جنب تيريزا اللي كانت بتودعها بعيون بتلمع بالشماتة والأمل في نفس الوقت.
طول الطريق لحد القاهرة، السكوت كان سيد المكان. سيف كان قاعد قدام جنب السواق بيراجع أوراق على تابلت، وداليا باصة من الشباك والأسئلة بتاكل في دماغها: إيه حكاية الطلمبة دي بجد؟ وليه راجل بحجمه يهتم بمزرعة وبنت في الفيوم؟
لحد ما العربية انحرفت ودخلت بوابة حديدية ضخمة مطليّة بالأسود والذهبي في التجمع الخامس. جوه البوابة كان فيه عالم تاني؛ جناين منسقة بعناية، أشجار عالية، وفي النص قصر هادئ تحيط بيه بحيرات صناعية ومزارع واسعة.
نزل سيف وفتح لها الباب بنفسه:
— وصلتِ.. أهلاً بكي في بيتكِ المؤقت يا عروسة.
نزلت داليا وهي بتبص للمكان بانبهار، بس حاولت تبان قوية:
— بطل هبل، ووريني فين الزفتة الطلمبة بتاعتك عشان أخلص وأمشي.
شاور لها على مبنى صغير على أطراف المزرعة، وكان ظاهر منه خراطيم ومواسير ضخمة، وحواليه خبيرين صيانة واقفين عمالين يحكوا في رأسهم بحيرة. سيف قرب منهم وقال بصوت آمر:
— وسعوا كده، المهندسة وصلت.
المهندسين بصوا لداليا اللي لابسة كوتشي قديم ومسكة مفك في إيديها بتعجب، بس قبل ما يفتحوا بقهم بكلمة، سيف وجه كلامه لداليا:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى