روايات وقصص

أنقذته حكايات شروق خالد

في اليوم اللي عدّى على إنقاذي لياسين المنصوري وسط  بأربعة شهور، رجع البيت وهو شايل شنطة سفر… وجايب معاه ست تانية.

وبعد أربعين دقيقة بس من خروجه، سايبني بوش ، ومن غير شغل، وقاعدة قدام الغدا اللي قضيت الصبح كله أعمله عشانه، خبط أخطر راجل في القاهرة على باب ، وسألني سؤال واحد غيّر حياتي كلها:

«فاكراني؟»

الصبح ده، بدأت أطبخ الساعة تمانية، لأن كل حاجة تقريبًا بقت بتاخد مني ضعف الوقت دلوقتي.

النسيج المتندب تحت دراعي الشمال كان شدّ جامد بعد الحريق، ولسه الضمادات الجديدة مغطية أجزاء من رقبتي ووشي، خصوصًا الأماكن اللي الحروق فيها كانت أعمق ولسه بتتعالج.

شويت الفراخ بالطريقة اللي ياسين بيحبها بالظبط، وعملت بطاطس مهروسة من الصفر.

حتى طلعت كوبايات النبيذ الرخيصة اللي اشتريناها من سنين، وقت ما كنا بنضحك ونقول إننا يومًا ما هنبدلها بكوبايات غالية.

جوايا، كنت عارفة إن علاقتنا بتنتهي.

بس ما كنتش أعرف إن ياسين ناوي يقفلها قبل الغدا.

الساعة دقت اتناشر.

باب الشقة اتفتح.

دخل ياسين الأول، وراه ست شقراء جميلة لابسة بالطو بلون كريمي، وكانت باين عليها إنها نفسها تبقى في أي مكان تاني غير هنا.

ما عرّفنيش بيها.

حتى ما بصش على السفرة.

دخل أوضة النوم على طول.

قعدت عشر دقايق أسمع صوت أبواب الدولاب وهي بتتفتح،  الهدوم وهي بتخبط في بعض، وصوت سوستة الشنطة وهي بتتقفل، بينما الأكل قدامي كان بيبرد واحدة واحدة.

وبعدين خرج ياسين وهو شايل شنطته.

«ياسين؟»

وقف.

ولثانية واحدة، كنت متأكدة إنه هيعتذر.

لكن عينيه عدّت على الضمادات اللي مغطية وشي، وبعدها بص بعيد.

قال بصوت بارد:

«أنا مش هقدر أقضي باقي عمري حاسس بالذنب كل ما أبصلك.»

بصيت له وأنا مش مصدقة.

قال:

«إنك أنقذتيني… مش معناه إني مدين لكِ بحياتي.»

كلماته كانت هادية.

وده خلاها أوجع.

قبل أربعة شهور، رجعت مبنى مولّع عشانه.

كنت بسحب جسمه اللي كان فاقد الوعي، واللي وزنه أكتر من تسعين كيلو، وسط الدخان والنار، وأنا النار بتاكل كتفي ورقبتي ووشي.

الإصابات أنهت شغلي كممرضة طوارئ.

لكن بطريقة غريبة، ياسين قدر يعيد كتابة القصة كلها، لحد ما تضحيتي اللي أنقذت حياته بقت في نظره مجرد عبء عليه.

الست اللي واقفة جنب الباب همست:

«ياسين، يمكن لازم إحنا…»

قاطعتها:

«لأ.»

الاتنين بصوا لي.

بصيت لها وقلت:

«إنتِ مش محتاجة تعتذري عن حاجة إنتِ ما كنتيش تعرفيها.»

وبعدين بصيت لياسين.

«امشي.»

مشي.

الباب اتقفل وراه بهدوء.

رجعت قعدت على السفرة، ومسكت الشوكة، وبعدها السكينة.

فضلت ماسكاهم لحد ما صوابعي اتشدت ومفاصلها بقت بيضا.

ساعتها بس عيطت.

في هدوء.

من وأنا صغيرة اتعلمت إن العياط في صمت بيخلي الناس تلاحظك أقل.

قبل ما أتم تمنتاشر سنة، كنت اتنقلت بين سبع بيوت رعاية مختلفة.

وكنت دايمًا بخلي شنطة صغيرة مجهزة تحت كل سرير، لأني عمري ما كنت أعرف إمتى حد هيقرر إن وجودي بقى عبء وإن لازم أمشي.

ياسين كان أول شخص خلاني أطلع الشنطة من تحت  وأفك هدومي.

وعشان كده حبيته.

مش لأنه كان راجل استثنائي.

لكن لأنه كان بيفضل موجود.

لحد ما بطل.

بعد أربعين دقيقة، حد خبط على الباب.

كنت تقريبًا هتجاهله.

لكن ما جاش خبط تاني.

اللي واقف بره كان صبور كفاية إنه يستنى.

وأخيرًا فتحت الباب.

لقيت راجل طويل واقف قدام الشقة، لابس بدلة رمادي غامق ومعطف أسود، وواقف على بُعد خطوة كاملة من عتبة الباب.

كان في أواخر التلاتينات.

شعره أسود، وكتافه عريضة.

وكان عنده نوع غريب من السكون يخلي غريزتك تحذرك منه قبل ما عقلك يفهم السبب.

قال:

«سلمى عبدالرحمن؟»

«أيوه.»

«ممكن أدخل؟»

ما اتحركش غير لما أنا بعدت خطوة وسمحت له يدخل.

أول ما دخل، عينيه لفت في الشقة، ووقعت على السفرة.

طبقين.

فراخ باردة.

وكوبايتين نبيذ ما حدش لمسهم.

فهم.

ما قالش حاجة.

معظم الناس كانوا لما يشوفوا آثار الحروق في وشي، يبصوا ثانية وبعدين يبعدوا عينيهم بسرعة.

هو لأ.

ما عملش كده.

فضل باصص لوشي كله، من غير شفقة، ومن غير إحراج، كأن مفيش حاجة في شكلي تستاهل إني أخبيها.

وبعدين سأل:

«فاكراني؟»

معدتي اتقبضت.

هزيت راسي.

«لأ.»

ظهر شيء غامض في عينيه.

قال بهدوء:

«من تلات سنين… كنتِ بتشتغلي في النوبة الليلية في مستشفى القصر العيني.»

قلبي وقف لحظة.

مد إيده جوه معطفه وطلع سوار مستشفى قديم.

حطه على السفرة قدامي.

خط إيدي كان لسه واضح عليه.

وبجوار رقم المريض، كان مكتوب اسم ما توقعتش في حياتي إني أشوفه تاني.

آدم المنصوري.

حكايات شروق خالد

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى