روايات وقصص

خاتم الصاعقة ووصية الأب#حكايات_شروق_خالد

تقدّم تامر وابتسامة بلهاء على محياه، محاولاً التظاهر بالغضب: “افهمي يا ليلى، الراجل خرف وأنتِ زودتيها.. هاتي الورقة دي وسيبينا نشوف شغلنا معه.”
نظرت إليهم بعيون تشتعل غضباً وبروداً في نفس الوقت، وقلت بصوت حاسم تردد صداه في الشقة:
“شغلكم انتهى يا تامر. الدواء المغشوش الذي تركتموه لقتل أبي في زجاجة المورفين موجود الآن لدى معمل المباحث الجنائية، والشرطة في طريقها إلى هنا للتحقيق في محاولة قتل وتزوير أوراق رسمية.”
انخطفت الألوان من وجوههم، وبدأت أمي تتراجع للخلف، بينما شحب وجه تامر وابتلعت بسمة لسانها.
لم تكن معركتي معهم مجرد دفاع عن إرث مادي، بل كانت دفاعاً عن رجل أعطاني اسمه وحمايته عندما تخلّى عني الجميع. ولم يمض وقت طويل حتى حاصرت سيارات الشرطة البيت، وانتهت تلك اللحظة باقتياد تامر وأمي للتحقيق، بينما عدت أنا إلى المستشفى لأجلس بجانب أبي، وأمسك يده الدافئة وأهمس له بأن حقه قد عاد وأنه أصبح آمناً للأبد.
بعد مرور أسابيع قليلة، خرج “رأفت” من المستشفى واستقرت حالته الصحية بفضل الرعاية الطبية المكثفة والأجواء الهادئة التي وفرتها له في منزلنا الجديد.
أما القضية، فقد أخذت مجراها القانوني السريع والمحسوم؛ حيث كشفت التحقيقات والتحاليل الجنائية للزجاجةBlue التركيز العالي للمورفين المسموم، واعتُبرت المحاولة جريمة شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد. إلى جانب ذلك، أثبت خبراء التزبيط والبصمات تزوير التوقيع المنسوب لي في وثيقة الأمانة، مما أدى إلى صدور أحكام قضائية رادعة ضد تامر وأمي وبسمة، ليلاقوا جزاء ما اقترفت أيديهم بحق بطل عسكري ورجل فضيل.
استعدنا الأوسمة والنيشاني العسكرية التي تم بيعها بعد أن تتبعتها الشرطة لدى أحد تجار الأنتيكات، وأعدتها إلى مكانها الطبيعي في خزانة العرض ببيتنا.
وعلى أرض دمنهور، قمتُ بتأسيس الجمعية والمنتجع الخيري كما حلم أبي تماماً؛ مكان يجمع المحاربين القدامى وأصحاب الخصوم والأبطال ممن قدموا أنفسهم للوطن، ليتلقوا فيه الرعاية الطبية والنفسية الكريمة دون مقابل.
وفي أحد أيام الربيع، وأنا أصنع له كوب الشاي الدافئ وأساعده على الجلوس أمام الخضرة في أرضه، نظر إليّ رأفت والابتسامة تملأ وجهه المشرق بالرضا، وقال بصوت قوي استعاد نبرته القديمة:
“أنا ما أوجدتِش في الدنيا دي غيرك يا ليلى.. أنتِ مش بس بنتي، أنتِ السند والدرع اللي ربنا بعتهولي في آخر أيامي.”
رددتُ عليه وأنا أقبل يده المطبوعة بآثار العزيمة: “أنت اللي عملت مني إنسانة يا بابا.. واللي عملته معايا وأنا طفلة، كان طبيعي أردّه وأنا طبيبة وبطلة بيك.”
عاش رأفت أيامه الأخيرة بيننا محفوفاً بالكرامة والاحترام والراحة، ورحل في سلام وهو يعلم أن اسمه وتاريخه وأرضه في أيدٍ أمينة، وأن ابنته بالتبني صانت العهد وحفظت الأمانة حتى النهاية.
خاتم الصاعقة ووصية الأب
حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى