روايات وقصص

الرداء الأبيض ج1 حكايات شروق خالد

عقبال ما الدكتورة نور حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة، كانت العربية الجيب السودة الفحمة الهيبة وقفت جنبها في الحارة. المطر كان نازل يرف ورا القصر العيني، والساعة كانت تلاتة وربع بعد الفجر. بعد نبطشية طوارئ ١٤ ساعة طافحة الكوتة، كانت أكبر عند نور إن مكنة الشيبسي علقت وما رضيتش تنزل الكيس.

فجأة، جثه لافف إيده على البالطو بتاعها، وشدها لداخل باب العربية المفتوح وهو بيهمس: “أنتِ دكتورة.. انزلي معايا.”جوة العربية، كان فيه واحد تاني مرمي على الكرسي الجلد، قميصه غرقان دم أسود. الخوف اتنسى في ثانية وحلت محله الشطارة. وقالت: “يبقى نزل البتاع ده من جنبي، وشغل كل أنوار العربية دي فوراً!”ثانية واحدة، محدش اتنفس. بعدين المضروب قال بصوت واطي: “اعمل اللي بتقوله يا إبراهيم.”أنوار صالون العربية كلها قادت.

نور اشتغلت وايديها زي الحديد، والشوارع برة الشباك بتجري خطوط أصفر وأبيض في المطر. تسأل، وتشوف وعيه، وتكبس على الجرح، وتزعق في السواق كل ما ياخد الغرزة بسرعة. لما الغريب سألها عن اسمها، قالت: “الدكتورة نور.”فضل ساكت ومستني. قالتله: “نور.. وبيقولولي يا نورا.

“ضحكة مكتومة مرت على وشه واختفت في ثانية لما قالتله تاني إنه ممكن يودع لو ما اتلحقش صح. العربية وقفت تحت برج تقيل في الزمالك، والأسانسير الخاص اتفتح على دور كله رجالة ومراقبة. كان فيه حراسة واقفين بنقالة، وطبيب كبير جري عليهم، وهنا نور فهمت إن اللعبة دي مش جديدة عليهم ومتقفلة صح.

المضروب مسك معصمها قبل ما يشيلوه. وقالها: “عفارم عليكِ يا دكتورة.”كانت خلاص هتفتكر إنه بيشكرها. بس وشه خشب فجأة وقالها: “أنتِ ما شفتيش حاجة الليلة دي.. فاهمة ولا لأ؟”نور شطرت إيدها منه بحدة وقالت: “أنا شفت حالة!”بعد ساعة، كانت رجعت شقتها في المعادي.

التلاجة بتزن، وكوباية الشاي في الحوض، وفاتورة النور على التلاجة. كل حاجة زي ما سابتها، والهدوء ده بالذات هو اللي رعبها أكتر. أخدت دوش، وقعدت على أرضية الحمام تتفرج على تليفونها. فكرت تطلب النجدة، وبعدين افتكرت الرجالة، وهو بيفوق، إبراهيم وراه صورة من كاميرا برة المستشفى. وش نور كان باين، وكان فيه حد بيراقبهم وهم بياخدوها. سأل حمزة: “هي فين دلوقتي؟””في بيتها.”حمزة سكت وعينيه ضاقت. الساعة خمسة ونص الصبح، صحيت نور على رزعة باب شقتها وهو بيتكسر. صوت في الصالة قال: “هاتوا أوضة النوم الأول!

وطلبت النجدة وهي بتهمس، ومسكت أبجورة نحاس تقيلة جنب التسريحة بإيديها الاثنين. الباب اتفتح. واحد غريب دخل. وقالها: “كان الأكرم لك تسيبيه يمــ,,ـــــوت.”بعدها بشوية، كانت نور بتتجرجر تاني في شوارع القاهرة في نفس العربية مع نفس الرجالة.

ولما وقفت قدام حمزة تاني، حافية وبترعش من الغل في شقته اللي كلها إزاز ومطلة على النيل، قالها: “محدش يقدر يهوب ناحيتك هنا.”بصتله نور وبصت للدم اللي على هدومها وقالت: “ما ده نفس اللي كنت فاكراه عن بيتي!”حمزة لف شاشة الموبايل ناحيتها.

الصورة كانت لراجل واقف برة المستشفى وفي إيده كارنيه نور. وبعدين ظهرت صورة تانية. المرة دي الراجل كان بيتكلم مع حد نور تعرفه كويس أوي. قربت نور من الشاشة. نفسها اتقطع. كان الدكتور شريف — الدكتور الكبير اللي لسه داخل حالا يتابع حالة حمزة. ومن وراها

جرس الأسانسير رن، والباب الإزاز اتفتح بالراحة. خرج منه الدكتور شريف وهو ماسك شنطته الطبية، ووشه هادي كأنه داخل عيادته. بس أول ما عينيه جت في عين نور، خطوته وقفت، واللون هرب من وشه في ثانية. نور كانت واقفة بصاله ومش مصدقة.

ده الدكتور شريف، أستاذها اللي علمها التشريح في الكلية، الراجل اللي كانت بتعتبره القدوة والأب الروحي ليها في المستشفى. حمزة كان قاعد على الكنبة الجلد، لابس روب أسود، وبيشرب قهوته ببرود أفعى. بص لشريف وقال بصوت واطي يقطع العرق: “أهلاً يا دكتور.

. نورت الزمالك. كنت لسه بتفرج أنا والدكتورة نور على شوية صور كده لسيادتك.”شريف إيده اترعشت، وشنطته كانت هتوقع منه: “حمزة بيه.. أنت فهمت غلط، أنا بس…”حمزة ما إدالوش فرصة يكمل، وبص لنور وقالها: “أستاذك المحترم يا دكتورة، قبــ,,ـــــض التمن من ناس عايزين يخلصوا مني.

هو اللي أدى الميعاد بتعيينات الحركة بتاعتي، وهو اللي باعلهم صورتك وكارنيهك من أرشيف المستشفى عشان لما تصدف وتنقذيني.. يصفوكي أنتِ كمان وما يبقاش فيه أي شاهد على الليلة دي.”نور بصت لشريف بصدمة وقالتله وصوتها بيرتعش: “ليه يا دكتور شريف؟ ده أنا كنت بحلف بحياتك! تبيعني عشان فلوس؟!

“شريف وشه جاب ألوان، وبص للأرض وسكت، ومقدرش يحط عينيه في عينها. إبراهيم دخل من الباب وكتف شريف من غير ما ينطق ولا كلمة، وسحبه لبرة الأوضة. حمزة قام وقف بالراحة، وقرب من نور. كانت بتترعش من الخوف والغضب في نفس الوقت.

طلع من جيبه تليفون جديد كارت، وحطه في إيدها.”ده تليفونك الجديد.. شقتك القديمة خلاص بقت مكشوفة ومش آمنة. من النهاردة أنتِ تحت حمايتي الشخصية، ومفيش مخلوق في البلد دي يقدر يمس شعرة منك.”نور بصتله بحدة وشدت إيدها: “أنا مش عايزة حمايتك! أنا عايزة أرجع لحياتي!

أنا دكتورة بطالع عيني في الطوارئ عشان أنقذ ناس، مش عشان أتدبس في حرب عصابات وناس بت. بعضها!”حمزة ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها حزن داريه: “الحياة اللي بتتكلمي عنها دي انتهت من الساعة تلاتة وربع الفجر يا دكتورة.

أنتِ بقيتي جزء من اللعبة، والسر اللي حماكي زمان.. هو الوحيد اللي هيخليكي عايشة بكره.”قرب منها أكتر ولحس شفته وقال بنبرة هادية بس تخوف: “الناس اللي بعتوا شريف هتوصلهم رسالة النهاردة.. والرسالة بتقول إن الدكتورة نور خط أحمر. ودلوقتي..

أدخلي الأوضة دي استريحي، عشان بكرة الصبح هنبدأ نرجعلك حقك.”#حكايات_شروق_خالدنور دخلت الأوضة وقغلت الباب على نفسها، ورجلها مش شايلاها. قعدت على طرف وشها بين إيديها. الشقة كلها كان فيها هدوء يخوف، هدوء ما يشبهش أبدًا زن التلاجة في شقتها القديمة ولا دوشة المعادي اللي أخدت عليها.

على الساعة تمانية الصبح، الباب خبط خبطتين هاديين. فتحت نور، لقيت بنت في التلاتينات، لابسة طقم نضيف وشكلها مرتب، ماسكة في إيدها شنط هدايا كتير وكوباية قهوة سخنة.”صباح الخير يا دكتورة.. أنا سمر، حمزة بيه بعتني عشان أجبلك هدوم ومستلزمات، والتليفون ده عليه خط باسم جديد مفيش حد يعرفه.

نور بصت للهدوم وقالت بحدة: “هو فين حمزة؟””مستني حضرتك في الصالون برة.. جاهز للفطار.”خرجت نور بعد ما غيرت هدومها، لقيت حمزة قاعد قدام تربيزة سفرة طوييييلة مليانة أكل، ولابس بدلة كحلي معندهاش غلطة، وكأنه مش هو نفس الراجل اللي كان  العربية من كام ساعة.

“اقعدي كُلي يا نور.. اليوم هيبقى طويل.”قعدت نور وقالتله بقلة صبر: “أنا مش هاكل حاجة.. قل لي إيه اللي هيحصل دلوقتي؟ دكتور شريف فين؟ وأنا هفضل محبوسة هنا لحد أمتى؟”حمزة حط الفنجان بالراحة وقال: “دكتور شريف في مكان أمني آمن جدًا.

. بيعترف بكل حاجة وبكل الأسماء اللي زقوه عليا وعليكي. أما بالنسبة ليكي.. فأنادي لغايتك المستشفى النهاردة.”نور اتنفضت من مكانها: “أرجع المستشفى؟! إزاي وأنت بتقول إن فيه ناس عايزين يصفوني؟!”حمزة وقف وقرب منها، وبص في عينيها بثبات: “الهروب هيخليهم يدوروا عليكي أكتر.

إنما لما ترجعي وتدخلي من الباب الكبير وحراستي واقفة برة من غير ما حد يحس، هيعرفوا إنك بقيتي تحت ظلي.. وده هيخليهم يفكروا ألف مرة قبل ما يفكروا يقربوا منك.”مسك مفاتيح عربية حطها قدامها على التربيزة: “دي عربية جديدة بسواق من عندي.

. هيوصلك المستشفى ويرجعك. وأي حد في المستشفى يحاول يضايقك أو يسألك عن غيابك.. قوليلهم إنك كنتِ في مأمورية تابعة لإدارة المستشفى.”نور بصت للمفاتيح، ولأول مرة حسّت إن الخوف بدأ يحل محله حاجة تانية.. قوة غريبة جاية من وجود الراجل ده جنبها.

“ولو حد حاول يعمل حاجة؟” سألته وهي بتبصله بثقة. ابتسم حمزة ابتسامة صغيرة، وطلع طبنجة صغيرة متأمنة وحطها في شنطتها بالراحة: “الزناد ده مش هتحتاجي تسحبيه.. بس لو اضطريتي، افتكري إن حمزة الفولاي ضهرك.”خرجت نور وركبت العربية، وعينيها على البرج وهو بيبعد.

ولما وصلت القصر العيني، دخلت الطوارئ، ولقيت الكل بيبصلها بذهول.. كأنهم شايفين واحدة راجعة من . وفي نفس اللحظة، تليفونها الجديد رن.. وكان فيه رسالة جاية من رقم مجهول فيها صورة ليها وهي داخلة باب المستشفى ومكتوب تحتها:”حمزة مش هيقدر يحميكي جوة العمليات يا دكتورة

نور إيدها اتجمدت على التليفون، وقلبها دق بسرعة رهيبة وهي بتبص حواليها في طوارئ القصر العيني. الزحمة، أصوات السراير، وصريخ أهالي المرضى.. كل حاجة كانت ماشية عادي، بس هي حسّت إن كل عين في المكان بتبصلها وبترقبها. أخدت نفس عميق، وقررت ما تبينش أي خوف.

مسحت الرسالة، ودخلت غرفة الأطباء لبست البالطو الأبيض بتاعها. وفجأة.. الباب اتفتح بسرعة ودخل نابطش النبطشية وهو بيصرخ: “حالة طوارئ سريعة يا نور! دــ,,ـــــادثة عربية ثقيلة على الطريق الدائري وفي حالة نزيف حاد داخلة العمليات حالا، والدكتور الكبير مش موجود!

“جريت نور على أوضة العمليات فوراً، الغريزة المهنية غلبت أي خوف جواها. تعقمت، لبست الجوانتي، ودخلت وهي مركزة ١٠٠٪ في المريض اللي قدامها. بس وهي شغال تحت كشافات العمليات، لاحظت حاجة غريبة. الممرض اللي واقف جنبها بيديها الأدوات كان إيده بترتعش زيادة عن اللزوم، ونظراته عينيه زايدة ومتوترة.

قالت نور بصوت ثابت. الممرض مد إيده ببطء، بس نور لاحظت إن المحلول اللي معلق للمريض لون حُقنته اتغير فجأة.. فيه مادة شفافة بتتحقن في الوريد مش هي اللي طلبتها!في ثانية، نور مسكت إيد الممرض بحدة وزقته لورا: “أنت بتعمل إيه هنا؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى