
«كبير المنطقة لاحظ علامات الإهانة على إيد الخدامة… والي عمله بعد كده هز مصر كلها» الفنجان الفخار كان بيرعش في إيدها قبل ما يلمس الخشب بتاع المكتب. سليم المنشاوي مرفعش عينه من الأوراق اللي قدامه — مش دلوقت — بس سمع الصوت. الخبطة الخفيفة بتاعة الفنجان في الترابيزة، اللي فضحت الخوف اللي صوتها الهادي قدر يستره. وفجأة الأكمام اترفت.
لثانية واحدة بس. بس كانت كفاية إنه يشوف الكدمات الملتفة حوالين معصمها زي أساور سودة ومشوهة — بعضها جديد، وبعضها بدأ يقلب على لون أصفر مخضر يعرّ المصران. سحبت الكم لتحت بسرعة مرعوبة، بس كان الوقت فات. سليم شاف كل حاجة. والألعن من كده — إنه شافها بتتخض وتترعب، الخضة اللي مش بيعرفها غير بني آدم اتضرب واتهان كتير.
همست وهي رافضة تحط عينها في عينه:
— “أنا بس حركتي تقيلة يا سليم بيه.. وقدمي خفيفة على الوقع.”
مسكتش بس سكت. حط القلم من إيده، ولأول مرة من تلات شهور، فهمت “أميرة” إن أرجل وأخطر راجل في السيدة زينب قرر إن سرها مابقاش بعيد عنه — وإن اللي حط العلامات دي على جسمها، نهايته قربت.
الساعة كانت 6:47 الصبح، والقاهرة لسة بتفوق من نومها. بس سليم المنشاوي عمره ما نام بعد ستة. قاعد في مكتبه في الدور الأخير من فيلا المنشاوي، والشمس الطالعة بتضرب في القزاز الكبير، ورصّة الحسابات والورق مركونة جنب كباية القهوة المظبوطة. الأرقام مش شاغلة باله الصبح ده.. الناس هي اللي شاغلة باله.
سليم بنى اسم وهيبة الكل بيتكلم عنها في الحارة وفي السوق — إمبراطورية أصلها السكوت، والدقة، ونفس طويل بيخليه يشوف اللي غيره مابياخدش باله منه: الترددة اللي في الإيد قبل السلام، الرعشة اللي في الصوت لما حد يكدب، وكتف البني آدم لما ينزل لتحت من كتر الهم اللي شايله وخايف يقله.
عشان كده لما دخلت “أميرة” المكتب الصبح وهي شايلة الصينبة الفضة وعليها القهوة بحذر، عينيه جابت كم بلوزتها قبل ما تجيب وشها.
الكم كان نازل زيادة عن اللزوم. مش عشم ولا طريقة لبس — ده عن قصد. مشدود لغاية صوابعها ومقفي عليه في قبضتها، كأنها بتجمع نفسها بالعافية عشان ماتقعش.
قالت بصوت واطي يا دوب مسموع:
— “صباح الخير يا سليم بيه.”
ده كان صوتها دايماً. من يوم ما دخلت البيت ده من تلات شهور، عمره ما سمع صوتها يعلى عن الهمس.
— “صباح النور يا أميرة.”
فضل يبصلها وهي بتمشي في الأوضة، خطواتها حساسة ومحسوبة زي اللي خايف يغلط. حطت فنجان القهوة بإيديها الإثنين — وهنا حصلت. الكم اتزحزح. لثانية.. يمكن ثانيتين.
بس ثانيتين دول كانوا كل اللي محتاجه سليم المنشاوي.
كدمات زرقا غامقة حوالين معصمها، كأن حد غشيم ومفترس كان ماسكها بآخره ومكنش راضي يسيبها. حاجات جديدة وحمرا ووارمة، وحاجات تانية بدأت تصفَرّ، وده معناه إن دي مش أول مرة.. دي عيشة وطريقة.
شدت الكم بسرعة وتسمرت مكانها، وعينها جت في عينه، وفي اللحظة دي شاف في عينها حاجة عارفها كويس. مش كسوف، ولا إحراج..
ده كان رعب.
قال سليم بنبرة هادية وتقيلة، النبرة اللي بيتكلم بيها لما الموضوع يكون كبير أوي:
— “اقعدي يا أميرة.”
— “أنا.. أنا لازم أنزل الحق المطبخ عشان—”
— “قلت اقعدي.”
صوته مكنش عالي، سليم عمره ما احتاج يزعق. بس كان فيه هيبة بتجبر أي حد يسمع الكلام وغصب عنه. قعدت على الكرسي الجلد اللي قدام مكتبه وهي حاسة إنها تتمنى الأرض تتشق وتبلعها.
— “إيه اللي في إيدك ده؟”
— “مافيش يا بيه.. أنا بس حركتي تقيلة.”
طلعت منها ضحكة مكسورة زي الإزاز الهش، وكملت:
— “اتخبطت في ضلفة الدلفة بتاعة المطبخ وأنا بنظف إمبارح.”
رجع سليم بظهره لورا، وبيفحصها زي ما بيفحص أي حد — مش بقسوة، بس بتركيز يبتدئ من الساس للرأس. تمانية وعشرين سنة. هادية. شغلها بالساعة. عمرها ما سألت سؤال زيادة، ولا رغت، ولا بصت في عين حد. دي كانت نفس الصفات اللي “أم الدواهي” ست الدار والحاجة “فاطمة” قعدت تمدح فيها لما جابتها تشتغل.
بس الحاجة “فاطمة” مقالتش إنها خايفة كده.
لأن ده بالضبط اللي شايفه سليم دلوقت، على بعد متر منه.. ست مسجونة جوة رعبها ومش قادرة تقول كلمة حق واحدة.
سألها بالراحة وهو شايفها بتمسح إيدها التانية بتلقائية:
— “الإيدين الإثنين؟”
وشها جاب ألوان واصفرّت:
— “أنا.. أيوه، أصل أنا بتكعبل كتير.”
— “وريني إيدك.”
— “والله أنا كويسة يا سليم بـ—”
— “قلت وريني يا أميرة.”
إيديها كانت بترتعش وهي بترفع الكمين ببطء. وهناك كانت الحقيقة — كدمات معلمة على الإيدين الإثنين. بصمات صوابع علمّت في اللحم. علم بني آدم مسكها بغل وعافية عشان يسيب أثر.
فيه نقطة تلج نزلت في صدر سليم، نوع من البرودة ملهوش دعوة بهوا القاهرة والبرد اللي برة.
هو عمل حاجات في حياته مش فخور بيها، وأخد قرارات طيرت النوم من عينه في أنصاص الليالي.. بس كان عنده أصول. خطوط حمرا مابيعديهاش، ومبيسمحش لحد يعديها في منطقه.
الراجل ميمدش إيده على ست مابتقدرش تدافع عن نفسها.
فيه حد افترى على أميرة. حد مسك الست دي وعلّم عليها بالمنظر ده بقى له أيام ويمكن أسابيع — وهي مرعوبة لدرجة إنها بتكدب في وشه عشان تستر على اللي ضربها.
— “مين اللي عمل فيكي كده؟”
— “محدش يا بيه.. أنا قلت لحضرتك—”
— “أميرة.”
ميل بجسمه لقدام، وحط كوعيه على الترابيزة وبص في عينها مباشرة:
— “أنا هسألك المرة دي وبس. وأباكِ تفهمي حاجة الأول.. أنتِ شغالة في البيت ده، تحت سقفي. وده معناه إنك في حمايتي وحماية اسم المنشاوي. فاهمة يعني إيه حمايتي؟”
لثانية واحدة — يا دوب طرفة عين — فيه شرارة ظهرت في عينها. شفايفها اتفتحت، وشافها وهي بتوزن الكلام في سرها، بتشوف هل هتعدي على خير لو نطقت بالاسم؟
بس وقفت فجأة وبسرعة خليت الكرسي يعمل صوت عالي وهو بيتزق على الأرض.
— “أنا لازم أنزل أشوف شغلي.. أطباق الفطور—”
— “أميرة—”
بس كانت راحت ناحية الباب، بتجري زي ما يكون فيه عفريت بيلحقها.
قالت وهي مدياله ظهرها ومش قادرة تبصله:
— “كتر خيرك يا سليم بيه.. أوعدك هاخد بالي بعد كده.”
واختفت.
قعد سليم في السكوت اللي سابته وراها، باصص للباب المقفول، والقهوة تبرد جنب الورق اللي مالمسهوش. اللي عمل فيها كده مربيها صح — مربيها تختفي، وتصغر، وتداري على اللي بيأذيها بدل ما تدافع عن نفسها.
مسك التليفون.
كان فيه شخص واحد بس في البيت ده يثق فيه في الكلام اللي هيقوله.
قال أول ما التليفون فتح:
— “أم أحمد.. إطلعيلي المكتب دلوقت.”
لأن سليم المنشاوي مبيأمنش بالمصادفات — وكان لسة واخد قرار إن اللي حط إيده على أميرة، فتح على نفسه أبواب جهنم في المحافظة كلها.
حكايات شروق خالد




