
كنت في الشهر الخامس من الحمل وشبه مفلسة، واقفة في السوبر ماركت ومعايا في الحساب مية وخمسين جنيه بس، لما خطيبي السابق الغني طلع في وشي ورق أبو مية جنيه وقعد يهني قدام الناس كلها. خطيبته الجديدة فضلت تضحك على بطني المنتفخ وهي شايفة واحدة جنبي بتصورنا بالموبايل. كنت بحاول بكل مجهود أبلع دمعتي وأتماسك، وفجأة لقيت تلاتة بودي جارد ببدل سودة دخلوا السوبر ماركت، وراهم واحد من أباطرة البلد وأكترهم هيبة. ولما مشي ناحيتي مباشرة، شدني لحضنه وباسني قدام الكل، وش خطيبي السابق اتقلب لونه وبقى أبيض كالثلج.
اسمي مريم، عندي سبع وعشرين سنة، حامل في الشهر الخامس، وبحاول أبني حياة جديدة لابني اللي لسه ماجاش بعد ما كل حاجة كنت مؤمنة بيها في الحب اتهدت.
بعد ظهر اليوم ده، كنت واقفة قدام ثلاجة اللبن، ماسكة كرتونة حليب وبحسب كويس أقدر أدفع كام. كنت رجعت البيض مكانه أصلاً لأني محتاجة أشتري الفيتامينات بتاعت الحمل ضروري.
وساعتها سمعت صوت بعرفه كويس قوي.
“يا هلا.. مين هنا؟”
كان شريف واقف على بعد خطوات، لابس جاكيت ماركة عالمية وبنفس الابتسامة المغرورة اللي كنت فاكراها زمان ثقة بالنفس. وجنبه خطيبته الجديدة، الست اللي كان ماشي معها من ورا ضهري واحنا لسه مخطوبين.
عينه نزلت على بطني.
“يااا، يا مريم.. إنتي هملتي نفسك خالص بصراحة.”
شددت إيدي على السلة.
“بعد إذنك، محتاجة أعدي.”
بدل ما يتحرك، شريف طلع ورقتين تلاتة من فئة المية جنيه من محفظته.
“خذي.. اشتري لنفسك حاجة عدلة، وبلاش تفجعي الواد ده بأكل رخيص.”
في ست واقفة جنبنا بطلت تزق عربة التسوق، وواحد تاني طلع تليفونه وبدأ يصور.
بصيت للفلوس وأنا كارهة نفسي لأني محتاجاها فعلاً، بس كنت عارفة لو أخدتها شريف هيفضل طول عمره يقول للناس إنه أنقذ خطيبته السابقة الغلبانة.
“لا، شكراً.”
خطيبته ضحكت بسخرية.
“الاستقلال ده حاجة عظيمة، بس لو كنتي قادرة تدفعي ثمنه صح.”
بصيت لخاتم الألماس اللي في إيدها، نفس الخاتم اللي شريف كان داهولي تقريباً قبل ما أكشف خيانته.
شريف قرب خطوة كمان.
“خليني أخمّن.. واحد ضحك عليكي كلمتين، لبسك الحمل ده، وخلع؟”
حطيت إيدي بحماية على بطني.
“ابعد عني لو سمحت.”
لوح بالفلوس تاني قدام وشي.
“لحد دلوقتي لسه مكابرة ومش عايزة مساعدة؟”
“منك إنت؟ مستحيل.”
ابتسامته طارت من على وشوش الكل.
حطيت اللبن بهدوء جوه السلة.
“أنا ممكن ماكونش معايا فلوس كتير يا شريف، بس على الأقل ابني مش هيربي وهو عارف إن القسوة هي اللي بتعمل البني آدم مهم.”
وشه اسود والناس حوالينا بتتفرج بصمت.
“إنتي في موقف ما يسمحش أصلاً تربي طفل يا مريم.”
زوري ضاق ونفسي اتسحب.
وفجأة الأبواب الأوتوماتيكية فتحت.
دخل اتنين ضخام ببدل غامقة وبيبصوا في الممرات كلها بعين صقر، وراهم واحد تالت، والجو في السوبر ماركت كله هدي فجأة وبقى متوتر.
دخل وراهم سليم المنشاوي.
رجل الأعمال الكبير اللي رجال الأعمال الكبار بيتهامسوا باسمه بدل ما ينطقوه بصوت عالي.
صوابعي جمدت على يد السلة.
من بين كل الناس في مصر.. ليه هو؟
عيون سليم جت في عيوني فوراً، وبعدين بص لشريف والفلوس اللي في إيده والتليفون اللي بيصور.
قرب من غير ما ينطق حرف واحد.
ابتسامة شريف المغرورة اختفت تماماً بالتدريج.
وقبل ما أنطق أو أشرح أي حاجة، سليم وقف قدامي مباشرة، لمس خدي بحنان وباسني قدام الكل.
المكان كله سكت سكوت تام.
لما بعد شوية، كنت بالكاد باخد نفسي.
وبعدين سليم لف ووشه ناحية شريف.
“دلوقتي بقى.. تحب تعيد اللي كنت بتقولهاله من شوية؟”
والطريقة اللي شريف رجع بيها لورا بتردد مفاجئ، أكدت لي إنه عارف كويس قوي مين اللي واقفه قدامه ومين جوزها.
شريف بلع ريقه بصعوبة بالغة، ووشه اللي كان أبيض تحول للون الأصفر المتوتر. صوت خطواته وهو بيتراجع لورا بتردد كان بيتردد في السوبر ماركت كله.
“أنا.. أنا كنت بس.. دي كانت مزارحة يا سي سليم.. والله ما أقصدش حاجة!” شريف قالها بصوت بيترعش ومتوتر لدرجة خلت خطيبته تبصله بصدمة، كأنها أول مرة تشوفه مكسور ومتوتر بالشكل ده.
سليم ما ردش عليه بكلمة واحدة زيادة. بس بنظرة واحدة منه، اتنين من البودي جارد اتحركوا فوراً. واحد منهم قرب بهدوء وطلب التليفون من إيد الشخص اللي كان بيصور، وفي ثواني اتمسح الفيديو واترجّع له التليفون. والتاني وقف قدام شريف بطريقة خلت الراجل يتراجع لورا، وخرج هو وخطيبته من السوبر ماركت بسرعة، والناس كلها وسعت لهم بهدوء.
الناس اللي كانت بتتفرج تفرّقوا في ثواني، وكان الهدوء واضح في المكان.
سليم نزل عينه لمستواي، ومد إيده بحركة هادية مسك السلة البسيطة من إيدي وحطها في إيد واحد من رجاله، وبعدين رجع بص لي بعيون مليانة حنان وقلق غريب، بعيد تماماً عن القسوة اللي كان بيبص بيها لشريف من دقايق.
“إنتي كويسة؟” سألني بصوت خفيض دافئ، كأننا قاعدين لوحدنا في مكان هادي بعيد عن دوشة الدنيا.
هزيت راسي ببطء، ودموعي اللي كنت ماسكاها بصعوبة بدأت تنزل على خدودي من كتر التوتر والضغط. “أنا.. أنا كنت فاكرة إني بقيت لوحدي في الدنيا دي.”
سليم مد صباعه بحنان مسح دمعة نزلت على خدي، وقال بصوت حاسم ما يقبلش المناقشة: “طول ما أنا موجود يا مريم، مستحيل تكوني لوحدك، ولا هسمح لمخلوق على وش الأرض يقلل منك تاني، لا إنتي ولا ابني اللي جاي.”




