قصص

وسادة الحاجة فاطمة#حكايات_شروق_خالد

لم تكن حماتي تملك أي معاش تقاعدي. رعيتها من كل قلبي لمدة 12 سنة كاملة. ومع أنفاسها الأخيرة، سلمتني مخدة قديمة ومقصوصة. وعندما فتحتها، لم أستطع حبس دموعي…
لم يكن لحماتي أي معاش؛ رعيتها لـ 12 سنة وكأنها أمي التي ولدتني… وقبل أن تفيض روحها إلى بارئها، تركت لي مخدة مقصوصة ومهرية، وهي تهمس بصوت ضعيف: “دي علشانك يا مريم…”. لم يفهم أحد في البيت لماذا أعطتني إياها بالذات… حتى جاءت تلك الليلة القاسية وشعرت بشيء صلب مخبأ في أحشائها.
اسمي مريم. تزوجت في سن السادسة والعشرين ودخلت عائلة كانت متفككة بالفعل. توفي حماي في شبابها، وبقيت حماتي “الحاجة فاطمة” معتمدة على نفسها فقط، تربي أولادها الأربعة من عرق جبينها ولقمة العيش الصعبة في إحدى قرى ريف الشرقية. عاشت عمرها كله تفلح في الأرض وتزرع. لم يكن لديها أي تأمين صحي، ولا راحة، وبالتأكيد لم تكن تملك أي معاش تقاعدي.
عندما دخلت العائلة، كان معظم أبنائها قد شغلهم الزمان وأخذتهم حياتهم الخاصة. كانوا يزورونها على فترات متباعدة، وأحياناً يكتفون بمكالمة هاتفية، وأحياناً يمر وقت طويل دون حتى ذلك. وفي النهاية، استقر بها الحال لتعيش معنا في البيت… ومع الأيام، أصبحت أكثر عزلة ووحشة.
كان الجيران يتهامسون كثيراً: “يا عيني يا مريم، دي بقت ممرضة وممرجة للحاجة أكتر من كونها مرات ابنها!”، و”خلينا نشوف كده لما الست الكبيرة تكلّف، عيالها هيفتكروها ولا هييجوا أصلاً؟”. كنت أسمع كل هذا، لكنني أعمل نفسي لا أسمع شيئاً. لأنها بالنسبة لي لم تكن مجرد “أم زوجي”، بل كانت امرأة أفنت عمرها وشبابها وتآكلت مفاصل يديها من أجل أولادها، وفي أواخر أيامها لم تكن قادرة حتى على مسك كوب ماء لتشرب دون أن ترتجف يداها بشدة.
مرت عليّ أيام انهرت فيها أنا الأخرى. كان زوجي يخرج لعمله بالشهور في نوبات عمل طويلة في القاهرة، وأبقى أنا بمفردي مع ابني الصغير والحاجة فاطمة. أطبخ، وأنظف، وأحمّيها، وأغير لها ملابسها، وأصنع لها بليلة دافئة أو مهلبية، وأعطيها علاجها في مواعيده، وكنت أستيقظ في منتصف الليل مراراً لمجرد التأكد من أن صدرها النحيل ما زال يعلو ويهبط. 12 سنة على هذا الحال. 12 سنة وأنا أراقب امرأة كانت كالجبل تصغر وتضعف يوماً بعد يوم.
في إحدى الليالي، ومن شدة التعب والإرهاق المحض، خرت قواي وانفجرت في البكاء بجانب سريرها: “يا أمي… أنا مجرد زوجة ابنك… أوقات بحس إني خلاص مش قادرة أكمل.” لم تتكلم كثيراً، فـ “الحاجة فاطمة” لم تكن يوماً امرأة كثيرة الكلام. فقط طبطبت على يدي بأصابعها الباردة والجامدة من قسوة الزمن وقالت بصوت هادئ: “علشان كده بالذات يا بنتي… علشان كده ربنا هيشوفك بظروف تانية ويجازيكي خير.”
لا أعلم لماذا، لكن كلماتها تلك حُفرت في قلبي. ومنذ تلك اللحظة، صرت أراعيها بحنان أكبر. إن اشتكت من معدتها، عملت لها شربة خضار دافئة. وإن شعرت بالبرد، غطيتها ببطانيتين ثقيلتين وجلست أفرك قدميها الباردتين. وإن أرقها النوم، بقيت بجوارها حتى لو كنت أعلم أنني سأنهار من التعب في اليوم التالي. لم يخطر ببالي يوماً أنها ستترك لي أي شيء. لا أموال، لا قيراط أرض، ولا حتى كلمة “شكراً” رسمية. كنت أخدمها لوجه الله ومن كل قلبي.
لكن الأبناء الآخرين لم يروها هكذا. عندما كانوا يمرون لزيارتها لدقائق معدودة، يجلسون قليلاً، يحضرون معهم كيلو فاكهة، ويقولون نفس الجملة قبل أن يستقلوا سياراتهم ويغادروا: “والله يا مريم كتر خيرك، عندك صبر أوباك!”، و”احنا الصراحة مكانش هيبقى عندنا نفس القدرة دي.”، و”أنتِ عارفة أمي بقى… نشفة ودماغها ناشفة.” كنت أبتسم مجاملة، لكن الكلام كان يقطع في قلبي من الداخل. نعم، كانوا يعلمون أنني أراعيها… لكن لم يبق أحد منهم ليلة واحدة ليرى الليالي الصعبة. لم يسمعها أحد وهي تنادي على زوجها الراحل في مناماتها. لم يرها أحد وهي تبكي في صمت عندما لم تعد قادرة على الخروج للجلوس أمام الباب على “المصطبة” بمفردها.
كان هذا الشتاء الأخير هو الأقسى على الإطلاق. توقفت الحاجة فاطمة عن الأكل، وكانت تتعب لمجرد نطق بضع كلمات. وفي بعض الأحيان كانت تتطلع بنظرها صوب باب الغرفة وكأنها تنتظر أحداً طال غيابه ولن يأتي. في أحد أيام العصر، طلبت مني أن أساعدها لتجلس في السرير. عدّلت لها المخدة القديمة المهرية وراء ظهرها، فجلست تمسح بيديها على أطرافها المقصوصة لفترة طويلة وهي غارقة في تفكير عميق. “مالك يا أمي؟ في حاجة وجعاكي؟” سألتها بلطف. “مفيش يا مريم… مش دلوقت.” لم أفهم ما كانت تقصده.
في تلك الليلة، ساء تنفسها جداً. مسحت عرق جبهتها، ورطبت شفتيها الجافتين بالماء، وبقيت بجوارها بينما كانت طوبة وبرد الشتاء يعصف بشبابيك الغرفة. كان ابني الصغير قد نام، والبيت يلفه هدوء كالمقابر، ولا يُسمع فيه سوى صوت تكتكة الساعة على الحائط… ونفس الحاجة فاطمة الثقيل والضعيف. فجأة، فتحت عينيها وتبادلت معي النظرات. انحنيت عليها بسرعة. “أنا جنبك يا أمي، فيكي إيه؟” رفعت يدها ببطء شديد، وأشارت إلى المخدة القديمة المقصوصة التي نامت عليها لسنوات طويلة، وبهمسة خافتة ومتقطعة قالت: “دي ليكي يا مريم… ليكي أنتِ وبس.” ثم حاولت أن تنطق بشيء آخر، لكنها لم تستطع. سقطت يدها خائرة في يدي… وتوقف صدرها عن الحركة.
انهار عالمي في تلك اللحظة. بكيت وانتحبت متمسكة بالسرير حتى بزغ الفجر. وبعد ساعات قليلة، وصل بقية الأبناء. صراخ، وبكاء، ومكالمات، وجيران يدخلون ويخرجون. وفي وسط تنظيف الغرفة وتفريغ محتوياتها، أمسك أحد إخوة زوجي بالمخدة القديمة ليرميها في كيس القمامة الكبير. بدون تفكير، خطفتها من بين يديه بسرعة. “أوعى… بلاش دي!” “عايزة إيه بالمخدة المقرفة المهرية دي؟ دي مقصوصة ووسخة!”، قالت أخت زوجي بسخرية. لم أعرف بماذا أجيبها، فقط احتضنت المخدة بقوة إلى صدري. لأن هذه كانت آخر كلمات نطق بها لسان الحاجة فاطمة لي. لأنها خصتني بها. ولأنها رغم شكلها القديم والمكتوم بالتراب، جمعت الحاجة أنفاسها الأخيرة لتذكرها بالاسم قبل أن تفيض روحها.
في تلك الليلة، وبعد أن هدأ البيت، جلست بمفردي في المطبخ ووضعت المخدة على الطاولة. كان قماشها منشقاً من إحدى الناحيتين، وريش الناعم القديم يخرج منها، وكانت تفوح منها رائحة النفتالين، وزيت الخزامى… ورائحة الزمن. قلت في نفسي ربما كانت مجرد حركة غير مقصودة منها بسبب سكرات الموت، وداعاً بلا معنى، وكنت على وشك أن أضعها في أعلى الخزانة وأتركها. ولكن بينما أدخلت يدي من الفتحة المقصوصة لأساوي القطن والريش بالداخل، لمست أصابعي شيئاً مدفوناً في أعمق نقطة بالداخل… شيء لم يكن قطناً ولا ريشاً على الإطلاق. كان شيئاً صلباً… وصغيراً… ومغلفاً بقطعة قماش ومربوطاً بإحكام شديد…

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى