روايات وقصص

خاتم الصاعقة ووصية الأب#حكايات_شروق_خالد

“صاحبي وعِشري.. محامي قديم.”
وكملت بصوت واطي: “من أسبوعين، خليت سكرتيرته تقرا لي الورقة في التليفون.. لقيت اسمك مش مكتوب خالص يا ليلى! وكان مقرر نعدلها يوم الاتنين بعد ما أرجع.. وهما راجعين الأحد.”
الخاتم بيقول كلام، والدواء المغشوش بيقول كلام تاني، والناس اللي باعوا أثرها جايين في الطريق يخلصوا عليها!
قفشت الزجاجة، حطيتها في شنطتي الطبية وقفلتها، وطلعت الإسعاف (123) فوراً.
في المستشفى، سلمت الدواء للطبيب وخدت إيصال رسمي، وصورت ورقة جوز أمي، ورصيد الحساب المنكوب، والنيش الفاضي، وخاتم أمي.. والدكاترة أكدوا إن عندها جفاف وهبوط حاد في التنفس. زينب حكت للأخصائي الاجتماعي كلمتين، وبعدين مسكت إيدي وقالت: “إياكي تدخليهم البيت تاني.”
طبعاً افتكرت الموضوع خلص على كده؟ العيال مجوش بالساهل.
تليفون المستشفى رن.. أختي بسمة متصلة من على المركب النيلي، بتزعق وتقول إن أمي مخرفة، وإن أنا خاطفاه.. قصدي خاطفاها وغصب عنها، وإني “مش طبيعية نفسياً”!
أمن المستشفى طلب إثبات.. طلعت كارنيه القوات الجوية وورقة التبني.. وزينب صحيت بالعافية قالت للممرضين: “دي بنتي وروح قلبي.” وبرضه المستشفى قالوا “خلاف عائلي!”.
ودار الرعاية قالوا خلاص قفلنا ملفها عشان أهلها قالوا مسافرين.
ركبت عربيتي وجريت على البيت أجيب بقية ورقها. دخلت.. لقيت تليفون البيت الأرضي بينور بيدي رسايل صوتية. دست تشغيل:
* أول رسالة من الصيدلية: “يا فندم روشتة زينب مهران اتصرفت واستلمها (ت. مهران)”.
* تاني رسالة من مكتب المحامي: “أستاذة زينب، تعديل الوقف جاهز بس محتاجين اسم لليلى كامل.. وتوقيع جوزك اترفض تاني.”
* وفجأة صوت تامر جه قاطعها: “طنش.. هنيجي بعد الرحلة ونظبطها.”
عروقي نشفت.. مكتب المحامي عارف إن اسمي الأساس، وتامر عارف إن التوقيع بايظ، وفي حد بيرد باسم زينب!
جريت على درج المطبخ.. فتحت لقيت ورقة مطوية تحت منيو مطعم كشري.
فتحته.. طلع هو ده.. تعديل وثيقة الأمانة اللي متؤرخة من تلات أسابيع!
دخلت البيت لقيت بنتي “زينب” –يا عيني عليها، أجدع وأحن مخلوقة في الدنيا– مرمية تحت بطانية مهفهفة وخفيفة كأنها مفرش ترابيزة، شفايفها زرقا من السقعة، والبيت تلاجة لدرجة أن نفسي طالع بخار زي قزازة الحجارة!
تمن شهور وأنا طايرة في الجو كطبيبة عسكرية في القوات الجوية، وأرجع ألاقي الهوانم والباشوات سابوا الضنا دي لحد ما عجزت حتى ترفع راسها على المخدة.
وجنبها على الترابيزة ورقة مكتوب عليها بخط جوزي: “إحنا طلعنا نغير جو في رحلة نيلية، وسيبنالك زينب تتصرفي معاه.. أقصد معها بقى!”.
أنا ليلى.
زينب مش بنتي من صلبي وبس، دي حتة من قلبي وروحي.. دي اللي ربيتها وكبرتها، وبقت هي السند والحضن الدافي ليا من وهي صغيرة. ده غير إنها خدمت بلدها بصفتها إحدى رائدات التمريض في المستشفيات العسكرية وعاشت عمرها كله تواسي الجرحى والمصابين. ودلوقت… السرطان في أخر مراحله بيأكل في جسمها.
جريت ظبطت الدفاية لحد ما الشبابيك رتّجت. نضفتها، وغيرت لها هدومها، وبدأت أبل ريقها بشوية مية بالقشة وهي بتبلع بالعافية. كانت منشفة من كتر الجفاف.
سألت بلهفة: “أمال فين جوزي.. قصدي أبوها وخواتها؟”
همست بصوت واجع قلبي: “سافروا… بيقولوا عايزين يستريحوا شوية.”
قريت باقي الورقة.. جوزي، وأخوها “تامر”، وأختها “بسمة”.. كلكو طالعين كروز وفسحة في الأقصر وأسوان، وسايبين عيانة بتتموت بحجة إنكو اتزهقتوا من خدمتها، وسيبينهالي “عشان أرف أتعامل!”.
جريت فتحت حساب العيلة اللي كنت ببعتله نص مرتبي عشان علاجها.. بصيت في الأبليكيشن، لقيت الرصيد: 13 جنيه واثنين وأربعين قرش!
حفلات وفسح وتسوق وسبا.. وأخوها تامر منزل صورته على الفيس من فوق المركب وكاتب: “استحقينا كل دقيقة في الرحلة دي!”.
بصيت على نيش الصالون.. مفاجأة! النيش فاضي!
فين شهادات التقدير والدروع العسكرية بتاعتها؟
قالت لي وهي ضاغطة على سنانها من الوجع: “جوزك باعهم على النت يا ليلى.. قال دي حديد قديم ومحتاج فلوس للفسحة.”
حتى تليفونها المحمول خدوه معاهم، ومكلمين دار الرعاية قائلين إنها زايرة إسكندرية عشان محدش يسأل ولا ييجي يخبط!
وفجأة.. تقلّبت من شدة الوجع لدرجة انها كادت تقع من على السرير.
مديت إيدي وجبت زجاجة المورفين بتاعتها. رفعتها قصاد اللمبة.. المفروض مكتوب عليها جرعة خفيفة، بس السائل جوه لونه مايل للأزرق الغامق! وبحكم شغلي كطبيبة فهمت على طول: دي النسخة المركزة، أقوى عشر مرات من المكتوب.. دي جرعة تخلي أي إنسان سليم ينزل قبره في دقايق!
سألتها بنبرة مرعبة: “مين جاب الدواء ده؟”
قالت بصوت متهدج: “تامر.. الليلة اللي قبل ما يسافروا.”
“أخدتي منه يا بنتي؟”
“أخدت جرعة واحدة.. نمت بعدها 14 ساعة وصحيت بروّح في الكنافة ومش قادرة أخد نفسي.”
وبصت في عيني وقالت بقلب جامد: “أنا خدمت في الميدان ياما يا ماما.. وأعرف كويس إمتى حد عايز يغدر بيا ويموتني.”
قعدت ست أيام تتوجع من السرطان ومسكتش الزجاجة دي تاني!
وبعدين ضغطت بإيدها التعبانة على كفي.. حطت في إيدي خاتمها القديم.
وقالت بحرقة: “افتحيه من جوه.”
كان فيه نقش جديد محفور تحت حروفه القديمة: (موصى / Trustee).
“من ست شهور يا ماما.. عملت وقف عهدي سري لأرض جدك اللي في دمنهور.. جوزك كان عايز يبيعها لمستثمر بملايين، وأنا قفلت عليها عشان محدش يلمسها، ولما أموت تبقى ليكي.. دار لرعاية المحاربين والمسنين.”
“مين اللي كتبها؟”
“صاحبي وعِشري.. محامي قديم.”
وكملت بصوت واطي: “من أسبوعين، خليت سكرتيرته تقرا لي الورقة في التليفون.. لقيت اسمك مش مكتوب خالص يا ليلى! وكان مقرر نعدلها يوم الاتنين بعد ما أرجع.. وهما راجعين الأحد.”
الخاتم بيقول كلام، والدواء المغشوش بيقول كلام تاني، والناس اللي باعوا أثرها جايين في الطريق يخلصوا عليها!
قفشت الزجاجة، حطيتها في شنطتي الطبية وقفلتها، وطلعت الإسعاف (123) فوراً.
في المستشفى، سلمت الدواء للطبيب وخدت إيصال رسمي، وصورت ورقة جوزي، ورصيد الحساب المنكوب، والنيش الفاضي، وخاتم بنتي.. والدكاترة أكدوا إن عندها جفاف وهبوط حاد في التنفس. زينب حكت للأخصائي الاجتماعي كلمتين، وبعدين مسكت إيدي وقالت: “إياكي تدخليهم البيت تاني.”
طبعاً افتكرت الموضوع خلص على كده؟ العيال مجوش بالساهل.
تليفون المستشفى رن.. أختها بسمة متصلة من على المركب النيلي، بتزعق وتقول إن بنتي مخرفة، وإن أنا خاطفاها وغصب عنها، وإني “مش طبيعية نفسياً”!
أمن المستشفى طلب إثبات.. طلعت كارنيه القوات الجوية وورقة التبني.. وزينب صحيت بالعافية قالت للممرضين: “دي أمي وروح قلبي.” وبرضه المستشفى قالوا “خلاف عائلي!”.
ودار الرعاية قالوا خلاص قفلنا ملفها عشان أهلها قالوا مسافرين.
ركبت عربيتي وجريت على البيت أجيب بقية ورقها. دخلت.. لقيت تليفون البيت الأرضي بينور بيدي رسايل صوتية. دست تشغيل:
* أول رسالة من الصيدلية: “يا فندم روشتة زينب مهران اتصرفت واستلمها (ت. مهران)”.
* تاني رسالة من مكتب المحامي: “أستاذة زينب، تعديل الوقف جاهز بس محتاجين اسم لليلى كامل.. وتوقيع جوزك اترفض تاني.”
* وفجأة صوت تامر جه قاطعها: “طنش.. هنيجي بعد الرحلة ونظبطها.”
عروقي نشفت.. مكتب المحامي عارف إن اسمي الأساس، وتامر عارف إن التوقيع بايظ، وفي حد بيرد باسم زينب!
جريت على درج المطبخ.. فتحت لقيت ورقة مطوية تحت منيو مطعم كشري.
فتحته.. طلع هو ده.. تعديل وثيقة الأمانة اللي متؤرخة من تلات أسابيع!
#حكايات_شروق_خالدفتحت الورقة ومضت عيناي فوق السطور بسرعة، باحثة عن اسمي. كان هناك بند معدل بخصوص الأرض، لكن اسمي كـ “مستفيدة أولى” قد تم استبداله باسم أخويا تامر، بينما وُضع اسمي في أسفل القائمة كـ “موصى عليها بنسبة ضئيلة لا تذكر”، مع توقيع منسوب زوراً لي لم أكتبه يوماً.
كانت خطة محكمة من جوزي وتامر لسرقة حق بنتي زينب، مستغلين مرضها وغيابي في عملي العسكري.
في تلك اللحظة، فتح باب الشقة فجأة، وصدحت أصوات ضحكاتهم وصخبتهم في الممر. عادوا مبكراً من الرحلة. دخل تامر يجر حقيبته الفاخرة وخلفه جوزي وبسمة، وبدت على وجوههم علامات الاسترخاء والشمس.
تسمّروا في مكانهم عندما رأوني أقف في الصالة وبيدي وثيقة التعديل المزورة وخاتم بنتي.
صرخ جوزي بوجهي وهو يخلع نظاراته الشمسية: “أنتِ هنا؟! كيف تجرؤين على دخول البيت وأخذ زينب للمستشفى؟ من أعطاكِ الحق لتخربي إجازتنا؟”
تقدّم تامر وابتسامة بلهاء على محياه، محاولاً التظاهر بالغضب: “افهمي يا ليلى، زينب كبرت وخرفت وأنتِ زودتيها.. هاتي الورقة دي وسيبينا نشوف شغلنا معها.”
نظرت إليهم بعيون تشتعل غضباً وبروداً في نفس الوقت، وقلت بصوت حاسم تردد صداه في الشقة:
“شغلكم انتهى يا تامر أنت وهو. الدواء المغشوش الذي تركتموه لقتل بنتي زينب في زجاجة المورفين موجود الآن لدى معمل المباحث الجنائية، والشرطة في طريقها إلى هنا للتحقيق في محاولة قتل وتزوير أوراق رسمية.”
انخطفت الألوان من وجوههم، وبدأ جوزي يتراجع للخلف، بينما شحب وجه تامر وابتلعت بسمة لسانها.
لم تكن معركتي معهم مجرد دفاع عن إرث مادي، بل كانت دفاعاً عن قطعة من قلبي أعطتني الحب والسند عندما خذلني الجميع. ولم يمض وقت طويل حتى حاصرت سيارات الشرطة البيت، وانتهت تلك اللحظة باقتياد تامر وجوزي للتحقيق، بينما عدت أنا إلى المستشفى لأجلس بجانب بنتي زينب، وأمسك يدها الدافئة وأهمس لها بأن حقها قد عاد وأنها أصبحت آمنة للأبد.
قعدت جنب زينب في المستشفى، والهدوء كان ملايني، بس قلبي كان جواه نار ما تطفيش غير لما ياخدوا جزاتهم بالكامل.
بعد أسابيع، كانت الأمور مشت في النيابة والمحاكم بسرعة البرق؛ التحقيقات أثبتت بالدليل القاطع إن زجاجة المورفين اللي سابوها تنهش في جسم بنتي فيها نسبة مركزة تقتل في ثواني، وإن توقيعات التعديل في وثيقة الأمانة مضروبة ومزورين اسمي عليها عيني عينك. القاضي ما ترفش جفنه وهو بينطق بالحكم: السجن المشدد لـ جوزي وتامر، وكل واحد خد جزاه على اللي عملوه في زينب وهي بتموت.
الأرض اللي في دمنهور، اللي حاولوا يبيعوها بملامح طماعة، رجعت بقت بتاعتها وباسمها، وعملنا منها أحلى دار رعاية ومساعدة للي زيها؛ مكان يجمع المحاربين القدامى والناس الطيبة اللي مالهاش حد، عشان اسم زينب يفضل دايماً مرتبط بالخير والجدعنة.
في يوم ربيعي جميل، كنت قاعدة معاها في الجنينة بتاعت الدار، والشمس دافية وحلوة. بصت لي زينب بعيونها اللي لمعت فيها الحياة من تاني، وقالت بصوتها الدافي:
– “عارفة يا ليلى؟ أنا مكنتش خايفة من الموت قد ما كنت خايفة أسيبك لوحدك في الدنيا دي… بس طلعتِ أجدع وأرجل من أي راجل، وكنتِ درعي وضهري.”
مسكت إيدها وبستها بحب، ودموع الفرحة لمعت في عيني:
– “بعد كل اللي عملتيه عشاني يا قلب أمك، دي أقل حاجة أعملها عشانك… طول ما أنا عايشة، إنتِ في عيوني لحد آخر يوم في عمري.”
عاشت زينب معانا فترة تانية مرتاحة ومكرمة، ومحاطة بالحب والناس اللي بتحترمها بجد، لحد ما قابلت رب كريم وهي مرتاحة البال، سايبة سيرة عطرة وضحكة ما بتتعوضش، وواثقة إن حقها رجع وزيادة.
#حكايات_شروق_خالدفتحت الورقة ومضت عيناي فوق السطور بسرعة، باحثة عن اسمي. كان هناك بند معدل بخصوص الأرض، لكن اسمي كـ “مستفيدة أولى” قد تم استبداله باسم أخي تامر، بينما وُضع اسمي في أسفل القائمة كـ “موصى عليها بنسبة ضئيلة لا تذكر”، مع توقيع منسوب زوراً لي لم أكتبه يوماً.
كانت خطة محكمة من أمي وتامر لسرقة حق أبي، مستغلين مرضه وغيابي في عملي العسكري.
في تلك اللحظة، فتح باب الشقة فجأة، وصدحت أصوات ضحكاتهم وصخبتهم في الممر. عادوا مبكراً من الرحلة. دخل تامر يجر حقيبته الفاخرة وخلفه أمي وبسمة، وبدت على وجوههم علامات الاسترخاء والشمس.
تسمّروا في مكانهم عندما رأوني أقف في الصالة وبيدي وثيقة التعديل المزورة وخاتم أبي.
صرخت أمي بوجهي وهي تخلع نظاراتها الشمسية: “أنتِ هنا؟! كيف تجرؤين على دخول البيت وأخذ رأفت للمستشفى؟ من أعطاكِ الحق لتخربي إجازتنا؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى