روايات وقصص

كان مستعد يروح القاهرة عشان ابن أخوه حكايات شروق خالد

كان مستعد يروح القاهرة كلها عشان يلاقي ابن أخوه اللي اختفى… لحد ما الحارس همس له: «ما تصحيش الست اللي نايمة… لأنها شايلة السر الوحيد اللي ممكن .» كانت لابساها سلمى عبد الرحمن، وطرف هدومها لامس أرضية الرخام الباردة. كانت نايمة. مش مغمى عليها. نايمة من كتر الإرهاق، الإرهاق اللي بييجي لما الجسم يستهلك آخر ذرة فيه وهو بيحاول يفضل عايش.

 

قرب الساعة اتنين ونص بعد نص الليل، وقف ياسين المنصوري قدام باب الأوضة الحديد، وعينيه كانت مليانة .

قال له فهد، رئيس حراسته، بصوت واطي:

«ما تصحيهاش يا باشا.»

ياسين وقف مكانه.

لأول مرة من ساعات، حد في القاهرة كلها اتجرأ يقول له يعمل إيه وما يعملش إيه.

مش المحامين بتوعه.

ولا رجالة العيلة اللي خدموا أبوه وجده.

ولا حتى الدكتور اللي كان مستنيه في الفيلا الكبيرة على طريق القاهرة الإسماعيلية.

ولا فهد نفسه، اللي عاش جنب ياسين أكتر من خمستاشر سنة، وشاف معاه موت وخيانة وضرب نار وحروب محدش من الناس العادية كان يعرف عنها حاجة.

ومع ذلك، كان واقف قدامه وعينه متورمة من خبطة واضحة على وشه، وبيكرر:

«يا باشا… مهما حصل، ما تصحيهاش.»

ياسين بص له ببرود.

«آدم فين؟»

فهد بلع ريقه.

«جوه.»

في ثانية، إيد ياسين مسكت ياقة قميصه.

«ابن أخويا اللي عنده ست شهور اختفى من الموكب من تلات ساعات. ستة من رجالي في المستشفى. مرات أخويا واخدة مهدئ ومش مصدقة إن ابنها لسه عايش… وإنت واقف بيني وبين الباب عشان واحدة نايمة؟»

فهد قرب منه وهمس:

«لازم تشوفها الأول.»

«اتنحّى.»

«يا ياسين—»

«اتنحّى!»

فهد اتحرك من قدام الباب.

ياسين فتح الباب الحديد.

وفي اللحظة دي…

أقوى وأخطر راجل في القاهرة نسي إزاي ياخد نفسه.

سلمى عبد الرحمن كانت متكومة في ركن من كنبة جلد كبيرة، وتحتها بطانية صوف حد حطها عليها.

شعرها الأسود كان منفوش حوالين وشها، بعدما كانت طول عمرها بتربطه بعناية في شغلها.

جزء من هدومها كان متقطع عند كتفها.

كدمة كبيرة لونها أزرق كانت باينة تحت الجلد.

صوابعها كانت مجروحة، وفيها دم ناشف.

ووشها كان عليه آثار المطر والدموع.

لكن ياسين ما شافش كل ده.

لأنه شاف الحاجة الوحيدة اللي خلت قلبه يقف.

الطفل آدم المنصوري كان ملفوف جوه الجاكيت الممزق بتاع سلمى، ومضموم لصدرها.

عايش.

نايم.

ومفيهوش خدش واحد.

ياسين اتحرك ناحية الكنبة من غير ما يحس بنفسه.

نزل على ركبته جنبها.

من سنة ونص، بعد ما أخوه الأصغر حازم مات في حادثة عربية، وياسين شايل جواه ذنب عمره ما اتكلم عنه.

حازم كان عكسه تمامًا.

كان بيضحك كتير.

بيحب القعدة مع العيلة.

وكان دايمًا يقول إن الأكل على سفرة واحدة أهم من الفلوس والسلطة.

حتى إنه كان بيحلم يسيب القاهرة ويروح يعيش في مكان هادي، بعيد عن شغل العيلة.

ياسين كان دايمًا يضحك عليه.

وبعدين حازم مات.

قبل حتى ما يشوف ابنه اللي كانت مراته حامل فيه.

ولما آدم اتولد، ياسين وقف قدام حضانة الأطفال في المستشفى الساعة تلاتة الفجر، وبص للطفل من ورا الإزاز، وقال جواه وعد لأخوه الميت:

«ابنك في رقبتي.»

«ومحدش في الدنيا دي هيقدر يقرب له.»

لكن الليلة…

حد قرب منه فعلًا.

ومحدش كان عارف إزاي سلمى عبد الرحمن، الموظفة الهادية اللي ياسين كان متعمد يبعدها عن أي حاجة تخص شغل العيلة، هي اللي أنقذت آدم ورجعته.

مد ياسين إيده ببطء.

ولمس خد الطفل بصباعه.

دافي.

ناعم.

عايش.

عيني ياسين لمعت للحظة.

خفض راسه، وقبض إيده على بقه كأنه بيحاول يخبي رعشة محدش شافها منه قبل كده.

فهد كان واقف بعيد.

كان يعرف ياسين من نص عمره.

شافه يوم موت أبوه واقف قدام الناس من غير دمعة.

شافه وهو بياخد قرار تصفية حساب مع ناس أخطر منه وهو مصاب.

وشافه يدخل مواجهات محدش كان يجرؤ يدخلها.

لكن عمره ما شافه بالشكل ده.

فهد بص للناحية التانية.

وبعد لحظات، سمع صوت ياسين:

«إزاي؟»

فهد رد بهدوء:

«كانت في العربية التالتة.»

ياسين رفع عينه.

«إيه؟»

«كانت راكبة مع فريق الحسابات اللي راجع من وسط البلد. بسبب المطر والزحمة، عربيتها اتعطلت، فركبت معاهم في آخر لحظة.»

سكت فهد لحظة.

«رجالة مراد السيوفي هجموا عليهم عند كوبري أكتوبر.»

مجرد سماع الاسم خلّى وش ياسين يتحول لحاجة تانية.

مراد السيوفي كان عدوه الأكبر.

راجل حاول يدخل في شغل عيلة المنصوري بقاله أكتر من سنة.

بدأ بمنافسة في الشغل.

بعدها تهديدات.

وبعدين تخريب.

لكن اللي حصل الليلة دي كان إعلان حرب.

لأنهم خطفوا آدم.

فهد كمل:

«خدوا البيبي… وخدوا سلمى معاهم.»

ياسين بص على إيديها المجروحة.

«ليه هي؟»

«كانوا فاكرين إنها محدش.»

ظهرت ابتسامة صغيرة وخطيرة على طرف شفايف ياسين.

فهد قال:

«ودي كانت أكبر غلطة عملوها.»

رجال ياسين قدروا يعرفوا جزء من اللي حصل من كاميرات الشوارع، وتسجيلات المرور، وشهادة السواق اللي نجا من الهجوم.

رجالة مراد رموا سلمى وآدم في عربية نقل قديمة، لأنهم افتكروها موظفة غلبانة ومش هتقدر تعمل حاجة.

ربطوا إيدها في ماسورة حديد.

وسابوا الإيد التانية من غير قيود، لأنهم كانوا شايفين الرعب في عينيها وفاكرين إنها مش هتفكر تقاوم.

وصلوا لمخزن مهجور على أطراف القاهرة.

حطوها هي والطفل في أوضة صغيرة.

وكانوا مستنيين تعليمات مراد.

لكنهم ما كانوش يعرفوا حاجة عن سلمى.

الحاجة الوحيدة اللي ما فتشوهاش…

كانت الجزمة.

فهد قال:

«أبوها كان معلمها من وهي صغيرة إزاي تفتح الأقفال بأدوات بسيطة.»

ياسين بص لسلمى باستغراب.

«المحاسبة؟»

فهد هز راسه.

«أيوه… المحاسبة.»

سلمى قدرت تفك إيدها.

استنت لحد ما صوت الرجالة اختفى من الممر.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى