روايات وقصص

زهره الربيع

طب لو سحر عاشت؟

في يوم، قعدت معاها في الصالة، وكانت تعبانة ومش قادرة ترفع راسها من على المخدة. فضلت أبص لها فترة طويلة، وبعدها أخدت نفس عميق وقلت:

“سحر، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع.”

بصتلي وقالت: “خير يا مصطفى؟”

اترددت، وبعدين قلت: “أنا بفكر أتجوز.”

سكتت.

والله العظيم سكتت لدرجة إني سمعت صوت عقارب الساعة اللي على الحيطة.

بصت لي كأنها مستنية مني أكمل، أو يمكن كانت بتتمنى إني أضحك وأقول لها إني بهزر.

لكن أنا كملت.

“أنا مش عارف هتعيشي قد إيه، ومش قصدي أضايقك، بس أنا كمان عندي احتياجات، ونفسي يكون عندي طفل، وحاسس إن حياتي واقفة.”

سحر نزلت عينيها للأرض.

فضلت ساكتة شوية، وبعدها سألتني: “إنت بتحبني يا مصطفى؟”

السؤال كان بسيط، لكن معرفتش أرد عليه بسرعة.

قلت: “طبعًا بحبك.”

رفعت عينيها وبصتلي: “طب لو أنا مكانك، وإنت اللي تعبان، وقلتلك إني عايزة أتجوز عليك عشان إنت ممكن ترحل، كنت هتقول لي إيه؟”

اتضايقت من السؤال، وقلت بعصبية: “متقارنيش الموضوع ببعضه يا سحر. أنا مش بتكلم عن حاجة حصلت، أنا بتكلم عن المستقبل.”

هزت راسها ببطء، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها.

وبعدين قالت جملة لحد النهارده مش قادر أنساها:

“أنا مش همنعك يا مصطفى. لو ده اللي إنت عايزه، اتجوز.”

كنت مستني منها ترفض، وتزعق، وتقول لي إني بخون العشرة، أو حتى تطلب مني أستنى شوية.

لكن موافقتها الهادية خلتني أهرب من إحساسي بالذنب، وأتمسك بيها كأنها تصريح إني أعمل اللي أنا عايزه.

بعد شهور، اتعرفت على ندى، بنت كانت شغالة في شركة قريبة من المكان اللي بشتغل فيه. كانت طيبة وهادية، وعارفة إني متجوز وإن مراتي مريضة.

حكيت لها ظروفي، وقلت لها إني مش قادر أسيب سحر لوحدها، وإنها هتفضل مسؤوليتي، وإن الجواز التاني مش معناه إني هتخلى عنها.

ندى وافقت، واتجوزنا في شقة تانية.

في البداية كنت بحاول أقسم وقتي بين البيتين، وأقنع نفسي إني كده عملت اللي عليا.

لكن الحقيقة إني كنت كل يوم ببعد عن سحر أكتر.

وبعد فترة، ربنا رزقني بابني ياسين.

أول ما شلته بين إيديا، حسيت بفرحة كبيرة، فرحة كنت بحلم بيها من سنين، خصوصًا إن سحر كانت حملت قبل كده، لكن الحمل مكملش، وبعدها العلاج أثر على فرص الإنجاب عندها.

كنت ببص لياسين وأتخيل مستقبله، وأحلم بيوم ما يدخل المدرسة، ويكبر ويبقى راجل.

ومع كل يوم كان بيعدي، كنت بتعلق بحياتي الجديدة أكتر، وبنسى إن فيه إنسانة في شقة تانية مستنياني، وإنها كانت في يوم من الأيام بتعتبرني كل دنياها.

ندى بدأت تلاحظ إني ببعت فلوس لسحر كل شهر، وإن فيه مصاريف علاج مستمرة.

كانت تقول لي: “يا مصطفى، إحنا مش هنقدر نفضل كده. إنت بتدفع علاج وبتصرف على بيتين، وابنك محتاج مصاريف، وأنا كمان ليا حقوق.”

كنت أرد عليها: “سحر مش بإيدها اللي حصل لها. دي عشرة عمر، ومينفعش أسيبها.”

فتقول بضيق: “وأنا ذنبي إيه؟ أنا اتجوزتك على أساس إن ليا بيت وجوز، مش على أساس إني أعيش كل يوم خايفة إن الفلوس اللي محتاجاها ابني تروح لمراتك الأولى.”

كانت كلماتها بتضايقني، لكن جزء مني كان عارف إنها مش غلطانة في كل حاجة. أنا دخلت جواز تاني وأنا مش قادر أوفي بكل المسؤوليات، وكنت متخيل إن الأمور هتتحل لوحدها.

لكن بدل ما أواجه نفسي، بدأت أتعامل مع سحر على إنها العبء اللي معطل حياتي.

بقيت أزورها كل أسبوعين بدل كل كام يوم، وبعدها الزيارات بقت حسب مواعيد المستشفى.

ولو اتصلت بيا وقالت إنها تعبانة، كنت أسألها: “كلمتي الدكتور؟”

تقول: “لسه يا مصطفى، أنا محتاجة حد ييجي معايا.”

أرد: “طب كلمي حد من جيرانك، أنا عندي شغل ومش هقدر أسيبه كل مرة.”

كانت تسكت، وتقول: “حاضر.”

الكلمة دي كانت بتوجعني زمان، لكن بعد فترة بقيت أسمعها وأقفل المكالمة عادي.

وفي مرة، وأنا داخل العمارة اللي كانت ساكنة فيها، قابلني البواب، عم عماد.

وقفني وقال: “يا أستاذ مصطفى، لو سمحت، عايز أقول لك كلمتين.”

قلت له وأنا مستعجل: “خير يا عم عماد؟”

بصلي بعتاب وقال: “الست سحر تعبانة أوي يا ابني. امبارح بالليل كانت بتصرخ من الوجع، والناس طلعت لها، ومكنش معاها حد. إحنا اللي جبنا لها الدكتور.”

اتضايقت وقلت: “طب ما هي تكلمني!”

رد عليا بحزن: “يا ابني، هي مش عايزة تقلقك. كل ما أقول لها أكلم جوزك، تقول لي لأ، مصطفى عنده بيته وابنه، سيبوه يعيش.”

حسيت بإحراج، لكن بدل ما أعتذر، قلت: “طب ما تروح تقعد عند أمها يومين، على الأقل متبقاش لوحدها.”

عم عماد بصلي نظرة طويلة وقال: “أمها نفسها ست كبيرة ومريضة، وسحر مش عايزة تحسسها إنها قربت تروح. هي يا ابني مش عايزة تتعب حد، بس مينفعش تسيبها كده.”

مشيت وأنا متضايق من كلامه، وقلت لنفسي إنه مش فاهم الظروف اللي أنا فيها.

طلعت لسحر، لقيتها قاعدة على الكنبة، حاطة بطانية على رجليها، ووشها شاحب.

أول ما شافتني، ابتسمت وقالت: “إزيك يا مصطفى؟”

قربت منها وسلمت عليها، وبعدها قلت: “عم عماد بيقول إنك كنتِ تعبانة امبارح.”

قالت: “آه، شوية تعب وعدوا.”

“طب ليه متصلتيش بيا؟”

ابتسمت بحزن: “مكنتش عايزة أعطلك.”

الجملة دي ضايقتني أكتر، لأني كنت عارف إنها مش أول مرة تقولها.

قعدت معاها نص ساعة، وبعدها قمت عشان أمشي.

قبل ما أخرج، قالت: “مصطفى، ممكن تطلب لي الدوا اللي الدكتور كتبهولي؟ خلص من يومين.”

اتنهدت وقلت: “طب ما كنتِ قلتي لي من الأول.”

ردت بهدوء: “كنت مستنية لما تيجي.”

خرجت، وجبت الدوا، لكن وأنا راجع لبيتي الجديد كنت بفكر في مصاريفه، وفي الفلوس اللي هتخرج من جيبي، وفي الخناقة اللي مستنياني مع ندى.

ومكنتش بفكر في إنها كانت مستنياني أنا، مش الدوا.

مرت الشهور، وحالة سحر كانت يوم تتحسن شوية ويوم تتعب أكتر. كانت بتلتزم بالعلاج، وبتروح مواعيدها، وفيه فترات الدكتور كان بيقول إن استجابتها للعلاج مش بطالة، وإن لسه فيه أمل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى