روايات وقصص

أبناء زينب#حكايات_شروق_خالد

في سنة 1995، اتخلى راجل عن ولاده الخمسة التوائم في بيت صغير على أطراف القرية، وسماهم “لعنة” وعبء عليه! أخد الكام جنيه اللي كانت مراته “زينب” محوشاهم بالعافية عشان جيل الحفاضات واللبن والدوا، وركب أول عربية وسابهم وغرّب من غير ما يلتفت وراه. حكايات شروق خالد.

شالت الأم الحمل كله لوحدها وسط ظروف شقا وفقر يهدوا الجبال. اشتغلت في غسيل الهدوم، وبيع الخضار، وتنظيف البيوت والمطاعم لحد أنصاص الليالي.. كانت بتنام جيعانة عشان ولادها الخمسة (محمد، ومحمود، وسارة، وشيماء، وأحمد) يلاقوا لقمة دافية تأكلهم.

وعلى مدار السنين، كانت دايماً بتقولهم: “أبوكم اختار طريقه، بس اختياره ده ما يقللش من قيمتكم.. أنتوا مش عبء، أنتوا نعمة وبركة من ربنا.” حكايات شروق خالد.

ودارت الأيام ومرت ثلاثين سنة.. وفي خريف 2025، كان الأب قاعد في قعدة عربية وبيسمع التلفزيون وفجأة اتسمر مكانه لما شاف الأسامي مالية الشاشة:

محمد: رجل أعمال ورائد في مجال التكنولوجيا.

محمود: خبير استثماري وكبير مستشارين ماليين.

دكتورة سارة: عالمة وطبيبة أبحاث مرموقة.

شيماء: صاحبة أكبر شركة مقاولات وهندسة.

أحمد: مخترع ورائد في مجال الطاقة النظيفة.

المذيع كان بيتكلم بابتسامة وفخر: “النهاردة الأشقاء الخمسة بيعلنوا عن إنشاء مؤسسة خيرية بـ مئات الملايين من الجنيهات تكريماً لأمهم العظيمة اللي ربتهم لوحدها.” حكايات شروق خالد.

الأب اتصدم.. الولاد اللي سماهم “لعنة” وسابهم في الفقر، بقوا من أكبر وأنجح الشخصيات في البلد، وأمهم اللي سرقها وسابها بتتكرم قدام مصر كلها!

ولأول مرة من ثلاثين سنة، قرر يرجع ويخبط على بابهم طمعاً في عزهم.. بس مكنش يعمل حساب للمفاجأة والمصير اللي مستنيه ورا الباب.

وقف الأب “إبراهيم” قدام باب الفيلا الفخمة في القاهرة وهو بيمسح عرقه، إيده بترتعش من اللخبطة والطمع. خبط على الباب وهو بيظبط هدومه وبيتخيل الفلوس والعز اللي حيعيش فيه بعد كل السنين دي. حكايات شروق خالد.

فتحت له الخادمة وبصت له باستغراب، لكن قبل ما ينطق بكلمة، ظهر الأبناء الخمسة في الصالة الواسعة.. محمد ومحمود وسارة وشيماء وأحمد، واقفين هيبة وعز، وحوليهم هالة من النجاح والثقة.

إبراهيم أول ما شافهم أخد خطوة لقدام وعينيه مليانة دموع تمثيل وقال بصوت مهزوز: “ولادي.. يا حبايب أبوي! أنا أخيرًا لقيتكم! أنا طوال السنين دي كنت بتعذب وعايش في نار، بس كان غصب عني.. الظروف هي اللي أجبرتني أمشي!” حكايات شروق خالد.

الأخ الأكبر “محمد” أخد خطوة لقدام، وشه كان حاد وزي الصخر، خالي من أي مشاعر. بص لأبوه وقال بصوت هادي يحبس الأنفاس: “أنت مين؟”

إبراهيم اتصدم وقال: “أنا إبراهيم يا محمد! أنا أوبكم! اللي دمكم من دمه!”

طلعت دكتورة سارة من وسطهم ورزمت حواجبها وقالت ببرود: “أبونا؟ أبونا اللي ساب أمه تعاني مع خمس عيال رضع؟ أبونا اللي أخد فلوس الدوا واللبن من تحت مخدة أمنا وسابنا للفقر والرمية في عز الليل وسماها ‘لعنة’؟” حكايات شروق خالد.

إبراهيم اتلعثم وقال: “كنت جاهل.. كنت طايش وفريد! بس ربنا سامح، وأنا جاي أطلب رضاكم وأعيش وسطكم في العز ده.. أمكم فين؟ خلوني أشوف زينب وأطلب منها السماح!”

هنا، جه صوت أحمد الصغير، وهو ماسك في إيده ظرف أسود قديم.. بص لأبوه وقال بكل قسوة: “أمنا زينب اتوفت من شهرين.. بس قبل ما تموت، سابت لك الرسالة دي، وكانت عارفة إن طمعك هيجيبك لحد هنا أول ما تشوف أسامينا في التلفزيون.” حكايات شروق خالد.

فتح أحمد الظرف وقرأ وصية أمه الأخيرة بصوت يرن في المكان:

“يا إبراهيم.. لو رجعت في يوم تدور على العيال اللي سميتهم لعنة، فعايزة أقولك إن ربنا حول اللعنة دي لبركة ونور.. ولادي كبروا وبقوا أسياد الناس بتعبي وعرقي، ومش بفضل مليم واحد منك. لو جيت طمعان في عزهم، فبقولك من باب القبر: مالكش عندهم غير الحق اللي أخدته ليلة ما مشيت، ورسالة واحدة من أمهم.. العيلة اللي تتخلى عنها في أضعف لحظاتها، مالكش مكان فيها في أعظم لحظاتها.” حكايات شروق خالد.

سكت أحمد، ومحمود طلع شيك بالفلوس اللي إبراهيم سرقها سنة 1995 مع فرق التضخم، ورماه تحت رجليه وقال: “ده حقك اللي أخدته زمان بالظبط.. خد فلوسك واطلع بره حياتنا، لأن إحنا معندناش أب.. أبونا الحقيقي كانت أمنا اللي شالتنا وحمتنا.”

وقف إبراهيم متصنم ومكسور، بيبص للفلوس المرمية على الأرض ولعياله اللي قفلوا الباب في وشه للابد.. وعرف إن القرار اللي أخده من ثلاثين سنة هدم كل أمل له في الدفا والعز، وإن الخير اللي زرعته الأم هو اللي عاش ونور، بينما الجشع والتخلي ما سابوش له غير الفضيحة والندم. حكايات شروق خالد.

خرج إبراهيم من باب الفيلا ورجليه مش شايلاه، الشيك في إيده بيترتعش وزي الجمرة اللي بتحرق كفه. بيبص للفيلا الفخمة والسور العالي، وحاسس بكسرة نفس وعار عمره ما حس بيه في حياته.

الشارع كان هادي، وكل خطوة بيمشيها كانت بيفكر فيها في الليلة اللي سابهم فيها سنة 1995.. افتكر شكل زينب وهي بتبكي وبتترجاه عشان ينسى الفلوس اللي تحت المخدة وتسيبها للعيال، وافتكر كلمته القاسية لما قال “دول لعنة”. حكايات شروق خالد.

دلوقتي، اللعنة دي هي اللي شالت اسم زينب لفوق، والبركة اللي عملتها أكلت الشارع والعالم كله، وهو بقائه الوحيد في الدنيا هو الشيك اللي ما يسواش حاجة قدام اللحظة اللي كان ممكن يعيشها مع ولاده.

قعد إبراهيم على الرصيف في أطراف الشارع، وحط إيده على وشه وبكى بحرقة، دموع ندم متأخرة مالهاش أي قيمة.

وفجأة الموبايل في جيبه رن.. كان رقم جاره القديم في القرية، رد بصوت مخنوق ومكسور: “أيوة يا أبو أحمد..”

الجاره قال له باستغراب: “إيه يا إبراهيم، صوتك مالك؟ إحنا شفنا الولاد في التلفزيون ومصر كلها بتتكلم عنهم وعن المؤسسة الخيرية اللي عملوها باسم المرحومة زينب! الناس كلها بتدعي لها، وتقول يا بخت اللي ربت وسابت العز ده كله! أنت فين يا راجل عشان نبارك لك؟” حكايات شروق خالد.

إبراهيم ما قدرش ينطق، الكلمة اتخنقت في زوره. مسح دموعه بصعوبة وقال بصوت ميت: “أنا بعيد يا أبو أحمد.. بعيد أوي ومفيش مكان أرجع له.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى