
لكن أنا كنت بقيت أتعامل مع مرضها كأنه حاجة مؤقتة لازم تنتهي، مش حياة إنسانة بتحتاج سند.
وفي ليلة، كنت قاعد عندها في الشقة، بعد ما رجعت من شغل طويل، وكنت شايل هم ديون متراكمة ومصاريف علاج جديدة.
سحر كانت قاعدة قدامي، وباين عليها التعب.
بصتلي وقالت: “مالك يا مصطفى؟ إنت ساكت من ساعة ما جيت.”
قلت: “مفيش حاجة.”
قالت: “أنا عارفاك. إنت لما بتكون مهموم بتفضل تلعب في صوابعك كده.”
بصيت لإيدي، ولقيت نفسي فعلًا بعمل كده.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: “احكي لي. يمكن أقدر أساعدك.”
ضحكت بسخرية من نفسي وقلت: “تساعديني إزاي يا سحر؟ إنتِ محتاجة اللي يساعدك.”
نزلت عينيها، وسكتت شوية، وبعدها قالت: “أنا عارفة إني بقيت حمل تقيل عليك.”
بصيت لها بسرعة وقلت: “أنا مقولتش كده.”
قالت: “بس أنا حاسة. عارفة إنك بتتعب، وعارفة إن عندك بيت وابن، وعارفة إن مصاريف علاجي كتير.”
حاولت أغير الموضوع، لكنها كملت:
“أنا فكرت كتير يا مصطفى. ومش عايزة أفضل سبب في تعبك ومشاكلك.”
استغربت كلامها، وسألتها: “قصدك إيه؟”
رفعت عينيها ليا، وكانت دموعها بتنزل بهدوء.
“طلقني يا مصطفى.”
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
سألتها: “إنتِ بتقولي إيه؟”
مدت إيديها الضعيفة، وحطتها فوق إيدي.
“أنا حاسة بيك. ومش زعلانة منك. طلقني، وإحنا الاتنين هنرتاح.”
بصيت لها، وحاولت أقرأ اللي ورا الكلام. كانت بتتكلم بهدوء غريب، لكن دموعها كانت بتنزل واحدة ورا التانية.
سألتها: “إنتِ متأكدة؟ يعني مش هتندمي؟”
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت: “أنا ندمانة على حاجات كتير في حياتي، بس مش ندمانة إني حبيتك.”
الكلام دخل قلبي، لكن بدل ما أراجع نفسي، مسكت في الجزء اللي يريحني.
قلت: “طب وإنتِ هتعملي إيه؟ هتعيشي إزاي؟”
قالت: “ربنا موجود، وأنا ليا أهل وجيران. وبعدين أنا مش بطلب منك تسيبني من غير علاج، ولا بطلب منك تبطل تساعدني. أنا بس مش عايزة أفضل مراتك وإنت عايش حياة تانية.”
سكتُّ.
لأنها قالت الحقيقة اللي كنت بهرب منها.
كنت عايز أعيش مع ندى وابني من غير ما أحس إن فيه حد مستنيني في البيت التاني، ومن غير ما كل جنيه أدفعه لسحر يفتح باب خناقة جديدة.
وفي اللحظة دي، بدل ما أتمسك بيها، وافقت.
قلت: “لو ده هيريحك، أنا موافق.”
هزت راسها، ودموعها زادت.
وفي اليوم اللي بعده، تم الطلاق.
مضيت على الورق، وخرجت من المكتب وأنا حاسس براحة غريبة. قلت لنفسي إن سحر هي اللي طلبت، وإن أنا مكنتش هجبرها تعيش معايا، وإن كده كل واحد فينا بقى حر.
رجعت البيت، ولقيت ندى بتستقبلني وهي شايلة ياسين.
سألتني: “عملت إيه؟”
قلت: “اتطلقنا.”
بصتلي شوية، وبعدها قالت: “خلاص؟”
قلت: “خلاص.”
ابتسمت، وقالت: “الحمد لله. يمكن كده حياتنا تستقر.”
شيلت ابني من إيديها، وبوسته، وحاولت أقنع نفسي إن كل حاجة هتبقى أحسن.
لكن وأنا نايم بالليل، افتكرت سحر وهي قاعدة قدامي، وإيديها الضعيفة فوق إيدي، وهي بتقول لي إنها مش ندمانة إنها حبتني.
حاولت أطرد الصورة من دماغي، وقلت لنفسي إن اللي حصل كان برضاها.
ومع الأيام، انشغلت بالشغل والبيت والولد، وبقيت أعدي أسابيع من غير ما أسأل عليها.
كنت أحيانًا أقول هتصل أطمن، وبعدها أنسى، أو أأجل المكالمة لليوم اللي بعده.
ومرة، عم عماد اتصل بيا.
أول ما شفت اسمه، اترددت أرد، لأني توقعت إنه هيطلب مني فلوس علاج أو يشتكي من حاجة.
لكن في الآخر رديت.
قال بصوت قلق: “أستاذ مصطفى، إنت فين؟”
قلت: “في الشغل يا عم عماد، خير؟”
قال: “الست سحر تعبانة أوي. بقالها يومين مش بتخرج من الشقة، والنهارده وقعت وهي بتحاول تقوم تجيب لها مية.”
قلبي اتقبض، لكني سألت: “طب حد كشف عليها؟”
قال: “أنا طلعت لها، وجبت الدكتور، وقال لازم تروح المستشفى. هي رافضة، وبتقول إنها مش عايزة تتعب حد.”
قلت بعصبية: “طب ما تتصل بيا هي!”
رد عليا بصوت مكسور: “يا ابني، هي مش عايزة تتصل بيك. كل ما أقول لها مصطفى، تقول لي هو خلاص مبقاش جوزي، وحرام أطلب منه حاجة.”
سكت.
لأول مرة، كلمة “مبقاش جوزي” وجعتني بالشكل ده.
قلت له: “أنا جاي حالًا.”
قفلت، وخرجت من الشغل من غير ما أستأذن حد. ركبت العربية، وكنت بسوق بسرعة، وكل شوية أبص في الساعة.
وأنا في الطريق، افتكرت أول يوم قابلت فيه سحر، وأول مرة ضحكت فيها من قلبي، وأول مرة قالت لي إنها نفسها تخلف ولد وتسميه آدم.
افتكرت ليلة فرحنا، لما كنا قاعدين في الشقة الفاضية، ومفيش فيها غير مرتبة على الأرض وشنط هدومنا، وهي قالت لي: “حتى لو معندناش عفش، طول ما إحنا مع بعض هنكون أغنى ناس.”
افتكرت كل مرة تعبت فيها وفضلت جنبي، وكل مرة أنا كنت محتاج حد يسمعني فكانت هي أول واحدة ألجأ لها.
ولما وصلت العمارة، لقيت عم عماد مستنيني تحت.
قال: “اطلع بسرعة يا ابني.”
طلعت السلم، وخبطت على الباب.
محدش رد.
خبطت تاني، وسمعت صوتها ضعيف من جوه: “مين؟”
قلت: “أنا يا سحر، افتحي.”
بعد شوية، سمعت خطوات بطيئة، والباب اتفتح.
كانت واقفة مستندة على الحيطة، لابسة إسدال واسع، ووشها شاحب جدًا. أول ما شافتني، اتفاجئت، وبعدين حاولت تقف مستقيمة.
قالت: “مصطفى؟ خير؟”
قربت منها بسرعة، وقلت: “إنتِ عاملة إيه؟ عم عماد بيقول إنك وقعتي.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “الحمد لله، أنا كويسة.”
دخلت، ولقيت الشقة هادية بشكل غريب. الأدوية متوزعة على الترابيزة، وكوباية المية بعيدة عن الكنبة، وفيه طبق أكل لسه زي ما هو.
بصيت لها وقلت: “إنتِ أكلتي إيه النهارده؟”
قالت: “مش فاكرة.”
“يعني إيه مش فاكرة؟”
ردت: “مليش نفس.”
كنت عايز أزعق فيها، أقول لها ليه مهملة في نفسها، لكني فجأة افتكرت إني أنا اللي كنت المفروض أكون موجود وأسألها عن كل ده.
قعدتها على الكنبة، وجبت لها المية، وساعدتها تشرب.
وبعدين قلت: “يلا نروح المستشفى.”
هزت راسها: “مش عايزة.”
قلت: “يا سحر، إنتِ تعبانة ومحتاجة دكتور.”
قالت: “أنا مش عايزة أرجع المستشفى. تعبت من المستشفيات يا مصطفى.”
كان صوتها هادي، لكنه مليان إرهاق، إرهاق سنين مش يومين.
قعدت جنبها، وقلت: “طب على الأقل نكلم الدكتور ييجي يشوفك.”
وافقت بعد إلحاح، ولما الدكتور جه كشف عليها، قال إنها محتاجة تقييم في المستشفى بسبب ضعفها والجفاف، وإن لازم نتابع حالتها كويس.
المرة دي، سحر وافقت تروح.
وأنا في المستشفى، كنت واقف قدام غرفة الكشف، حاسس إني غريب عن المكان اللي قضيت فيه شهور من حياتي.
خرج الدكتور، وطلب مني أتكلم معاه بعيد عنها.
قال: “حالة سحر محتاجة متابعة دقيقة. هي ضعفت جدًا، وفيه حاجات لازم نعمل لها فحوصات عشان نعرف سبب التدهور. وجود حد معاها ومتابعة الأدوية والأكل والسوائل مهمين جدًا.”
سألته: “يعني حالتها خطيرة؟”




