
شاف زعيم المافيا موظفة استقبال في فندق وهي بتسرح قدام فستان عمرها ما تقدر تشتريه.. مشيت بعيد، وما كانتش تعرف إنه اتأخذ القرار وخلاص إنه يفتكرها. حكايات شروق خالد.
أول مرة “وفاء” شافت فيها الفستان، وقفت قدام الواجهة لمدة 53 ثانية بالظبط.
وأول مرة “سليم” شاف فيها وفاء، كان بيراقبها وهي بتقضي 45 ثانية من الوقت ده وهي بتقنع نفسها إنها مش عايزاه ولا محتاجاه. حكايات شروق خالد.
محدش فيهم كان يعرف إنه قبل ما الشتا يخلص، هي هتكون الشخص الوحيد في القاهرة كلها اللي تقدر تتعرف على صوت الراجل اللي بيحاول يدمره.
ومحدش فيهم كان فاهم وقتها إن أغلى حاجة سليم هيقدمها لها مش هتكون الفستان.. بل هتكون “الفرصة والاختيار”.
وفاء كان عندها 27 سنة، وبقت شاطرة جداً إنها تتمنى الحاجات في سرها وبسكوت.
ده اللي بيحصل لما تتربى وأنت عارف إن كل جنيه بيوصل إيدك، بيبقى مربوط بمكانه ومحسوب من قبل ما تمسكه. حكايات شروق خالد.
إيجار..
كهربا..
علاج..
أكل وشرب..
مصاريف دراسة..
وطوارئ بتطلع لك من تحت الأرض من غير ما تسألك هي ميزانيتك تسمح ولا لأ!
كانت عايشة في دور تالت من غير أسانسير في حي السيدة زينب، في شقة الدفاية فيها بتكتك وتخبط طول الشتا، وشباك المطبخ بيطل على حيطة طوب حمرا للمبنى اللي جنبهم. حكايات شروق خالد.
الشقة كان فيها أوضة نوم واحدة.
أختها الصغيرة “شهد” كانت بتاخدها لحد ما مشيت وراحت الجامعة.
وفاء كانت بتنام على الكنبة بتتفتح سرير، وفضلت تنام عليها لحد دلوقتي.. لأنها بعد ما شهد عزلت وراحت السكن الجامعي في جامعة القاهرة، وفاء حست إنها لو حولت الأوضة لنفسها هتكون بتصرف فلوس هما متعبوش فيها. حكايات شروق خالد.
على الرف الفوقاني في ضلفة المطبخ، كان فيه علبة قهوة صفيح قديمة.
مكتوب عليها بقلم ماركر أسود:
شهد — الربيع.
جواها كان فيه عشرينات ورقية..
عشرات..
وساعات خمسات..
أي قرش يزيد مع وفاء كانت بتحطه فيها. حكايات شروق خالد.
شهد كان عندها 19 سنة، بتدرس هندسة مدنية، وذكية للدرجة اللي تخلي الدكاترة يفتكروها من أول محاضرة، وفي نفس الوقت عنيدة كفاية إنها تخبي وتدعي إن المنحة مغطية المصاريف أكتر من الحقيقة.
أمهم توفت من خمس سنين.
السرطان أخد كل حاجة تقريباً قبل ما ياخدها هي شخصياً. حكايات شروق خالد.
أخد التحويشة..
ومعاش التقاعد..
وبيتهم الصغير..
ولحد ما أخدها هي في الآخر.
وأبوهم اختفى وسابهم من وقت ما شهد كان عندها 3 سنين، وعمره ما فكر يرجع أو يفتكر إن ليه عيلة.
وعند سن الـ 22، وفاء بصت لأختها اللي عندها 14 سنة وهي قاعدة في كافتيريا المستشفى بتحاول تمسك دموعها وهي بتشرب كوباية الكاكاو، وقررت حاجة بينها وبين نفسها من غير ما تنطقها بصوت عالي:
شهد هتكمل تعليمها..
وعمرها ما هتحس بالذنب عشان محتاجة كتب..
ولا جزمة..
ولا أكل.
وفاء هي اللي هتضمن ده بنفسها. حكايات شروق خالد.
الوعود اللي بنقطعها في سرنا بتبقى هي الأكتر خطورة، لأن محدش بيقدر يقولك أنت شلت الحمل ده لفين أو إمتى كفاية.
ولمدة خمس سنين، وفاء شالت وعدها.
كانت بتشتغل موظفة استقبال في فندق فخم في وسط البلد على النيل، صالونه الكبير دايماً ريحته ورد فل، وملمع خشب، وريحة فلوس متورثة من أجيال. حكايات شروق خالد.
وفاء كانت بتلبس بليزر كحلي بزراير نحاس، ويافطة اسمها المستطيلة:
وفاء العطار — خدمة الضيوف.
كانت أشطر موظفة استقبال الفندق يعينها من سنين طويلة.
مديرها عمره ما قال لها كده.. كان بيفضل يقول عبارات زي “أدائها معقول ومستقر”.
بس الزباين والضيوف كانوا عارفين. حكايات شروق خالد.
وفاء كانت بتفتكر مين محتاج مخدات من غير ريش..
ومين بيكره الأسانسير..
ومين بيحب الأوض اللي في الأركان..
ومين بيحب المجلات والجرايد الورقية عشان الطقوس أهم عنده من التكنولوجيا.
وكانت بتفتكر الوشوش بالذات ببراعة.. مش بالتقريب، بل بالتفصيل الملل!
أول ما وفاء تشوف حد، التفاصيل بتتحفر في دماغها:
ندبة صغيرة جنب الحواجب..
نبرة الصوت ورتمه..
ساعة فضة..
أو حركة لا إرادية زي إنه يلمس أكسسوار القميص الشمال قبل ما يكذب. حكايات شروق خالد.
صاحبتها “تقى”، اللي شغالة جنبها على الاستقبال، كانت بتسمي الموضوع ده “القوة الخارقة المرعبة بتاعة وفاء”.
تقى قالت لها في يوم من الأيام: “المفروض تستغلي الحاجة دي في حاجة تجيب فلوس أكتر.”
وفاء ردت: “زي إيه مثلاً؟”
“الغش في الكازينو.”
“أنا ما بعرفش الكوتشينة بتتلعب إزاي.”
“الابتزاز.”
“ده حاساه معقد أخلاقياً شويتين.”
“الجواز.” حكايات شروق خالد.
وفاء ضحكت وقالت: “ده بقى بحسه معقد أكتر وأكتر!”
كانت تقى بتبص لوفاء بابتسامة وخفة دم، بس وفاء هزت رأسها ورجعت تبص على الشاشة قدامها وهي بتسجل بيانات النزلاء.
في ليلة من ليالي الشتا الثلج، والفندق في غاية الزحمة، دخل راجل هيبته تملا المكان. طابور النزلاء كان طويل، بس هو دخل بثقة وورا أربعة حراس شخصيين ببدل سودا. حكايات شروق خالد.
الكل في اللوبي سكت مرة واحدة، والمدير المساعد أسرع بنفسه عشان يستقبله.
كان “سليم باشا”، الراجل اللي مصر كلها بتسمع عنه وعن شركاته، بس القليلين قوي اللي يعرفوا إن ورا شركات المقاولات والاستيراد دي نفوذ تشيب له الرؤوس وسيطرة مالهاش حدود.
سليم وقف قدام الكاونتر، وعينيه الرمادي الحادة وقعت على وفاء.
وفاء ما اضطربتش، رفعت رأسها وابتسمت بمهنية وهي بتقول: “أهلاً بك يا سليم باشا في الفندق، حجزك في جناح الملكي جاهز زي ما حضرتك بتفضل دايماً.. على الشارع الرئيسي وفي الدور الأخير.” حكايات شروق خالد.
سليم بصلها بهدوء، ولحظها وهي بتبص على حركة إيده.. كان بيلف خاتمه الفضة حولين صباعه بنغمة منتظمة، حركة لا إرادية ما بيعملهاش غير وهو بيفكر في حاجة خطيرة.


