
سليم عمره ما فتح الكتاب ده من يوم الحادثة.. كان مركون في الرف وخلاص.
قالت ندى ببراءة: “أنا لسه مخلصتش..”
سألها سليم وهو حاسس إن ركبه بتخبط في بعضها: “بتخلصي إيه؟”
“جوابها.. جواب صاحبة الفستان الأزرق.”
سليم ماردش.. اللحظة شلت لسانه وناشف ريقه. فريدة كانت لابسة فستانها الأزرق يوم الحادثة، لما خرجت هي وبنتهم الصغير «كارما» وما رجعوش تاني. مفيش حد على وش الأرض يعرف تفاصيل اليوم ده ولا لون الفستان!
وفجأة، صرخة قطعت الهدوء من الممر، ودخلت رضوى وهي مرعوبة ووشها أصفر زي الليمونة لما شافت بنتها قاعدة فين: “يا لهوي! أنا آسفة جداً يا بيه! والله غصب عني.. لفيت وشي ثانية واحدة لقيتها اختفت!”
بص لها سليم بنظرة حادة وصوت تقيل: “دي بنتك؟”
قالت رضوى وهي بترتعش وركبها بتخبط: “أيوة يا فندم، أنا رضوى عاملة النظافة.. والله عارفة إن ممنوع، أنا آسفة وهلم حاجتي وأمشي حالاً ومش هتشوف وشي تاني..”
قاطعها سليم بصوت حاسم وعينيه متثبتة عليها: “مين اللي حكى للبت دي عن صاحبة الفستان الأزرق؟”
اتسمرت رضوى مكانها، وإيدها اللي كانت ممدودة لندى اتجمدت في الهوا، ونزلت راسها في الأرض والدموع مالية عينيها: “أنا يا بيه.. أنا اللي حكيت لها.”
قرب منها سليم خطوة وسألها بذهول: “وإنتي تعرفي منين؟ إنتي شغالة هنا من إمتى؟”
ردت رضوى بصوت مخنوق بالبكاء: “أنا شغالة هنا من 6 شهور بس.. بس أنا أعرف المدموازيل فريدة الله يرحمها من زمان أوي.. أنا كنت البنت اللي هي ساعدتها لما كنت في دار الأيتام، وهي اللي وقفت جنبي وجوزتني، ولما اتطلقت ورماني جوزي في الشارع وبنتي معايا، كانت هي الشخص الوحيد اللي بيسأل عليا وبتبعت لي مصاريف.”
اتوسعت عين سليم وهو بيسمع، ورضوى كملت ودموعها نازلة كبس: “اليوم اللي حصلت فيه الحادثة.. الهانم كانت جاية لي، كانت كاتبة جواب لحضرتك في كتابها المفضل، وكانت قايلا لي إنها سايبة الجواب ده في الصفحة الأخيرة من كتابها في المكتب، عشان لو حصل لها حاجة أعرف أتوصل لك وأقول لك إنها كانت بتحبك لآخر لحظة، وإنها كانت رايحة تتبرع للدار باسمك عشان تفرحك.. الجواب ده كان رسالة صلح لك يا بيه قبل ما تخرج من البيت وتتخانقوا.”
سليم وقف مبهوت، كلام رضوى نزل عليه زي الصدمة اللي فوقت قلبه بعد 3 سنين جفاف. عينيه راحت للورقة اللي في إيد ندى الصغيرة، وبعدين بص لـ رضوى اللي واقفة بترتعش خايفة من الطرد والبهدلة.
قرب سليم من بنتها ندى، ونزل على ركبته لمستواها، وبص للورقة اللي مكتوب فيها بخط فريدة: “سليم.. لو بتقرأ الكلام ده، اعرف إني بحبك، وأن كل خطوة بعملها هي عشان تكون فخور بيا…” وتحت الخط ده، كانت فيه شخبطة ندى الصغيرة باللون الوردي.
أخد سليم نفس عميق، ولأول مرة من 3 سنين، ابتسم ابتسامة خفيفة وسط دموعه، وبص لـ رضوى وقال بصوت هادي أوي:
“متخافيش يا رضوى.. إنتي مش مطرودة. من النهاردة إنتي مسؤولة عن إدارة الدار اللي كانت فريدة بتبنيها.. وندى هتروح أحسن حضانة في مصر على حسابي.”
بصت له رضوى ومش مصدقة نفسها من الفرحة والدموع مغرقة وشها، في حين ندى بصلته وابتسمت وقالت بطفولة: “كده صاحبة الفستان الأزرق مش زعلانة خلاص؟”
مسح سليم دمعه وطبطب على رأس ندى وقال: “لا يا حبيبتي.. بفضلك إنتي، هي مرتاحة دلوقتي.”
#حكايات_شروق_خالد
مرت الأسابيع بعد اليوم ده، وحياة “سليم الألفي” اتغيرت تماماً.. المكان اللي كان زي المقبرة بقاله 3 سنين، دبت فيه الروح من جديد.
رضوى مسكت إدارة دار الأيتام اللي كانت فريدة بتحلم تبنيها، وبقت بتشرف على كل كبيرة وصغيرة بنفسها وبتراعي البنات والولاد زي ما فريدة كانت بتراعيها زمان. وندى الصغيورة دخلت أحسن حضانة في القاهرة، وبقت كل يوم بعد الظهر تعدي على سليم في المكتب قبل ما تروح مع أمها.
في يوم من الأيام، سليم كان قاعد في مكتبه، الباب اتفتح بالراحة ودخلت ندى وهي شايلة في إيدها كراسة رسم جديدة ومعاها علبة ألوان جليتر بتلمع.
طلعت جَري وقعدت على نفس الكرسي الجلد الكبير، وبصت لـ سليم بابتسامتها العفوية وقالت: “عمو سليم.. أنا رسمت رسمة جديدة لـ صاحبة الفستان الأزرق.”
سليم ساب الأوراق اللي في إيده، وقرب منها، ونزل على ركبته جنب الكرسي وبص للكراسة. كانت الرسمة عبارة عن شجرة كبيرة، وتحتها ست بتفستان أزرق ماسكة إيد بنوتة صغيرة، وفوقهم فراشة بينك بتطير في السحاب.
دقق سليم في الرسمة وابتسم من قلبه، وقال لها بصوت دافئ: “جميلة أوي يا ندى.. بس قوليلِي، إيه الفراشة البينك دي؟”
ردت ندى بطفولة وبراءة: “دي الفراشة اللي جت لي في الحلم، وقالت لي إن صاحبة الفستان الأزرق طايرة مبسوطة في السحاب عشان إنت خلاص مابقتش زعلان، وقالت لي أقولك إنها هيفضل قلبها جنبك دايماً.”



