
النادلة الفقيرة لقت زعيم المافيا مربوط هو وكلبه—واللي عملته بعد كده صدم الكل
كانت لافتة النيون المعلقة فوق مطعم «عم رجب» في وسط القاهرة بتزنّ بصوت مزعج، زي دبور بيموت.
كانت ندى واقفة عند الباب الخلفي، ماسكة كيسين زبالة مليانين لآخرهم. المطر كان بينزل بغزارة، بيغرق الأسفلت في الحارة وبيحوّل وساخة المدينة لنهر زيتي أسود بيجري على الأرض.
هي ماكانتش عايزة تخرج هناك.
كل اللي كانت نفسها فيه إنها تخلّص ورديتها، تركب عربيتها الفيات القديمة موديل 1998، وترجع بيتها، وتدعي إن الدفاية تقرر أخيرًا تشتغل.
لكن أكياس الزبالة كانت بتسرّب مية على جزمتها.
زقّت الباب الحديد برجليها وخرجت لليل نوفمبر البارد.
الباب اتقفل وراها، وعزل عنها ريحة فطيرة الكرز المسكّرة وصوت سائقي العربيات اللي واقفين آخر الليل وهما بيتخانقوا على طلبات الأكل.
دلوقتي ما بقاش فيه غير صوت المطر، وصفارة شرطة بعيدة، وريحة العفن المبلول اللي كانت خانقة الحارة.
رفعت أول كيس ورمته جوه صندوق الزبالة الصدئ.
وقع الكيس بصوت تقيل ومبلول.
وفجأة…
سمعت صوت.
ماكانش صوت فأر.
الفيران بتجري وتخربش.
الصوت ده كان مختلف.
اهتزاز منخفض، كأنه بيتحرك جوه الخرسانة المبلولة ويوصل لحد باطن جزمتها.
زمجرة.
زمجرة عميقة، مخيفة، طالعة من جوه حيوان ضخم.
ندى اتجمدت مكانها.
إيدها نزلت ناحية الجيب العميق في مريلتها، وأصابعها مسكت مقبض القطّاعة البلاستيك البارد اللي كانت بتستخدمها في فتح الكراتين اللي بتوصل للمطعم.
وقالت بصوت مبحوح:
ـ إيه؟ أنا معنديش أكل. دي زبالة بس.
الزمجرة اتحولت لأنين مكتوم ومتقطع.
كل غريزة للبقاء اتعلمتها ندى خلال ستة وعشرين سنة في القاهرة كانت بتصرخ جوا دماغها:
سيبي الكيس واجري.
ماتدخليش نفسك في حاجة مالكيش دعوة بيها.
كمّلي طريقك.
دي كانت عقيدة الناس الغلابة اللي عايشين على الحافة.
لكن الأنين رجع تاني.
المرة دي كان يائس.
يائس بنفس الطريقة اللي كانت ندى بتحس بيها كل مرة تفتح كشف حساب البنك بتاعها.
ضغطت على القطّاعة وفتحت نصلها، وبدأت تمشي ناحية المساحة الضيقة بين صندوق الزبالة والحائط المبني بالطوب.
في البداية شافت العينين.
دائرتين ذهبيتين باهتين بيعكسوا الضوء الضعيف اللي في الحارة.
وبعدين ظهر الجسم كامل.
كلب ضخم من نوع كاني كورسو.
فروه المخطط كان متلبك بالطين وحاجة أغمق.
دم.
كان فيه رباط بلاستيك صناعي سميك رابط بقه، لدرجة إنه غرز في لحم فكه.
وسلسلة تانية كانت ملفوفة بإحكام حوالين رقبته، ومربوطة في ماسورة غاز حديد سميكة.
ـ يا نهار أبيض…
القسوة اللي كانت ندى بتحتمي بيها طول عمرها اتكسرت في اللحظة دي.
نزلت على ركبتها من غير ما تهتم بالمية التلج اللي بدأت تتسرب لجينزها.
الكلب شد جسمه، وكأنه مستعد يتلقى ضربة.
لكن ندى ما ضربتوش.
حطت كف إيدها على كتفه المبلول اللي كان بيرتعش.
كانت حاسة بكل ضلع من ضلوعه.
وحاسة بقلبه وهو بيخبط بسرعة مرعبة جوه صدره.
همست:
ـ اهدا يا صاحبي.
رفعت القطّاعة، ودخلت طرف النصل تحت الرباط البلاستيك.
بشدّة واحدة، قطعت الرباط.
الكلب شهق، وفتح فكه لأول مرة، وسحب نفس ضخم كأنه كان محبوس تحت المية.
ومع ذلك…
ماعضّهاش.
بالعكس.
حط راسه الضخمة على صدرها، وطلع تنهيدة طويلة مرتعشة.
ندى لمست رقبته وقالت:
ـ أيوه… عارفة.
مدت إيديها ناحية السلسلة اللي حوالين رقبته.
لكن في اللحظة دي…
الظل اللي ورا الكلب اتحرك.
ندى رجعت لورا بسرعة، ورفعت القطّاعة قدامها.
وجالها صوت خشن من الضلمة:
ـ ماتلمسيش الكلب.
الصوت كان بالكاد صوت بني آدم.
كان مبحوحًا، خشنًا، كأنه خارج من حلق اتجرح واتسحل فوق الحصى.
عين ندى بدأت تتعود على الضلمة الموجودة تحت السقف الصغير.
وهناك شافته.
راجل قاعد على الأرض، مسنود بضهره على الحائط.
إيديه كانت مربوطة في ماسورة الحديد بأربطة بلاستيك سميكة، رافعة دراعاته لفوق في وضع مؤلم وغير طبيعي.
كان لابس بدلة سودا.
ورغم إن المكان كان غارق في القذارة والمطر والظلام، ندى قدرت تعرف فورًا إن البدلة دي مش بدلة عادية.
تفصيلها دقيق.
قماشها غالي.
وحياكتها باينة إنها معمولة مخصوص.
لكن الجزء الشمال من قميصه الأبيض كان متشبع بالكامل بالدم، ولازق في جسمه في كتلة سودا مائلة للأحمر.
قال وهو بيكح:
ـ ماتلمسيش الكلب.
ندى بصت له ببرود وقالت:
ـ متأخر. أنا لمسته خلاص. ودلوقتي هتخليني أفكك ولا ناوي تموت جنب صناديق الزبالة بتاعتي؟
الراجل رفع راسه ببطء.
وشه كان متبهدل من الضرب.
جرح عميق كان شاقق حاجبه الشمال، والدم نازل على عينه اللي كانت متورمة ومقفولة.
لكن عينه التانية فتحت.
كانت رمادي فاتح.
حادّة.
نافذة.
ورغم كمية الدم اللي كانت نازلة حوالين رجليه، عينه ماكانش فيها ذرة خوف.
كان فيها شيء تاني.
حسابات باردة.
نظرة مفترس وقع مؤقتًا في فخ.
قال بصوت ضعيف:
ـ امشي من هنا.
ندى سكتت.
ـ إنتِ مش عايزة تدخلي نفسك في الليلة دي.
هو كان عنده حق.
هي فعلًا ماكانتش عايزة.
لكن ندى بصت للكلب، اللي كان بيلحس الدم من صوابع الراجل الساكنة.
وبصت للدم اللي كان بينزل مع مية المطر ناحية بالوعة الصرف.
وبعدين قالت:
ـ اخرس.
زحفت ناحيته، ودخلت النصل تحت الرباط البلاستيك اللي رابط إيده اليمين.
اكتشفت إن الرباط مش عادي.
ده كان رباط تقيل، مخصص لتقييد الأشخاص في حالات الشغب.
همس الراجل:
ـ إنتِ بتغلطي غلطة كبيرة.
ندى ردت وهي بتحاول تقطع الرباط:
ـ أنا بعمل أخطاء طول الوقت. اشتريت عربية مستعملة السنة اللي فاتت. وباكل فطيرة بايتة على العشا. إنما إني أفك واحد بينزف ومربوط في ماسورة… دي بالكاد داخلة في أول عشر غلطات عندي.
انقطع البلاستيك.
إيده اليمين وقعت لتحت بثقل.
ندى انتقلت للإيد التانية وقطعتها.
وفجأة جسمه وقع لقدام.
ندى لحقته من كتافه قبل ما وشه يخبط في الأرض.
قالت بسرعة:
ـ إوعى. خليك صاحي.
عينه الرماديّة فتحت بصعوبة.
وبص ناحية اسمها المكتوب على بطاقة صدرها.
قال بصوت بالكاد مسموع:
ـ ندى…
وبعدين أضاف:
ـ اخرجي من هنا يا ندى.
ندى بصت له وقالت:
ـ أنا خارجة فعلًا.
وسكتت لحظة.
ـ وإنت جاي معايا.
فكت المشبك المعدني من طوق الكلب وحررته.
الكلب على طول قرب من الراجل، وحط مناخيره المبلولة عند رقبته، وبدأ يطلع أنين حزين.
ندى قالت:
ـ تمام يا صاحبي… ساعدني.
مسكت دراع الراجل وحطته فوق كتفها.
وقالت:
ـ على تلاتة… لازم تستخدم رجليك.
ـ واحد…
ـ اتنين…
ـ تلاتة!
بدأوا يتحركوا.
كان شكلهم غريب جدًا.
كأنهم تلاتة أشخاص بيجروا في سباق بثلاث أرجل.
والكلب كان لازق في جنب الراجل، مسنوده بجسمه الضخم وقوته، وكأنه عكاز حي.
ولما وصلوا لعربية ندى، كانت رئتها بتحترق من التعب.
فتحت باب الراكب، ودفعت الراجل تقريبًا جوه العربية، فوقع على الكرسي القماش الباهت.
الكلب قفز بسرعة للكرسي الخلفي، وفضل ينفض المية والطين في كل حتة.
ندى جريت للناحية التانية، وركبت مكان السواق.
دخلت المفتاح في الكونتاكت.
لفته.
الموتور أصدر صوتًا متقطعًا.
كح.
وبعدين سكت.
ندى ضربت الدركسيون بإيدها.
ـ ماتعملهاش فيا!
لفت المفتاح مرة تانية.
الموتور شهق.
كح.
وبعدين…
اشتغل.
ندى بصت في مراية العربية.
ومن خلال الزجاج الخلفي اللي المطر كان مغطيه، شافت نورين بيتحركوا ببطء ناحية مدخل الحارة.
نور عالي.
عربية دفع رباعي سودا ضخمة.
المصابيح كانت قوية لدرجة إنها عمت عين ندى.
العربية كانت بتدخل الحارة ببطء شديد.
وكأن اللي جواها عارف بالضبط هو بيدور على مين.
ندى ضغطت على البنزين مرتين، ولفت المفتاح بكل قوتها.
الموتور زأر أخيرًا.
صرخت:
ـ يا رب!
وبسرعة رمت ناقل الحركة على وضع القيادة.
وضغطت على البنزين بكل قوتها.
وانطلقت بالعربية… ومعاها الراجل الغامض والكلب الضخم، بينما السيارة السوداء بدأت تلاحقهم في قلب ليلة ممطرة، لا تعرف ندى أنها على وشك تغير حياتها إلى الأبد.
حكايات شروق خالد
ندى كانت سايقة بأقصى سرعة عربيتها تستحملها.
الموتور كان بيصرخ، والعربية كلها بتتهز مع كل مطب، والمساحات بتتحرك بسرعة على الإزاز عشان تحاول تفتح لها طريق وسط المطر.
بصت في المراية.
العربية السودا لسه وراها.
بل بالعكس…
كانت بتقرب.
ندى ضربت الدركسيون وقالت:
ـ يا خراب بيتك يا لانوس… استحملي بس لحد ما نطلع من الحارة!
ياسين كان قاعد جنبها، ضاغط بإيده على الجرح اللي في جنبه.
الدم كان لسه بينزل بين صوابعه.
ندى بصت له بسرعة:
ـ إنت هتفضل ساكت كده؟
ـ أعمل إيه؟
ـ انزف براحتك يعني؟
ـ هتوصلي بيا فين؟
ـ المستشفى طبعًا.
هز راسه:
ـ لأ.
ندى بصت له باستغراب.
ـ لأ إيه؟
ـ المستشفى خطر.
ـ خطر عليك؟ إنت أصلًا شبه الميت!
ـ لو دخلت مستشفى حكومي، اللي ورايا هيعرفوا مكاني.
ندى سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت:
ـ طب أعمل إيه؟ أوديك عند الحلاق؟
ياسين بص لها لأول مرة بنظرة فيها شبه ابتسامة.
ـ عندك مكان آمن؟
ندى ضحكت بسخرية:
ـ أنا؟ آمن؟ ده أنا صاحبتي بتسرق مني مصاريف المواصلات!
الكلب في الكرسي الخلفي بدأ ينبح بعصبية.
ندى بصت في المراية.
ـ اسكوت يا عم… إحنا ناقصين فضايح.
ياسين قال:
ـ اسمه سلطان.
ندى رفعت حاجبها:
ـ سلطان؟
ـ أيوه.
ـ شكله سلطان فعلًا.
الكلب رفع راسه وكأنه فهم الكلام.
ندى قالت:
ـ بس أنا مش هقدر أخليكم عندي.
ياسين سألها:
ـ ليه؟
ـ عشان صاحب البيت هيطردني.
ـ ليه؟
ـ عشان هتدخل عندي راجل غريب بينزف وكلب حجمه قد البقرة!
ياسين سكت.
وبعدين قال:
ـ أنا هدفعلك.
ندى بصت له.
ـ إنت فاكرني أنقذتك عشان الفلوس؟
ـ لأ.
ـ أمال؟
ـ عشان قلبك طيب.
ندى اتضايقت.
ـ ماتتكلمش عن قلبي. أنا مش ناقصة.
في اللحظة دي، العربية السودا قربت منهم جدًا.
واحد من اللي جواها فتح الشباك.
ندى شافت إيد طالعة.
قالت:
ـ يا ساتر!
وفجأة دوّى صوت طلقة.
الرصاصة خبطت في شنطة العربية.
ندى صرخت:
ـ دول بيضربوا علينا نار؟!
ياسين قال بهدوء غريب:
ـ قلتلك إنهم خطر.
ـ خطر إيه؟ دول مجانين!
دست على البنزين أكتر.
لكن عربيتها كانت خلاص وصلت لآخر طاقتها.
الموتور بدأ يكح.
ندى قالت:
ـ لأ… لأ… مش وقتها!
ياسين بص قدامه.
ـ قدامك شارع جانبي.
ـ وأنا شايفة.
ـ ادخليه.
ـ لو دخلته هتتبهدل العربية.
ـ لو ما دخلتيهوش هنموت.
ندى بصت له.
ـ عندك حجة مقنعة.
لفت الدركسيون بعنف.
العربية دخلت شارع جانبي ضيق.
العربية السودا حاولت تدخل وراهم.
لكن الشارع كان أضيق من إنها تعدي بسهولة.
ندى كملت بسرعة، وبعد حوالي ميت متر وقفت العربية فجأة.
الموتور مات.
ـ يا بنت الـ…
خبطت الدركسيون.
ـ خلصتِ؟!
ياسين قال:
ـ لازم ننزل.
ندى بصت له.
ـ ننزل فين؟
ـ من هنا.
وأشار لبوابة حديد قديمة على جنب الشارع.
ـ دي بتدخل على إيه؟
ـ مش عارف.
ندى بصت للعربية السودا اللي بدأت تظهر عند أول الشارع.
ـ خلاص… أي حاجة.
نزلت بسرعة.
فتحت الباب الخلفي.
سلطان نط على الأرض.
ندى ساعدت ياسين ينزل.
كان تقيل جدًا.
اتكأ عليها.
ـ استنى… بالراحة.
ياسين قال:
ـ أنا أقدر أمشي.
ـ واضح.
مشي خطوتين.
ركبته خانته.
ندى مسكته قبل ما يقع.
ـ أيوه… واضح جدًا.
سلطان بدأ يزمجر.
العربية السودا قربت.
ندى شدت ياسين ناحية البوابة.
دخلوا منها وقفلوها وراهم.
كان المكان ضلمة.
مخزن قديم مهجور.
فيه صناديق خشب، وأجولة، وريحة تراب ورطوبة.
ندى همست:
ـ إحنا فين؟
ياسين قال:
ـ مخزن.
ـ دي إجابة ذكية جدًا.
سلطان وقف قدامهم.
وبدأ يزمجر ناحية الباب.
بعد ثواني…
سمعوا صوت خطوات.
واحد قال:
ـ فتشوا الشوارع كلها.
صوت تاني رد:
ـ العربية هنا.
ندى حطت إيدها على بقها.
بصت لياسين.
ـ هيعرفوا إننا هنا؟
ياسين قرب منها وقال:
ـ لو سلطان سكت… لأ.
ندى بصت للكلب.
ـ سلطان… حبيبي… بالله عليك ماتنبحش.
الكلب بص لها.
وسكت.
ندى ابتسمت.
ـ جدع.
لكن فجأة…
سمعوا صوت خبط عنيف على البوابة.
ـ افتحوا!
ندى شهقت.
ياسين حط إيده على فمها.
وهمس:
ـ ماتخافيش.
ندى بصت له بعينين مليانين رعب.
ـ ماتخافش إزاي؟ أنا عمري ما شفت حد بيطارد حد بعربية ويضرب عليه نار!
ياسين قال:
ـ عشان إنتِ لسه ماتعرفيش أنا مين.
ندى همست:
ـ وإنت مين؟
ياسين سكت.
وبص للباب.
ثم قال:
ـ أنا ياسين الجبالي.
الاسم وقع على ندى كأنه صدمة كهربا.
ـ الجبالي؟
ـ أيوه.
ـ يعني…
ندى ابتلعت ريقها.
ـ ياسين الجبالي بتاع الجبالي إخوان؟
ما ردش.
ندى بدأت تفهم.
الناس كلها في القاهرة كانت عارفة اسم الجبالي.
فلوس.
شركات.
رجالة كتير في الشوارع.
وأقاويل عن حاجات محدش بيتكلم عنها بصوت عالي.
ندى بصت له:
ـ إنت…
قبل ما تكمل، الباب الحديد اتفتح بعنف.
دخل تلات رجالة مسلحين.
سلطان اندفع قدامهم.
لكن قبل ما أي حد يلحق يعمل حاجة…
ياسين وقف.
رغم الجرح.
رغم الدم.
رغم إنه كان بالكاد قادر يقف.
وقف قدام ندى وسلطان.
ورفع عينه ناحية الرجال.
وقال بصوت هادي جدًا:
ـ محدش يلمسها.
واحد من الرجال ضحك:
ـ وإنت فاكر نفسك لسه تقدر تأمر؟
ياسين مسح الدم من على شفته.
وقال:
ـ أنا مش فاكر.
وسكت لحظة.
ـ أنا عارف.
الرجل رفع سلاحه.
لكن في نفس اللحظة…
سلطان اندفع بكل قوته.
واللي حصل بعدها خلّى ندى تكتشف إن الليلة دي لسه في أولها.
حكايات شروق خالد
سلطان اندفع بكل قوته ناحية أول راجل، والراجل وقع على الأرض وهو بيصرخ، والسلاح طار من إيده واتزحلق بعيد.
التاني رفع سلاحه بسرعة.
ندى ما فكرتش.
مدت إيدها وخبطت إيده بصندوق خشب كان مرمي جنبها.
الرصاصة خرجت لفوق وخبطت في سقف المخزن.
ـ انبطحوا!
ياسين شد ندى من دراعها ونزلها ورا كومة من الصناديق.
سلطان كان لسه بيحاول يبعد الراجل الأول عنهم، لكن الراجل التاني ضربه بعصاية كانت في إيده.
الكلب تراجع وهو بيئن.
ندى صرخت:
ـ سلطان!
حاولت تقوم.
ياسين مسكها.
ـ ماتروحيش!
ـ ده الكلب!
ـ لو خرجتي هتتعرضي للخطر.
ندى بصت له بغضب:
ـ وإنت فاكرني هسيبه؟
قبل ما ياسين يرد، سلطان وقف تاني.
كان فيه جرح صغير فوق عينه، لكنه وقف قدام ندى وياسين.
واقف رغم الألم.
الراجل التاني بص له بخوف.
ـ الكلب ده مجنون!
ياسين رد ببرود:
ـ لأ.
وبص لسلطان.
ـ ده وفي.
وفي اللحظة دي، صوت عربيات كتير بدأ يقرب من بره.
الرجالة التلاتة بصوا لبعض.
واحد منهم قال:
ـ رجالة الجبالي وصلوا.
ياسين ابتسم لأول مرة.
ـ قلتلكم.
صوت خطوات كتير دوّى بره المخزن.
وبعدها الباب اتفتح.
دخل حوالي عشر رجالة.
كلهم وقفوا أول ما شافوا ياسين.
واحد فيهم جري عليه.
ـ يا باشا!
ياسين رفع إيده.
ـ أنا كويس.
الراجل بص للدم.
ـ كويس إزاي يا باشا؟ إنت بتنزف!
ياسين أشار ناحية ندى.
ـ هي اللي أنقذتني.
الراجل بص لمريم… ثم بص لياسين.
ـ هي؟
ندى رفعت حاجبها.
ـ أيوه أنا.
الراجل قال:
ـ إنتِ عارفة مين ده؟
ندى ردت:
ـ عرفت من شوية.
ـ وعارفة إن اللي عملتيه ممكن يعرّضك للخطر؟
ندى بصت لياسين.
ـ هو ماكانش قدامي اختيار.
ياسين قال:
ـ كان قدامها اختيار.
سكت الجميع.
ثم أضاف:
ـ وكان ممكن تمشي.
بص لندى.
ـ لكنها ما مشيتش.
ندى اتوترت من نظراته.
قالت:
ـ خلاص بقى… أنا ساعدتك. ودلوقتي خد رجالتك وروحوا. أنا عايزة أرجع بيتي.
واحد من الرجالة ضحك من غير قصد.
ياسين بص له.
فسكت فورًا.
ياسين قرب من ندى.
ـ مش هينفع.
ـ ليه؟
ـ لأن اللي شافوكي الليلة دي مش هيسيبوا الموضوع يعدي.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني إنهم عرفوا إنك كنتِ معايا.
ندى اتنهدت.
ـ وأنا مالي؟
ـ من اللحظة اللي قطعتي فيها الرباط من إيدي… بقيتي جزء من الموضوع.
ندى بصت له بصدمة.
ـ لا يا حبيبي، أنا كنت بساعد إنسان. مش بمضي عقد شراكة.
لأول مرة، ابتسامة خفيفة ظهرت على وش ياسين.
لكنها اختفت بسرعة.
وقال:
ـ لازم نتحرك.
ندى هزت راسها.
ـ أنا مش رايحة أي حتة.
ـ ندى…
ـ لأ.
وقفت قدامه.
ـ أنا عندي شغل الصبح.
واحد من رجالة ياسين بص لزميله باستغراب.
ندى كملت:
ـ وعندي إيجار، وعندي فواتير، وعندي عربية محتاجة تتصلح. ومش ناقصة أروح معاك مكان أنا مش عارفاه.
ياسين بص لها طويلًا.
ثم قال:
ـ تمام.
ندى ارتاحت.
ـ تمام؟
ـ تمام.
لف ناحية رجاله.
ـ خدوها.
ندى شهقت.
ـ إيه؟!
الرجالة قربوا.
ندى رجعت لورا.
ـ إنت قلت تمام!
ياسين قال:
ـ قلت تمام… بس ماقولتش هسيبك.
ندى بصت له بغضب.
ـ إنت مجنون!
ـ ممكن.
ـ أنا مش هروح معاكم!
سلطان قرب منها، وحط راسه عند إيدها.
ندى بصت له.
ـ حتى إنت؟
الكلب حرّك ديله.
ندى تنهدت.
ـ ماشي… بس لحد ما أتأكد إنه هيفضل عايش.
ياسين قال:
ـ ده اتفاق.
خرجوا من المخزن.
الشارع كان مليان عربيات سوداء.
رجالة واقفين في كل مكان.
ندى وقفت مكانها.
ـ يا نهار أبيض…
ياسين بص لها.
ـ إيه؟
ـ إنت جايب الجيش كله؟
ـ دول عدد قليل.
ندى بصت له:
ـ قليل؟!
ركبت عربية كبيرة كانت واقفة قدامهم.
سلطان ركب جنبها.
ياسين ركب في العربية اللي قدامهم.
وقبل ما العربية تتحرك، ندى بصت من الشباك.
شافت مطعم الحاج شوقي من بعيد.
مكان شغلها.
حياتها القديمة.
كل حاجة كانت عادية من كام ساعة بس.
دلوقتي هي قاعدة في عربية وسط رجال مسلحين، وكلب ضخم جنبها، وراجل اسمه ياسين الجبالي قدامها.
وهي لسه ماتعرفش إن أكبر مصيبة مش إن ياسين كان مطارد.
المصيبة الحقيقية…
إن اللي حاول يقتله الليلة دي كان شخص قريب منه جدًا.
وشخص ياسين كان واثق فيه أكتر من أي حد.
بعد حوالي نص ساعة، وصلت العربيات لقصر ضخم في أطراف القاهرة.
ندى نزلت وهي مش مصدقة عينيها.
قالت:
ـ هو إنت ساكن هنا؟
ياسين نزل بصعوبة.
ـ أيوه.
ندى بصت للبوابة العالية والحراسة الموجودة في كل مكان.
ـ ده بيت ولا سجن؟
ياسين رد:
ـ الاتنين.
دخلوا.
أول ما فتح الباب الكبير، خرجت ست كبيرة في السن بسرعة.
أول ما شافت ياسين، حطت إيدها على قلبها.
ـ يا ابني!
جريت عليه.
ـ كنت فين؟!
ياسين قال:
ـ أنا كويس يا أمي.
لكن الست وقفت فجأة لما شافت ندى.
بصت لها من فوق لتحت.
وبعدين بصت للكلب.
ثم رجعت تبص لياسين.
وقالت بهدوء غريب:
ـ مين دي؟
ياسين قال:
ـ دي ندى.
الست قربت منها.
ـ ندى مين؟
ندى ردت:
ـ ندى… وبس.
الست ضيقت عينيها.
ثم قالت جملة خلت ياسين نفسه يتجمد مكانه:
ـ هي دي البنت اللي أبوك كان بيدور عليها قبل ما يموت.
حكايات شروق خالد




