منوعات

على مسرح الحقيقة حكايات_شروق_خالد

بعد تمانية عشر سنة من طلاقي لـ طارق مهران، وقفت أفرج على ابني وهو طالع على خشبة مسرح قاعة من أكبر قاعات الاحتفالات في القاهرة، عشان يستلم واحدة من أكبر الجوائز الأكاديمية للمتفوقين.
طارق كان قاعد وسط الحضور، وجنبه الست اللي خربت بيتنا، والابن اللي ربوه مع بعض.
ماكنش عنده أي فكرة إن الشاب العبقري أبو تمانية عشر سنة، اللي واقف تحت النور ده، يبقى ابنه هو كمان.
أنا اسمي سارة رضوان.
من تمانية عشر سنة، كنت مرات واحد من أقوى وأشرس رجال الأعمال في مصر.
جوازنا اتخرب لما عرفت إن طارق خلف ولد من واحدة تانية اسمها داليا، وكان اسمه يوسف.
مصوّتش، ولا دخلت في خناق ولا مناهدة مع داليا. كل اللي عملته إني طلبت الطلاق وخلصت، لأني ما أقدرش أعيش مع راجل بنى عيلة تانية من ورا ظهري.

اللي طارق ماكنش نعرفه، إني كنت حامل أنا كمان.
بعد ما سبت البيت بشهور، ولدت حمزة.
أول ما شلته في حضني، حلفت لروحry إنه عمري ما هخليه يحس إنه محتاج يزاحم حد على حب أبوه، ولا هخليه يكبر وهو بيسأل ليه عيل تاني أحق باهتمام طارق منه.
عشان كده، ربيته لوحدي.
اشتغلت، وشيلت قرش على قرش، وكنت ببقى قاعدة نايمة صاحية قلقانة من الإيجار والمصاريف، بس دايماً كنت بلاقي سكة أجيب لحمزة كل اللي نفسه فيه.
اللي ماكنش على بالي خالص، إن طارق كان بيبعتلي نفقة كل شهر طول السنين دي، وأنا ما قبضتش منها مليم واحد.
داليا كانت بتلم الفلوس دي وتاخدها في السر، وطارق كان نايم في العسل وفاكر إني عايشة في مية بطيخ ومرتاحة مادياً.
لحد ما حمزة دخل ثانوية عامة، وبان إن دماغه دي مش طبيعية.
كان بيعشق الرياضة، ويقعد بالساعات يحل معادلات معقدة تخلي أي حد تاني يرمي الورق ويستسلم.
وفي يوم، فتح النتيجة على ترابيزة المطبخ، وظهرت قدامه مجموع الكلية اللي كان بيحلم بيها.
بصلي وقال بصوت مهزوز: “يا أمي.. الحمد لله، جابت المجموع!”
وأنا فتحت في البوكي وعيطت من الفرحة.
بعدها بأسابيع، الجامعة دعته لحضور حفل كبير للأوائل والمتميزين.
وماكنش في دماغنا خالص إن طارق هيكون موجود في الحفل ده باعتباره واحد من كبار رجال الأعمال والرعاة.
أول ما اسم حمزة اتقال، القاعة كلها هزت من التصفيق.
طلع على المسرح، خد درع التكريم، ووقف قدام الميكروفون وقال بصوت هادئ:
“النجاح مش شوية ذكاء وخلاص.. النجاح هو إنك تكمل لما مافيش حد شايفك، ولما مافيش حد بيسقف لك، والظروف كلها ضدك.”

بعدها صوته هدي أكتر وقال:
“وفيه شخص واحد بس، يستحق إنه يقف معايا اللحظة دي.”
حلقي انقبض ومش عارفة أتنفست:
“أمي.. اتفضلي اصعدي معايا.”
قمت.. وفي اللحظة دي بالذات، طارق لمحني.
جسمه اتصلب كله.
وأنا ماشية خطوة بخطوة طالعة المسرح، عينيه نقلت من وشي لوش حمزة.. وبعدين رجعت لوشي تاني.
وشوفت بعيني صدمة الحقيقة وهي بتلبسه:
حمزة عنده تمانية عشر سنة..
وطلاقنا حصل من تمانية عشر سنة..
والشبه بينهم كان أوضح من الشمس، نفس النظرة ونفس الملامح الكرْبُون.
المذيعة اللي مقدمة الحفل ابتسمت وقالتلي:
“يا فندم، تربية شاب محترم ونابغ بالشكل ده لوحدك إنجاز عظيم.. هل الوالد كان ساندكم في المشوار ده؟”
بصيت لحمزة، وبعدين بصيت للجمهور.
طارق كان عينيه طالعة بره راسه من البلعمة والصدمة، وداليا جمبه وشها اصفّر وبقى بلون الحيطة.
خدت الميكروفون وقاتلها بصوت قاطع:
“أبوه مات معنوياً وعملياً.. يوم ما ابني اتولد.”
القاعة سكتت سكوت رهيب.
والمذيعة همست: “أنا آسفة جداً..”
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وحمزة جنبي مسك إيدي دفاها.
بس الناحية التانية من القاعة، طارق كانت إيده مقبوضة جامد لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت، وعينيه حمرا وبتطلع شرار.
كان باصص لحمزة كأن الأرض اتنشقت وبلعته.

طول تمانية عشر سنة، كان مقتنع إني درت وخرجت من الدنيا وخلصنا.
ودلوقتي.. قاعد على بعد أمتار من الابن اللي عمره ما حضنه، ولا رباه، ولا كان يعرف إنه موجود أصلاً.
ولأول مرة في حياته.. واحد من أقوى وأكبر رجال الأعمال في مصر، باين عليه العجز والكسرة بالكامل.
طارق فضل قاعد مكانه، عيونه متبثّة على حمزة كأنه مش مصدق إن حتة منه قدامه وبيلطم فيها في صمت، وداليا مرعوبة وجنبها ابنها إيثان اللي باصص باستغراب ومش فاهم إيه اللي بيحصل وكل عيون القاعة بقت متحولة عليهم هما التلاتة.
مسكت إيد حمزة أكتر وبصيت لطارق نظرة أخيرة، نظرة واحدة كفت تقوله إن كل الفلوس وكل القصور وكل الشركات اللي بيلف ويرجع فيها ما تساويش لحظة واحدة من اللي ضاعت عليه وهو مش عارف ابنه الحقيقي شكله إيه.
حسيت بنبرة الفرحة وهي بترجع تغلب على الخوف والتوتر، وحمزة بص لي بحب وقال بصوت واطي: “يلا يا أمي، كفاية لحد هنا”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى