روايات وقصص

زهره الربيع

اتجوزت على مراتي بعد ما ربنا ابتلاها بالمرض الصعب، وكنت فاكر إنها خلاص بترحل، بس مرضها طول وبقيت مش قادر أكفيها هي وبيتي الجديد وابني، وحسيت إن جالي الفرج لما طلبت بنفسها نتطلق، وقلت خلاص هرتاح ويمكن مش هشوفها تاني، مكنتش أعرف إني هندم ندم عمري من اللي هيحصل بعد كده!

أنا وسحر مراتي عشنا مع بعض أحلى ٣ سنين في حياتي، كنا بنحب بعض جدًا، وكانت حياتنا مليانة ضحك ورضا، لدرجة إننا كنا بنحلم نكبر سوا ونشوف ولادنا وهما بيجروا حوالينا في البيت.

سحر كانت ست من النوع اللي نادر تلاقيه. كانت بتفرح بالحاجات البسيطة، وتستقبلني بابتسامة مهما كان يومي صعب، ولو رجعت من الشغل متضايق كانت تقعد جنبي بالساعات لحد ما أفضفض لها، وبعدها تحاول تضحكني بأي طريقة.

كانت دايمًا تقولي: “يا مصطفى، أهم حاجة عندي إنك تكون بخير، والله لو الدنيا كلها ضدي وطول ما إنت جنبي مش هخاف من حاجة.”

وأنا كنت بصدق نفسي لما أرد عليها وأقول: “وأنا عمري ما هسيبك يا سحر، إحنا هنفضل مع بعض لآخر العمر.”

مكنتش أعرف إن الكلام سهل أوي وقت ما الدنيا بتكون حلوة، وإن الاختبار الحقيقي بييجي لما الحياة تحطك قدام مسؤولية تقيلة، وتكتشف إنك مش الشخص اللي كنت فاكره عن نفسك.

في يوم من الأيام، سحر بدأت تشتكي من تعب غريب. كانت بتصحى الصبح مرهقة، وشهيتها قلت، ووزنها بدأ ينزل من غير سبب واضح. في الأول افتكرنا إنه إرهاق عادي، وإنها محتاجة ترتاح شوية، لكن لما التعب زاد، قررت آخدها للدكتور.

دخلنا العيادة وإيدي في إيدها، وكانت بتحاول تطمني أكتر ما هي بتطمن نفسها.

قالتلي وهي قاعدة جنبي: “متخافش يا مصطفى، أكيد شوية أنيميا وهنتعالج.”

ابتسمت لها وقلت: “إن شاء الله يا حبيبتي، أول ما نخلص هنروح ناكل اللي إنتِ عايزاه.”

لكن بعد التحاليل والأشعات، الدكتور طلب مننا نرجع له تاني، والمرة دي مكنش وشه مطمن زي الأول.

بص لسحر، وبعدها بص لي، وقال الكلمة اللي هدت حيلنا إحنا الاتنين:

“للأسف، فيه ورم خبيث، ولازم نبدأ العلاج في أسرع وقت.”

حسيت إن حد سحب الأرض من تحت رجلي. صوت الدكتور بقى بعيد، والكلام اللي بيقوله مش قادر أستوعبه. بصيت لسحر، لقيتها ساكتة تمامًا، وبتبص له بعينين مليانين خوف.

وفجأة سألت بصوت مرتعش: “يعني أنا هأرحل يا دكتور؟”

الدكتور حاول يشرح لها إن المرض له مراحل وعلاجات، وإنه مينفعش نحكم على النتيجة من دلوقتي، لكن أنا كنت شايف الخوف في عينيها، وحاسس إن حياتنا كلها اتقسمت لنصين؛ حياة قبل الكلمة دي، وحياة بعدها.

خرجنا من المستشفى، وسحر كانت ماشية جنبي ببطء. ركبت العربية، وفضلت باصة من الشباك طول الطريق.

لما وصلنا البيت، دخلت أوضتنا وقفلت الباب، وبعد شوية سمعت صوت عياطها.

دخلت عليها، لقيتها قاعدة على طرف السرير، ماسكة هدومها في إيديها وبتبكي بحرقة.

أول ما شافتني، مدت إيديها ناحيتي وقالت: “يا مصطفى، أنا خايفة أوي.”

قعدت جنبها وضمّيتها لصدري، ودموعي نزلت غصب عني.

“متخافيش يا حبيبتي، هنحارب المرض ده سوا، هنعمل كل اللي نقدر عليه، ومش هسيبك.”

وقتها كنت صادق في كل حرف قلته.

بدأت رحلة العلاج، وابتدت معاها أيام صعبة محدش يقدر يوصفها. المستشفى بقت بيتنا التاني، ومواعيد العلاج والأشعات والتحاليل بقت جزء من حياتنا.

كنت بروح معاها، وأستنى بره غرفة العلاج وأنا ببص في الساعة كل شوية. ولما تخرج، كنت أساعدها تمشي لحد العربية، وأحاول أخليها تضحك حتى لو أنا من جوايا بتقطع.

لكن العلاج كان قاسي.

شعرها بدأ يقع، ووشها اللي كان منور بقى شاحب، وجسمها ضعف، وأوقات كتير كانت بتبقى مش قادرة تقوم من السرير.

وفي يوم، صحيت من النوم ولقيتها قاعدة قدام المراية، ماسكة خصلة شعر وقعت في إيديها.

فضلت تبص لها شوية، وبعدها سألتني: “هو أنا شكلي بقى وحش يا مصطفى؟”

اتخضيت من السؤال، وقربت منها وقلت: “إنتِ أجمل واحدة في الدنيا، حتى لو شعرك كله وقع، إنتِ سحر اللي أنا بحبها.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها كانت بتقول إنها مش مصدقة الكلام بسهولة.

بعد أيام، قررت تحلق شعرها القصير اللي فضل، وقعدت قدامي وهي بتحاول تبان قوية.

قالتلي: “أنا مش عايزة أفضل كل يوم أعيط على شعري. لما أخف، هيطلع تاني.”

وقتها حضنتها وقلت: “وهتخفي بإذن الله، وهنفتكر الأيام دي ونضحك عليها.”

لكن الأيام عدت، والعلاج طول، والتحسن اللي كنا مستنيينه مكنش بييجي بالشكل اللي كنا بنحلم بيه.

بدأت حياتي تتغير بالتدريج.

في الأول كنت برجع من الشغل أجري عليها، وأقعد جنبها وأحكيلها كل حاجة حصلت معايا. بعد كده بقيت أرجع متأخر بسبب الشغل، وبعدها بقيت أقول لنفسي إنها نامت ومش هحسسها بوجودي، وأقعد أتفرج على التلفزيون أو أنام من غير ما أدخل لها.

وكل مرة كنت بعمل كده، كنت بلاقي لنفسي مبرر.

مرة أقول أنا تعبان.

ومرة أقول عندي شغل بدري.

ومرة أقول إن مفيش حاجة في إيدي أعملها، وإن وجودي جنبها مش هيغير نتيجة العلاج.

ومع الوقت، بدأت أصدق إن حياتي أنا كمان متوقفة، وإن من حقي أعيش.

كنت لسه في عز شبابي، وأصحابي بيخرجوا مع زوجاتهم، وبيتكلموا عن أولادهم، وعن خططهم للمستقبل. وأنا بقيت حاسس إن كل يوم عندي شبه اللي قبله، مستشفى ودواء ومصاريف وقلق.

وبدأت الفكرة تدخل دماغي بشكل مخيف.

فكرة إني أتجوز واحدة تانية.

في البداية كنت بطرد الفكرة من دماغي، وأقول لنفسي إزاي أفكر في حاجة زي دي وسحر لسه على ذمتي وبتصارع المرض؟

لكن بعد فترة، بدل ما أطرد الفكرة، بقيت أفكر فيها أكتر.

كنت أقول لنفسي إن الدكاترة مش مطمنين، وإن سحر ممكن تكون في أيامها الصعبة، وإن أنا مش لازم أعيش باقي عمري لوحدي.

وكنت بتجاهل السؤال اللي كان بيطاردني كل ليلة:

السابق1 من 11
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى