
دخلت وفاء الشقة وهي شايلة علبة الهدايا الكبيرة بين إيديها، حسة بضربات قلبها بتسارع. الشقة كانت هادية، وصوت كتكتة الدفاية القديمة هو الصوت الوحيد اللي مالك المكان.
شهد كانت قاعدة على الطاولة في الصالة، وحواليها الكتب والمراجع بتاعة الهندسة تحت نور اللمبة الضعيف. حكايات شروق خالد.
أول ما شهد رفعت رأسها وشافت العلبة الفخمة في إيد أختها، فتحت عينيها على وسعهم وقامت وقفت باستغراب: “إيه ده يا وفاء؟ أنتِ اشتريتِ حاجة؟ ولا دي هدية من الفندق؟”
وفاء حطت العلبة على الكنبة وقعدت جنبها وهي بتتنفس بصعوبة. حكايات شروق خالد. بصت لأختها وقالت بصوت هادي: “دي هدية من نزيل في الفندق.. سليم باشا.”
شهد حواجبها اترزمت وقربت بفضول وخوف في نفس الوقت: “سليم باشا مين؟ وليه يهديكي علبة كبيرة كده؟”
وفاء فتحت العلبة بالراحة، وطلعت الفستان الأنيق اللي كانت بتسرح فيه قدام الواجهة. الفستان كان أزرق ملكي، خامته ناعمة وقماشه يحكي عن الفخامة والذوق الرفيع. حكايات شروق خالد.
ومع الفستان، كان فيه كارت تاني صغير مستخبي بين الطبقات، مكتوب فيه بخط إيد قوي وثابت:
“يا وفاء.. الفستان ده مش مقابل الخدمة اللي قدمتيها لي، الخدمة دي دين في رقبتي ومش بيرده شوية قماش. الفستان ده مجرد تقدير لكرامتك وعزة نفسك. والفرصة الحقيقية جاية في الطريق.. الشغل معايا يحتاج ناس بذكائك وأمانتك.” حكايات شروق خالد.
شهد قرأت الكارت بصوت واطي، وبصت لأختها وقالت: “وفاء.. الراجل ده مين بالظبط؟ وأنتِ عملتِ إيه في الفندق النهاردة؟”
وفاء حكت لأختها كل اللي حصل من أول ما سليم دخل اللوبي لحد ما كشفت حركة الراجل الخائن وندبته ورتم صوته. حكايات شروق خالد.
شهد مسكت إيد وفاء وقالت بحب وخوف: “أنتِ شاطرة وذكية من يومك يا وفاء، وعمرك ما اذيتِ حد.. بس الناس دول عالمهم يخوف ونفوذهم مالوش أمان. بلاش تدخلي في سكتهم.”
وفاء بصت لعلبة القهوة الصفيح اللي على الرف الفوقاني في المطبخ، العلبة اللي لموا فيها الجنيه فوق الجنيه عشان مصاريف جامعة شهد. حكايات شروق خالد.
قالت وفاء وهي بتبتسم بثبات ونظرة أمل: “أنا مش هدخل في حاجة غلط يا شهد.. بس لو فيه باب حلال ونظيف هيتفتح عشان أأمن مستقبلك وأرحمك وأرحم نفسي من الشقا ده، مش هقفله في وشنا. سليم باشا راجل له هيبة، بس قدر يفهمني من غير ما أنطق كلمة واحدة.” حكايات شروق خالد.
وفي الصبح بدري، صحيت وفاء على صوت جرس الباب. فتحت الباب ولقت راجل ببدلة رسمية من رجال سليم باشا، ماسك في إيده ظرف أسود مقفول ومكتوب عليه اسمها.
سلمها الظرف وقال بكرامة احترام: “سليم باشا بيبعث لك أطيب التحيات، وبيقولك إن موعد المقابلة الساعة واحدة الضهر في مقر الشركة الرئيسي على النيل.. والاختيار بين إيديكي.” حكايات شروق خالد.
قفلت وفاء الباب ومسكت الظرف الأسود في إيدها، وحست بتقل الخطوة اللي جاية. شهد خرجت من الأوضة وهي بتبص للظرف بقلق ورجاء: “وفاء.. هتسافري ولا هتروحي المقابلة دي؟”
وفاء بصت لأختها وابتسمت ابتسامة هادية مليانة ثقة: “هروح يا شهد.. الفرصة لما تكتف بشرع ربنا وبأصولنا، يبقى الجبن إننا نهرب منها.” حكايات شروق خالد.
فتحت الظرف ولقيت جواه كارت مرور خاص ببرج الشراكة الخاص بسليم باشا على النيل، وجنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها: “أمانتك وعينك اللي بتشوف اللي محدش بياخد باله منه، هما رأس مالك عندي.”
لبست وفاء دريس أسود بسيط وبليزر أنيق، وحطت حجابها بنظام ووقار، ونزلت اتجهت لمقر الشركة. حكايات شروق خالد.
أول ما وصلت البرج الزجاجي الشاهق، قدمت كارت المرور، والموظفين في الاستقبال تعاملوا معاها بمنتهى الاحترام والتقدير وكأنهم عارفين هي مين. أخدها الأسانسير الفاخر للدور الأخير حيث مكتب سليم باشا.
أول ما فتحت باب المكتب، لقت سليم واقف قدام الواجهة الزجاجية المطلة على النيل والمدينة كلها تحته. حكايات شروق خالد.
التفت سليم وبصلها بنظرة تقدير وقال بصلابة وهدوء: “اتفضلي يا وفاء.. كنت متأكد إنك هتيجي.”
وفاء قعدت بثبات وقالت: “أنا جيت عشان أعرف طبيعة العرض يا سليم باشا.. أنا بنت بسيطة، وبشتغل بعرقي وبشرفي، وما أقبلش أي قرش مش من حقي.” حكايات شروق خالد.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة وقال: “وهو ده بالظبط اللي أنا محتاجه. أنا مش بعرض عليكِ إحسان ولا صدقة.. أنا بعرض عليكِ تمسكي إدارة مراجعة الأمن الداخلي والخدمات الخاصة لجميع الفنادق والمنشآت التابعة لمجموعتي.” حكايات شروق خالد.
وفاء اتفاجأت وقالت: “بس أنا معنديش خبرة إدارية كبيرة!”
سليم رد بثقة وحزم: “عندك القوة الخارقة اللي مش موجودة عند أكبر الاستشاريين.. دقّة الملاحظة، والذكا، وقراءة الوشوش والنوايا، وقبل كل ده: النظافة والضمير.” حكايات شروق خالد.
سليم كمل وهو بيمد لها عقد العمل بمرتب خيالي ومميزات تحميها وتحمي أختها: “الراجل اللي كشفتيه في الفندق كان ناوي يدمر ثقة عملاء كبار ويورطنا في قضية تزوير وضياع حقوق.. أنتِ حميتي كيان كامل بلمحة عين.” حكايات شروق خالد.
وفاء مسكت القلم ورجلها ثابتة على الأرض، وبصت للنيل من الشباك وافتكرت علبة القهوة الصفيح، وأيام الشقا، وسهر أختها شهد.. وسمّت الله ووقعت العقد.
ورجعت بيتها في السيدة زينب مرفوعة الراس، مش بس عشان الفلوس، لكن عشان أثبتت إن العفة والذكاء والأمانة هما السلاح الحقيقي اللي يرفع صاحبه في الدنيا والأخرة. حكايات شروق خالد.
عدت الأيام وبدأت وفاء شغلها الجديد في البرج، وكانت قد المسؤولية وزيادة. بذكاها ودقة ملاحظتها قدرت تكشف أكتر من ثغرة في نظام أمن المنشآت وتمنع تجاوزات كانت هتكلف الشركة ملايين. حكايات شروق خالد.
سليم باشا كان بيكبر فيها كل يوم عن اليوم اللي قبله.. مش بس عشان شطارتها في الشغل، لكن عشان أخلاقها العالية وعزة نفسها اللي ما تهزتش قدام أي نفوذ أو إغراء. حكايات شروق خالد.
وفي يوم، شهد أختها اتخرجت من كلية الهندسة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وفي حفلة التخرج كانت وفاء واقفة في وسط القاعة ودموع الفرحة في عينيها.. افتكرت علبة القهوة الصفيح، والليالي اللي كانت بتنام فيها جيعانة عشان شهد تلاقي حق الملازم والكتب. حكايات شروق خالد.
وفجأة لقت سليم باشا داخل القاعة بهيبته ومعه باقة ورد كبيرة.. سلم على شهد وهنأها، وبص لوفاء وقال بصوت دافي كله احترام: “النهاردة مش بس يوم نجاح شهد.. ده يوم جناء ثمار تعبك وحنيتك وصبرك يا وفاء.” حكايات شروق خالد.
شهد ابتسمت وبصت لأختها ولـ سليم وقالت: “أنا بفضل الله ثم بفضل وفاء وصلت للهنا.. هي كانت الأب والأم والسند.”
سليم قرب خطوة من وفاء، وبص في عينيها بثبات وقال قدام أختها: “وفاء.. أنا شفت فيكي النظافة والأمانة اللي تدور عليها روح أي راجل بيحلم ببيت دافي وزوجة صالحة ت صون اسمه وبيته.. يشرفني أطلب إيديكِ على سنة الله ورسوله، وتكوني شريكة حياتي قدام ربنا والناس.” حكايات شروق خالد.
وفاء حست بقلبها بيدق بسرعة، والدموع مالية عينيها.. رفعت رأسها بكرامة وابتسمت ابتسامة صافية، وعرفت إن ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً، وأن الصبر والعفة والعطاء مالهمش غير نهاية حلوة وجبر خاطر من ربنا كبير. حكايات شروق خالد.
سر الفستان الأزرق
حكايات شروق خالد



