روايات وقصص

زعيم في الكافيه… حكايات شروق خالد

كانت سارة كمال بتصب قهوة سادة لراجل بيسيطر على نص القاهرة، لما اكتشفت إن فيه حد مخطط يقتله خلال الأربع دقايق الجاية.

كافيه الحاج محمود عمره ما كان بيسكت الساعة 3:15 فجر يوم الخميس. زباين آخر الليل دايمًا محتاجين قهوة، ولافتة النيون كانت بتزن بصوتها المعتاد، ناشرة ضوء أحمر على الكراسي الجلد المتشققة.

لكن خلال آخر دقيقتين، محدش دخل الكافيه.

وحركة العربيات في الشارع الرئيسي بره وقفت تمامًا.

مش هديت.

وقفت.

حتى الراجل اللي كان دايمًا بينام جنب العمارة المقابلة اختفى، كأنه عمره ما كان موجود.

وبعدين بدأوا يدخلوا.

دخل ستة رجال الأول، وحركتهم ماكانتش حركة زباين داخلين كافيه في آخر الليل.

عيونهم ما كانتش بتدور على ترابيزة فاضية.

كانت بتقيس أماكن إطلاق النار.

وتحسب المخارج.

وتحدد أماكن الاختباء.

دخل ستة تانيين وراهم.

وبعدين دخل تمانية دفعة واحدة وبطريقة منظمة.

سارة فضلت تمسح الترابيزات وتحط السكر في العلب، وحركاتها هادية وطبيعية، وهي بتعد في دماغها.

ثلاثين رجل.

كلهم مسلحين.

وكلهم مركزين على هدف واحد.

الرجل اللي قاعد في الترابيزة رقم سبعة.

كان كريم المنصوري قاعد وظهره للحائط، عادة بقاء حافظ عليها عشرين سنة قضاها وهو بيدير أخطر شبكة إجرامية في القاهرة.

كان فيه حارسين واقفين قريب من الباب، بيحاولوا يبانوا هاديين، لكن فشلوا بشكل واضح.

قطعة فطيرة قدام كريم ما لمسهاش.

والقهوة اللي جنبه كانت بردت من حوالي ربع ساعة.

بقاله تلات سنين، كافيه الحاج محمود هو ملجأه.

المكان الوحيد اللي زعيم الجريمة اللي القاهرة كلها بتخاف منه كان يقدر يقعد فيه ساعة واحدة ويتظاهر إنه راجل عادي.

لكن الوهم ده انتهى لما آخر رجل دخل وقفل المزلاج من الداخل.

جسم كريم اتجمد.

عينيه مسحت المكان كله بسرعة، بيعد التهديدات، وبيقيس المسافة بينه وبين سلاحه، مقارنة بثلاثين مسدس ممكن يسبقوه في لحظة.

هو مش هيخرج من هنا حي.

حراسه فهموا ده بعده بنص ثانية.

إيديهم بدأت تتحرك ناحية أسلحتهم ببطء وحذر.

لكن قائد المجموعة تقدم خطوة، وابتسامة رضا ظهرت على وشه الحاد، والندبة المميزة الممتدة على فكه كانت واضحة.

سارة عرفت العلامة فورًا.

عيلة الشناوي.

العيلة دي بقالها خمس سنين بتحاول تسيطر على تجارة القاهرة، وكل مرة كانت بتخسر أرض ورجال في صراعاتها مع كريم المنصوري.

لكن الليلة كانت ليلة الحساب.

قال الرجل:

“يا كريم المنصوري… كفاية لعب.”

حراس كريم مدوا إيديهم ناحية أسلحتهم.

أربع طلقات خرجت في نفس اللحظة.

الحارسين وقعوا على الأرض قبل حتى ما يقدروا يسحبوا مسدساتهم بالكامل.

وفجأة، بقى كريم لوحده قدام ثلاثين قاتل.

لكنه ما رمش حتى.

قام ببطء من مكانه.

إيديه مرفوعتين وواضحتين.

ووشه ماكانش بيكشف أي حاجة.

قال:

“عايزين معلومات؟ ولا لو كان قصدكم تقتلوني، كان زمان الرصاصة في دماغي؟”

قرب القائد منه.

الأعداد الكتير خلته أكثر ثقة.

قال:

“حساباتك البنكية.”

“أماكن بضاعتك.”

“كل سياسي وكل ظابط على قائمة المرتبات بتاعتك.”

“هتدينا كل حاجة.”

ثم ابتسم.

“يمكن ساعتها تموت بكرامة.”

كريم سأله:

“ولو رفضت؟”

رد الرجل:

“هتموت ببطء.”

“وهنعذبك لحد ما نطلع كل حاجة.”

“ولو مش منك، هنطلعها من الشخص اللي بعدك في تنظيمك.”

ضحك كريم.

لكن ضحكته ماكانش فيها أي مرح.

وقال:

“يبقى شكلنا هنقعد هنا شوية.”

سارة كانت بتراقب من ورا الكاونتر، ولسه ماسكة إبريق القهوة، ومكملة دور النادلة اللي اتجمدت من الخوف.

ولا واحد منهم بص لها.

بالنسبة لهم، كانت مجرد جزء من ديكور الكافيه.

قطعة أثاث.

شخصية هامشية.

محدش يفتكرها.

لكنهم ماكانوش يعرفوا إن أخطر شخص موجود في كافيه الحاج محمود مش زعيم المافيا اللي قاعد في الترابيزة رقم سبعة.

كانت سارة.

إيد سارة تحركت بشكل تلقائي وهي بتملأ علبة السكر، لكن عقلها كان بيحسب زوايا الرمي، ومسارات الرصاص، ومناطق الخطر.

تلات سنين من صب القهوة ما مسحتش غريزتها.

هي بس كانت نايمة.

مستخبية.

مستنية.

قائد المجموعة وقف على بُعد حوالي أربعة أمتار من ترابيزة كريم.

مسافة مثالية لطلقة نظيفة.

قريب كفاية للدقة.

وبعيد كفاية عن الهدف.

محترف.

سارة شافت التشكيل كله.

ستة رجال بيغطوا المخارج.

تمانية عاملين محيط أمني.

وستاشر في وضع احتياطي، بيتحركوا حسب الحاجة.

تشكيل عسكري كامل.

كل شيء محسوب.

اللي خطط للهجوم ده كان عارف بالضبط هو بيعمل إيه.

وبعدين شافت وش القائد.

ياسر الدمنهوري.

الندبة اللي على فكه كانت جديدة، غالبًا من عملية فاشلة حصلت بعد سنتين تقريبًا من اختفائها.

لكن عينيه…

عينيه ما اتغيروش.

نفس البرود.

نفس النظرة الميتة.

كان هو الرجل اللي درّب عشرات القتلة المأجورين اللي بيشتغلوا في أنحاء المنطقة.

الرجل اللي قال لها ذات مرة:

“التردد مجرد انتحار… بس بياخد وقت أطول.”

مرت قشعريرة في جسمها.

لكن ملامحها ما اتحركتش.

كان ياسر بيمسح الكافيه بنظراته للمرة الأخيرة.

عينيه عدت عليها كأنها مش موجودة.

وسارة حافظت على وضع جسمها.

كتافها مائلة قليلًا.

عينيها في الأرض.

حركاتها ضعيفة وهادية.

لغة جسد أي واحدة مش عايزة تلفت نظر حد.

ياسر عدّى بعينيه عنها.

ما عرفهاش.

وطبيعي جدًا إنه ما يعرفهاش.

الست اللي كان يعرفها زمان كانت بتتحرك زي السلاح.

لكن النادلة اللي قدامه دلوقتي كانت بتتحرك زي الشبح.

وفجأة طلعت ذكرى قديمة في عقلها.

صوت قائد فريقها القديم.

“إنتِ بتقيّمي الموقف.”

“وبعدين بتتحركي.”

“يا إما تموتي.”

كانت دي الخيارات الوحيدة.

لكن سارة كانت اختارت خيار رابع من تلات سنين.

اختارت الاختباء.

كانت مستخبية داخل فتحة ضيقة في بيت آمن، ماسكة مستندات سرية بإيد، وخوفها بالإيد التانية، بينما فريقها بالكامل كان بيتقتل فوقها.

هي نجت.

لكنهم كلهم ماتوا.

الرجل العجوز اللي كان قاعد في آخر الكافيه كان بيحاول يطلع موبايله، وإيده بتترعش.

عامل المطبخ كان واقف جنب الشواية ومش قادر يتحرك.

كريم كان قاعد في هدوء تام.

كان تقريبًا متقبل موته.

هدوء شخص عارف إنه عاش حياة مليانة دم، وعارف إنه أخيرًا وصل للنهاية.

أربعة أبرياء.

تلاتين قاتل.

ونادلة واحدة محدش شايفها.

الحسابات كانت قاسية.

لكنها كانت حساباتها هي.

حطت سارة علبة السكر على الكاونتر.

ثم أمسكت إبريق القهوة.

السائل اللي جواه كان لسه بيغلي.

انعكست صورتها على سطح المعدن اللامع.

الصورة اهتزت للحظة.

ولثانية واحدة، شافت في انعكاسها الست اللي دفنتها من تلات سنين.

الست اللي كانت سارة بتحاول تنساها.

الست اللي كانت تعرف إزاي تقاتل.

إزاي تنجو.

وإزاي تختفي.

في اللحظة نفسها، رفع ياسر سلاحه.

وسارة كمال…

اتخذت قرارها.

حكايات شروق خالد

رفعت سارة إبريق القهوة في نفس اللحظة اللي رفع فيها ياسر مسدسه.

لكنها ما رمتهوش.

بدل كده، فتحت صنبور ماكينة القهوة بأقصى ضغط.

اندفعت المياه المغلية والبخار في اتجاه أقرب رجلين.

صرخ واحد منهم وتراجع، وفي نفس الثانية أطفأت سارة مفتاح الكهرباء الرئيسي.

غرق الكافيه في الظلام.

صرخ ياسر:

“اضربوا!”

انطلقت أولى الطلقات، لكن الرؤية كانت شبه معدومة.

كريم فهم فورًا إن اللي بيحصل مش صدفة.

انحنى خلف المقعد.

صوت طلقة مر بالقرب من رأسه.

ثم سمع صوت سارة:

“انزل!”

لأول مرة، نفذ كريم أمر شخص تاني من غير ما يسأل.

رصاصة أخرى مرت فوقه.

ثم دوى صوت ارتطام قوي.

واحد من رجال ياسر سقط على الأرض.

كريم رفع رأسه قليلًا.

ما شافش سارة.

لكن شاف ظلها يتحرك بسرعة بين الترابيزات.

كانت بتعرف بالضبط فين تروح.

وفين تضرب.

وفين تختفي.

صرخ ياسر:

“هي فين؟!”

رد واحد من رجاله:

“مش عارف!”

ابتسم كريم رغم الموقف.

لأنه بدأ يفهم.

النادلة اللي كان بيشوفها بقالها تلات سنين ما كانتش نادلة عادية.

سارة وصلت عند الحائط الخلفي، وفتحت باب صغير كان مستخبي وراء رف المناديل.

سحبت منه حقيبة سوداء قديمة.

وقفت لحظة.

إيديها كانت بتترعش.

ثم فتحت الحقيبة.

مسدس.

سكين صغيرة.

وسماعة اتصال قديمة.

حطت السماعة في أذنها.

صوت رجل جاء من الطرف الآخر:

“سارة؟”

أغمضت عينيها.

الصوت ده كانت فاكرة إنها مش هتسمعه تاني.

قالت:

“لسه عايش؟”

ضحك الرجل.

“إنتِ كمان.”

سكتت لحظة.

“مين؟”

“مش وقت أسئلة.”

“اتكلم.”

“اللي قدامك مش جايين عشان كريم.”

سارة نظرت ناحية الترابيزة.

“أمال جايين عشان مين؟”

“عشانك.”

تجمدت.

“مستحيل.”

“ياسر عرف إنك عايشة.”

نظرت سارة إلى الرجل الذي كان يتحرك وسط الظلام.

فهمت كل شيء.

الهجوم لم يكن صدفة.

دومينيك…

لا.

كريم لم يكن الهدف الحقيقي.

كان الطُعم.

رفعت سارة السلاح.

وفي اللحظة نفسها، أضاءت أنوار الطوارئ.

ظهر ياسر أمامها.

رفع سلاحه.

“وحشتيني يا سارة.”

توقفت الدنيا للحظة.

كريم كان واقفًا خلفها.

قال:

“إنت تعرفها؟”

سارة لم تجب.

ياسر ابتسم.

“مش بس أعرفها.”

ثم أضاف:

“أنا اللي قتلت فريقها.”

كريم نظر لسارة.

لمعت عيناها بغضب شديد.

“إنت قتلتهم.”

“كان لازم أموتك معاهم.”

“لكنني نجوت.”

“غلطتي الوحيدة.”

رفع ياسر سلاحه.

لكن كريم تحرك أمام سارة.

قال:

“خليك ورايا.”

نظرت له بدهشة.

“أنا مش محتاجة حد يحميني.”

“عارف.”

التفت إليها.

“بس أنا محتاجك تفضلي عايشة.”

للحظة، لم تعرف سارة ماذا تقول.

ثم انطلقت رصاصة.

كريم دفعها جانبًا.

الرصاصة أصابت كتفه.

سقط على ركبته.

صرخت سارة:

“كريم!”

قال وهو يضغط على جرحه:

“كملي.”

“إنت اتصبت!”

“لسه عايش.”

نظرت سارة إلى ياسر.

ثم قالت بهدوء مخيف:

“دلوقتي دوري.”

انطلقت نحو أحد الرجال.

ضربته وأسقطته.

ثم تحركت خلف الآخر وأخذت سلاحه.

خلال ثوانٍ، تغيرت المعركة بالكامل.

الرجال بدأوا يتراجعون.

لم يعد لديهم هدف واضح.

لم يعودوا يعرفون من أين تأتي الضربات.

وبعد دقائق، كان معظمهم قد هرب.

أما ياسر، فكان واقفًا وحده.

سارة رفعت السلاح نحوه.

قال:

“هتقتليني؟”

ردت:

“نفسي.”

“أمال مستنية إيه؟”

خفضت السلاح قليلًا.

“عشان مش هديك النهاية اللي عايزها.”

في نفس اللحظة، دوى صوت سيارات الشرطة في الخارج.

ياسر بص للباب.

ثم لسارة.

“إنتِ اتغيرتي.”

قالت:

“لأ.”

ثم نظرت إلى كريم المصاب.

“أنا بس بطلت أهرب.”

دخلت الشرطة، وتم القبض على ياسر ورجاله، وبعد التحقيق ظهرت ملفات قديمة تثبت تورطه في قتل أفراد فريق سارة، وجرائم كثيرة أخرى.

أما كريم، فنقلوه للمستشفى.

جلست سارة أمام غرفة العمليات لساعات.

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، لم تكن تفكر في الماضي.

كانت تفكر في رجل كان المفروض يكون عدوها.

الرجل الذي كان بإمكانه تركها تموت.

لكنه اختار أن يقف أمام الرصاصة بدلًا منها.

خرج الطبيب أخيرًا.

“الطلقة عدت من الكتف. حالته مستقرة.”

أغمضت سارة عينيها براحة.

بعد ساعات، دخلت غرفته.

كان كريم صاحيًا.

قال بصوت ضعيف:

“لسه بتشتغلي في الكافيه؟”

ضحكت رغم دموعها.

“لو رجعت، هتطلب قهوة؟”

“أيوه.”

“سادة؟”

“زي كل مرة.”

سكتت.

ثم قالت:

“ليه وقفت قدامي؟”

نظر إليها طويلًا.

“لأنك أنقذتيني.”

“إمتى؟”

“من أول ما دخلوا.”

“أنا ما أنقذتكش.”

ابتسم.

“لو كنتِ ما تحركتيش، كنت ميت.”

اقتربت منه.

“كنت عارف إني مش نادلة عادية؟”

“لا.”

“ولا مرة شكيت؟”

“كنت بشوفك كل ليلة.”

ثم ضحك.

“وكنت فاكر إن أكتر حاجة خطيرة فيك إنك بتحطي سكر كتير في القهوة.”

ضحكت سارة.

وبعد أيام، أغلقت سارة الكافيه القديم.

لكنها لم تختفِ مرة أخرى.

بدأت حياة جديدة، بعيدًا عن كل شيء جعلها تهرب.

أما كريم، فتغير هو الآخر.

أغلق معظم أعماله المشبوهة، وسلم الملفات التي تثبت جرائم رجال ياسر للشرطة، وقرر لأول مرة أن يعيش من غير ما ينظر خلفه كل دقيقة.

وبعد عدة أشهر، عاد إلى نفس الكافيه.

كانت سارة واقفة خلف الكاونتر.

وضع أمامها كوبًا فارغًا.

قال:

“قهوة.”

نظرت له.

“هتدفع؟”

“أكيد.”

“مش هعملك خصم.”

“موافق.”

صبّت له القهوة.

ثم قالت:

“إنت عارف إنك لسه مديون لي.”

“بكام؟”

ابتسمت.

“لسه بحسب.”

اقترب منها.

“خدي وقتك.”

نظرت إليه.

ثم قالت:

“بس في شرط.”

“إيه؟”

“من النهارده، أنا مش نادلة عندك.”

ابتسم كريم.

“ولا أنا زعيم مافيا بالنسبة لك.”

مد يده إليها.

“اتفقنا.”

وضعت يدها في يده.

وفي المكان نفسه الذي بدأ فيه كل شيء، انتهت حياة سارة القديمة.

لم تعد المرأة التي تختبئ خلف مريلة نادلة.

ولم يعد كريم الرجل الذي لا يثق في أحد.

لقد أنقذت سارة الرجل الذي كان يسيطر على نصف المدينة…

لكن كريم كان يعرف الحقيقة.

في تلك الليلة، لم تكن سارة هي التي أنقذته فقط.

هو أيضًا أنقذها من الشيء الذي كانت تهرب منه منذ ثلاث سنوات.

نفسها.

حكايات شروق خالد

 

بعد ست شهور، كانت سارة واقفة قدام الكافيه الجديد، بتعلق آخر لمبة فوق الباب.

المكان كان أصغر من الكافيه القديم، لكنه كان ملكها.

مفيش رجال مسلحين.

مفيش اجتماعات سرية.

مفيش ناس بتدخل آخر الليل وهي بتبص على المخارج قبل ما تبص على الكراسي.

بس كان فيه كريم.

واقف على الرصيف، ماسك كوب قهوة، وبيبصلها وهي بتحاول تثبت اللمبة.

قال:

“هتقعي.”

من فوق السلم ردت:

“لو وقعت، هقع عليك.”

“أنا تحت.”

“عارفة.”

“يبقى انزلي.”

“مش هسيبها لحد ما تشتغل.”

كريم ضحك.

“إنتِ عنيدة.”

“وأنت متعود الناس تسمع كلامك.”

“مش إنتِ.”

نزلت سارة من السلم.

وقفت قدامه وقالت:

“عشان كده بتحبني؟”

سكت كريم.

كانت أول مرة تسأله السؤال ده بشكل مباشر.

رفع الكوب وشرب منه.

“أنا قلتلك إني بحبك؟”

سارة ضيقت عينيها.

“لأ.”

“يبقى ليه مستعجلة؟”

“عشان أنا مش بحب الانتظار.”

اقترب منها.

“أنا بحبك.”

سكتت.

وبعدين ابتسمت.

“كان صعب تقولها؟”

“أصعب من مواجهة تلاتين قاتل.”

ضحكت.

لكن قبل ما تكمل، توقفت.

كان فيه ظرف أبيض تحت باب الكافيه.

نظرت له.

“إنت حطيته؟”

كريم هز رأسه.

“لأ.”

انحنت سارة وأخذته.

كان اسمها مكتوبًا عليه.

بخط يد تعرفه.

تغير وجهها.

“كريم…”

“إيه؟”

ناولته الظرف.

قرأ الاسم.

ثم نظر إليها.

“مين ده؟”

سارة لم تجب.

فتحت الظرف ببطء.

جواه صورة قديمة.

صورة لفريقها قبل ثلاث سنين.

كلهم واقفين جنب بعض.

لكن خلف الصورة كانت جملة واحدة:

“أنتِ نجوتِ وحدك… لكن واحد منهم لم يمت.”

تجمدت سارة.

أخذ كريم الصورة منها.

“مين؟”

همست:

“مستحيل.”

“سارة، مين؟”

أشارت إلى رجل في آخر الصورة.

“حسام.”

“قائد فريقك؟”

هزت رأسها.

“هو مات قدامي.”

كريم بص للصورة مرة تانية.

“إذن مين بعت الرسالة؟”

قبل ما ترد، رن هاتفها.

رقم مجهول.

ترددت.

ثم أجابت.

لم يأتِ صوت في البداية.

فقط تنفس.

ثم صوت رجل ضعيف:

“سارة…”

سقط الهاتف تقريبًا من يدها.

عرفت الصوت.

“حسام؟”

ضحكة قصيرة خرجت من الطرف الآخر.

“اتأخرتي عليا.”

قالت:

“إنت فين؟”

“مكان محدش يعرفه.”

“مين عمل فيك كده؟”

“نفس الشخص اللي بدأ كل حاجة.”

كريم اقترب منها.

“خليه يتكلم.”

حسام سكت.

ثم قال:

“كريم المنصوري معاك؟”

رد كريم:

“أيوه.”

“إذن اسمعني كويس.”

صوته تحول إلى جدية.

“ياسر ماكانش العقل المدبر.”

سارة شعرت بقشعريرة.

“إيه؟”

“كان مجرد أداة.”

كريم قال:

“مين اللي وراه؟”

جاء الرد:

“شخص قريب منك.”

ثم انقطع الاتصال.

ظلت سارة تحدق في الهاتف.

كريم سأل:

“مين الشخص القريب منك؟”

قالت:

“معنديش حد.”

“أكيد فيه.”

هزت رأسها.

“الناس اللي كنت أعرفهم ماتوا.”

ثم نظرت إلى صورة فريقها.

وتوقفت.

كانت هناك امرأة واقفة بجوار حسام.

شخص لم تنتبه له في البداية.

وجه مألوف.

ابتلعت سارة ريقها.

“كريم…”

“إيه؟”

“أنا فاكرة إنها ماتت.”

“مين؟”

رفعت الصورة.

“أختي.”

كريم نظر إليها.

“إنتِ عندك أخت؟”

سارة لم تستطع الكلام.

لأنها طوال حياتها كانت تعتقد أن أختها ماتت وهي طفلة.

لكن الصورة كانت تقول شيئًا آخر.

أختها كانت ضمن الفريق.

وكانت حية منذ ثلاث سنوات.

وفي مكان ما…

كانت تنتظر عودتها.

سارة أمسكت يد كريم.

وقالت:

“أنا كنت فاكرة إن الماضي انتهى.”

نظر لها.

“الماضي عمره ما بينتهي.”

شدت على يده.

“يبقى نخلصه.”

ابتسم كريم.

“مع بعض.”

وفي نفس اللحظة، أضاء هاتف سارة برسالة جديدة.

فتحتها.

كانت عبارة عن عنوان فقط.

مكان في قلب القاهرة.

وتحت العنوان جملة قصيرة:

“لو عايزة تعرفي مين خانكم… تعالي لوحدك.”

رفعت سارة عينيها.

كريم قال:

“مش هتروحي لوحدك.”

ابتسمت.

“كنت عارفة إنك هتقول كده.”

أغلق باب الكافيه خلفهما.

ومع أول خطوة في الشارع، عرفت سارة أن الهدوء الذي عاشته ستة أشهر كان مجرد هدنة.

لكن هذه المرة، لم تكن تهرب من ماضيها.

كانت ذاهبة إليه.

ومعها الرجل الوحيد الذي اختار أن يقف بجانبها، حتى لو كان الثمن حياته.

حكايات شروق خالد

في نفس الليلة، وصلت سارة وكريم للمكان المكتوب في الرسالة.

كان مخزن قديم على أطراف القاهرة، مهجور من سنين.

سارة دخلت الأول، وكريم وراها.

وفجأة اشتغلت الأنوار.

رفعت سارة سلاحها.

وظهر حسام.

كان واقفًا بصعوبة، ووشه عليه آثار جروح قديمة.

سارة اتجمدت مكانها.

“حسام…”

ابتسم.

“وحشتيني.”

جريت عليه، لكنها وقفت قبل ما تحضنه.

“إنت كنت عايش كل السنين دي؟”

“أيوه.”

“ليه خبيت نفسك؟”

حسام بص لكريم.

“لأن الشخص اللي خان الفريق كان قريب مننا.”

كريم سأله:

“مين؟”

قبل ما يرد، خرجت امرأة من الظلام.

سارة شهقت.

“ليلى؟”

كانت أختها.

نفس العينين.

نفس الملامح.

لكن وجهها كان مليان تعب.

قالت ليلى:

“آسفة يا سارة.”

سارة قربت منها.

“إنتِ عايشة.”

“أيوه.”

“ليه ما رجعتيش؟”

دموع ليلى نزلت.

“لأني كنت السبب.”

“في إيه؟”

قالت:

“أنا اللي أعطيت مكان الفريق لياسر.”

ساد الصمت.

سارة رجعت خطوة.

“إنتِ؟”

“كنت مهددة.”

“مين هددك؟”

ليلى بصت لحسام.

“الشخص اللي كان بيمول كل العمليات.”

ثم نظرت لكريم.

“والشخص اللي كان عايز يوقعك من البداية.”

دخل رجل مسن من الباب الخلفي.

كريم رفع سلاحه فورًا.

لكن الرجل قال:

“نزل السلاح يا كريم.”

تغير وجه كريم.

“عمي؟”

كان الرجل اسمه فؤاد المنصوري.

عم كريم.

الرجل الذي الجميع كان يعتقد أنه مات من خمسة عشر عامًا.

قال فؤاد:

“أبوك لم يكن العقل المدبر.”

كريم حدق فيه.

“إنت عايز تقول إيه؟”

“أنا اللي بدأت كل حاجة.”

سارة قالت:

“ليه؟”

ضحك فؤاد بمرارة.

“الفلوس.”

ثم نظر إلى كريم.

“أبوك رفض يدخل في تجارة السلاح. أنا دخلت مكانه، ولما حاول يخرج، قتلته.”

تجمد كريم.

“إنت قتلت أبويا؟”

“أيوه.”

اقترب كريم منه.

“ليه؟”

“لأنه كان هيكشفني.”

رفع فؤاد يديه.

“لكن كل حاجة انتهت.”

قالت سارة:

“لأ. لسه.”

رفعت الهاتف.

“كل كلامك اتسجل.”

تغير وجهه.

ابتسم كريم.

“الشرطة في الطريق.”

حاول فؤاد الهرب.

لكن حسام اعترض طريقه.

بعد دقائق، وصلت الشرطة.

وانتهت واحدة من أطول سلاسل الجرائم التي هزت القاهرة.

تم القبض على فؤاد.

وتم الكشف عن أسماء كل المتورطين.

أما ليلى، فشهدت بكل ما تعرفه، وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن الخطر.

وحسام دخل المستشفى للعلاج، لكنه نجا.

بعد سنة، كانت سارة واقفة في الكافيه الجديد، تراقب الزبائن.

دخل كريم.

وضع كوب القهوة أمامها.

قال:

“سادة.”

ابتسمت.

“من غير سكر؟”

“زي ما بتحبيه.”

ضحكت.

“أنا اللي بحب القهوة بسكر.”

“عارف.”

ثم أخرج خاتمًا صغيرًا.

سارة بصت له.

“إيه ده؟”

“حاجة اتأخرت.”

سكتت.

قال:

“أنا قضيت عمري كله أعتقد إن القوة معناها إن الناس تخاف منك.”

ثم أمسك يدها.

“إنتِ علمتيني إن القوة الحقيقية إنك تلاقي حد تقدر تكون ضعيف قدامه.”

دمعت عيناها.

“كريم…”

“تتجوزيني؟”

ضحكت وسط دموعها.

“إنت بتسأل بعد كل اللي حصل؟”

“أيوه.”

“ولو قلت لأ؟”

“هفضل أطلب لحد ما تقولي أيوه.”

ابتسمت.

“يبقى أيوه.”

بعد أشهر، اتجوزا في حفل بسيط.

حضرت ليلى وحسام، وحضر الناس اللي نجوا من الماضي.

أما الكافيه، ففضل مفتوحًا.

المكان نفسه الذي شهد أخطر ليلة في حياة سارة.

لكن بدل ما تكون مجرد نادلة بتصب القهوة وتختبئ خلف ابتسامة هادئة، أصبحت صاحبة المكان.

وفي ليلة هادئة، وقف كريم بجانبها عند الباب.

سألها:

“لو رجع بيكي الزمن لأول ليلة دخل فيها التلاتين راجل الكافيه، كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟”

نظرت إليه.

“أيوه.”

“حتى لو عرفتي إنك هتدخلي في كل ده؟”

ابتسمت.

“أيوه.”

“ليه؟”

نظرت إلى الكافيه، ثم إليه.

“عشان لو ما أنقذتش حياتك الليلة دي، مكنتش هلاقي حياتي.”

ابتسم كريم، وقبل جبينها.

ومن يومها، لم تعد سارة تهرب من ماضيها.

ولم يعد كريم يعيش أسيرًا لماضي عائلته.

هي وجدت أختها.

وهو عرف الحقيقة عن أبيه.

والرجل الذي حكم القاهرة بالخوف، وجد أخيرًا امرأة لا تخاف منه.

أما سارة…

فأثبتت أن النادلة التي ظنها ثلاثون قاتلًا مجرد امرأة عادية، كانت أقوى شخص في المكان كله.

لأنها في ليلة واحدة…

أنقذت زعيم المافيا.

وأنهت إمبراطورية كاملة.

ووجدت عائلتها.

ووجدت الحب.

وكل ده بدأ بكوباية قهوة سادة.

زعيم المافيا في الكافيه…
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى