روايات وقصص

عشق على خط النار ج4

العربيات المصفحة كانت طالعة من البرج زي الموكب المظلم، أضواء الكشافات بتشق ضلمة الليل في شوارع القاهرة الساكتة. داغر كان قاعد جنبي في العربية الأولى، حاطط سلاحه على رجله، وجسمه متشنج زي الفهد اللي مستني لحظة الهجوم.

أنا كنت ماسكة في الكرسي وإيدي بترتعش، بس جوايا شعور غريب بالأمان؛ لأن الراجل اللي مصر كلها بتخاف منه، كان ممرض ضهره ليا ومستعد يهد الدنيا عشان يحميني.

وصلنا العيادة الخاصة في الزمالك. المكان كان هادي جداً ورايق من برة، بس أول ما داغر حط رجله جوة، الحراسة انتشرت في كل شبر، وأمنوا كل المداخل والمخارج.

نزلنا السلم الداخلي للعيادة، لحد ما وصلنا للأوضة الخلفية اللي فيها الخزنة السرية تحت الأرضية. داغر قرب من السجاد الفخم، أزاحه بمهارة، وفتح الباب الصاج المصفح بالشفرة الخاصة بيه.

بصلي وقال بصوت واطي ودافي:

“فريدة.. التقرير فين بالظبط؟”

قربت بخطوات ثابتة، ومديت إيدي في الزاوية الضيقة جوة الخزنة، وطلعت الظرف البني الشمعي اللي احتفظت بيه سنتين، ومعاه العينة الطبية الصغيرة اللي سحبتها ليلة حادثة مراته.

داغر مسك الظرف، وإيده كانت بترتعش لأول مرة من يوم ما عرفته. فتح التقرير وقرا العبارات الطبية السريعة بصوت مبحوح:

“نسبة مركزة من مركب ‘السيانيد’ الفسفوري.. أدت لتوقف القلب قبل وقوع التصادم بخمس دقائق.”

داغر بلع ريقه بعنف، وعينيه اتملت بدموع غضب مكتومة، وقال وهو بيقبض على الورق:

“المرشدي ما كانش شغال لوحده.. المادة دي مش أي حد يقدر يجيبها ولا يحطها في الشاي أو المشروب من غير ما حد يحس!”

وفجأة.. وقبل ما ألحق أرد، صوت ضرب نار حي ومرعب هز أركان العيادة من فوق!

أصوات الصريخ وضرب الرصاص المتبادل ملأت المكان، وصوت رجالة داغر وهم بيصرخوا في اللاسلكي:

“يا معلم! العيادة بتتراشق من كل الناحيات! المرشدي جاب كل رجالي وقافل الشارع!”

داغر سحبني بسرعة ورا ضهره، ورجع السلاح في إيده، وبصلي ونظرة عينيه كانت عبارة عن بركان جهنمي اتفتح:

“المرشدي جاي بنفسه عشان يأخد العينة وينهي الحكاية بنفسه.. بس هو ما يعرفش إن دي الأوضة اللي هتدفن فيها إمبراطوريته الليلة دي!”

التفت لي، ومسك وشي بين إيديه الاثنين بحنية وقوة، وهمس في ودني وسط صوت ضرب النار اللي بيقرب:

“خليكي ورايا يا فريدة.. محدش هيلمس منك شعرة طول ما داغر النصّار فيه نفس بيمشي في صدره!”

……………………………….

حكايات شروق خالد

صوت ضرب النار كان بينزل على سقف الأوضة اللي تحت الأرض زي المطر، وصوت القزاز وهو بيتكسر فوق مع صريخ الرجالة كان بيرهب أي حد، بس داغر ما رمشش.. عينيه كانت متثبتة على الباب الحديدي السلك اللي بيؤدي للسلم الداخلي.

سحبني من إيدي وجرّني ورا عمود خرساني تقيل في الزاوية الضلمة:

“اثبتي هنا ولا تتحركيش خطوة واحدة.. التقرير والعينة يفضلوا في جيبك يا فريدة.”

“وداغر.. أنت رايح فين؟” صرخت بصوت مخنوق من الرعب وأنا ماسكة في كم الجاكيت بتاعه.

بصلي ابتسامة صغيرة، مظلمة ومليانة ثقة تخوف، وحط إيده على إيدي بالراحة:

“رايح أنهي لعبة المرشدي للأبد.”

في ثواني، الباب الحديدي السلك اتخلع بصوت انفجار صغير، ودخل منه أربعة من رجالة المرشدي المدججين بالسلاح، متلثمين وبيتحركوا بحرص.

داغر ما استناهمش يحددوا مكانه.. طلع من ورا العمود زي الشبح، وضربات سلاحه كانت دقيقة وسريعة بشكل يرعب؛ تلات طلقات متتالية أوقعت تلاتة منهم في أرضهم قبل ما يلحقوا يرفعوا أسلحتهم، والرابع داغر هجم عليه وسحب السلاح من إيده وثبته على الأرض وركبه فوق صدره.

مسك فك الراجل بصرامة وقسوة:

“المرشدي فين؟”

الراجل كان بيلهث والدم نازل من مناخيره:

“فـ.. فوق في الصالة الرئيسية.. مستنيك تطلع عشان يخلص عليك بالعينات اللي معاك!”

داغر ضرب الراجل بدبشك السلاح فغاب عن الوعي في ساعتها، ورجع التفت لي وهو بيظبط المشط الجديد في مسدسه:

“يلا بينا.”

طلعنا السلم ببطء، خطوة ورا خطوة، والعيادة فوق كانت عبارة عن دمار شامل.. النجف مكسور على الأرض، والمكاتب متدمرة، ورجالة داغر ورجالة المرشدي مالين المكان بين قتيل ومصاب.

وفجأة.. صوت رجلين ماشية بثبات على القزاز المكسور.

طلع من بين الدخان شخص طويل، لابس بالطو أسود فخم، ومسك مسدس بكاتم صوت.. “المرشدي” بنفسه!

ابتسم المرشدي ابتسامة صفرا ومريضة وهو بيبص لداغر، وبعدين نقل عينيه عليّ وأنا وافقة ورا داغر:

“وصلتي يا دكتورة رحمة؟ سنتين وأنا بقلب عليكِ الأرض عشان الآزوزة الصغيرة اللي في جيبك.. وداغر الغبي يسلمك ليا على طبق من فضة!”

داغر قدم خطوة، وغطى عليا بجسمه بالكامل، وصوته طلع واطي وبارد كفيل يجمد المية في المواسير:

“المرشدي.. أنت نسيت أنت بتتكلم مع مين في الزمالك.. أنت في ملك داغر النصّار، وما فيش مخلوق بيمشي من هنا عايش بعد ما يلمس حاجة تخصني.”

المرشدي ضحك بصوت عالي:

“تخصك؟ البنت دي هي اللي هتدمرك يا داغر! أنت فاكر إنها جاية تنقذك؟”

وفجأة.. المرشدي رفع مسدسه ووجهه ناحية صدري مباشرة!

قبل ما يلحق يضغط على الزناد، داغر اتلمس في لحظة جنونية.. اترمى قدامي بكل قوته عشان ياخد الطلقة بدالي!

صوت الطلقة المكتوم ضرب في الأوضة، وداغر اتنفض ورجع لورا خطوة، والدم بدأ يبقع القميص الأبيض الأنيق عند كتفه!

“داغـــر!” صرخت بعلو صدمتي وجريت عليه مسكته قبل ما يقع..

……………………………….

حكايات شروق خالد

الدم الأحمر صبغ قميص داغر عند كتفه، بس هو ما وقعش.

اتنفض في مكانه زي الأسد المجروح، وبإيده التانية اللي ماسكة السلاح، ضرب طلقة واحدة في منتصف جبهة المرشدي قبل ما الراجل يلحق يفكـر يضرب طلقة تانية!

المرشدي عينيه اتسعت في صدمة ذهول، وجسمه وقع على القزاز المكسور بجثة هامدة، والصمت ساد المكان كلياً.

جَريت على داغر وأنا بصرخ، مسكت جسمه التقيل وهو بيتسند على الحيطة الخرسانية، وإيدي بترتعش وأنا بضغط فوراً بالطو التمريض على الجرح عشان أوقف النزيف:

“داغر! داغر بص لي هنا.. أوعى تقفل عينيك! ليه عملت كده؟! ليه أخدت الطلقة بدالي؟!”

داغر بلع ريقه بصعوبة، وعينيه المظلمة كانت بتبص لي بجهد، ورغم الوجع والنزيف، ابتسامة خفيفة ودافية اترسمت على شفايفه:

“قلت لك.. أنتِ الحساب الوحيد اللي ما أسمحش لنفسي أخسره في الحرب دي كلها يا فريدة.”

في ثواني، باقي حراسة داغر اقتحموا العيادة بعد ما قضوا على بقية رجالة المرشدي برة، وشافوا المشهد. وسيم وسامح صرخوا بالتعليمات، وشالوا داغر فوراً للمستشفى الخاص تحت إشرافي المباشر.

بعد تلات ساعات في غرفة العمليات المعقمة..

طلعت الرصاصة بنفسي من كتف داغر، وخيطت الجرح وضمادته بحرص شديد وإيدي كانت لسه بترتعش من كتر الخوف عليه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى