
في سن الثمانين تقريبًا، الحاج عبد الرحمن المنياوي حمّل المهرة العاجزة بتاعته اللي بتودّع الدنيا وعندها 26 سنة في عربية نقل عشان ياخدها في آخر مشوار ليها.
الدكتور البيطري كان قايله خلاص على الخبر اللي بيموت من الخوف.. “زينب” خلاص جابت آخرها، رجليها بيترعشوا تحتها، وعينيها غامت وما بقتش قادرة تشيل طولها، وخلاص جه وقت الوداع.
بس الحاج عبد الرحمن — الراجل اللي ملايين من الناس عرفوه وعلقت معاهم شخصيته في التلفزيون — ما كانش متقبل الفكرة نهائي. مش لأنه ناكر ومستكبر على قضاء ربنا، لا.. بس عشان كان فاضل دين ووعد لازم يوفيه قبل ما تقابل وجه كريم.
قال وهو بيغالب دموعه وصوته رايح: “مش دلوقت.. فيه مكان لازم تروحه الأول.”
الكلام ده كان سنة 93.. فات عشر سنين على آخر تمثيلية ومسلسل عملهم، الحاج عبد الرحمن كان عجز ومخلّص الـ 78 سنة، وزينب عندها 26 سنة — وده سن مهول بالنسبة لخيل.
على مدار قريب من عشرين سنة، كانت حتة من قلبه وروحه.
بس قبل ما تبقى فرسة الحاج عبد الرحمن الخاصة، الناس كلها كانت عارفة الفرسة الشقية دي من الشاشة وهي بتت نطط في الاستوديو.
نده على ابنه وقال له: “تعال يا إبراهيم يا بني، محتاجك معايا.”
سأله إبراهيم: “في إيه يا أبا؟”
قال له: “هاخد زينب في مشوار.”
إبراهيم كان شايفها وعارف هي قد إيه تعبانة وميتة من التعب: “يا أبا.. دي بالعافية واقفة على طولها!”
رد عليه بكلمتين ما فيهمش فصال: “نزلوني على أرض المزرعة القديمة.”
مكان التصوير.. الاستوديو والأرض اللي كانوا بيصوروا فيها زمان. المباني اتهدت، الكاميرات اتقفلت والأنوار اتطفت، والناس مشت وكل واحد راح لحاله من سنين.. بس الحاج عبد الرحمن كان لسه فاكر الشجر والممرات، وجواه يقين إن زينب هي كمان فاكرة كل ده.
“تستاهل تشوف المكان أخيرًا.”
إبراهيم سأله: “تشوف إيه بس يا أبا؟”
رد عبد الرحمن من غير ما يفكر ثانية: “بيتها.”
فرشوا العربية من جوة قش ومخاد كويس، وزينب كانت مهدودة لدرجة إن كذا راجل شالوها بالعافية عشان تركب. عبد الرحمن ما فارقهاش لحظة، كان بيمسح على شعرها ويهمس في ودنها: “آخر جدعنة ومغامرة يا حبيبتي.”
وصلوا هناك.. لا فيه كاميرات ولا أضواء ولا مخرج بيزعق ولا هيصة ولا دوشة.. مجرد أرض واسعة وشجر وصمت يوجع القلب.
وفجأة حصلت حاجة تجنن.. أول ما زينب لمست رجلها الأرض، رفعت رأسها لفوق، وودانها اتحركت لقدام.. وفي ثانية واحدة الفرسة العجوزة المهدودة شكلها اتغير تمامًا.
عبد الرحمن كان بيبص عليها ومش مصدق عينيه.. بدأت تمشي ببطء وبتقل، بس بخطوات قاصدة اتجاه الأرض اللي كانت بتجري فيها زمان. مشي جنبها وبيشاور لها على أماكن بقت مجرد ذكريات: “هنا كان المربط.. وهنا كانت الخيمة بتعتنا.”
مد إيده في جيبه وطلع تفاحة بلدي.. زينب خدتها منه بالراحة خالص زي ما كانت بتعمل زمان وهي صبية.
صوت الحاج عبد الرحمن بدأ يتخنق بالبكاء: “إنتي ما كنتيش مجرد ديكور في شغلي يا زينب.. إنتي كنتي حتة من أهلي وناسي.”
عشان بعد ما التصوير خلص زمان، عبد الرحمن ما سابهاش تروح في أي حتة ولا يبيعها.. خدها عنده في البيت، بقت جزء من يومه وشايلها في عينيه.
ولما مراته عائشة توفاها الله وسابته، زينب هي اللي كانت معاه كل يوم الصبح.. تستناه من غير سيناريو ولا جمهور ولا صقفة.. مجرد صحبة دافية وونس.
وقفت زينب جنب الحاج عبد الرحمن ومالت برأسها على كتفه.. مشهد لراجل عجوز وفرسة في آخر أيامها واقفين في مكان ذكرياتهم، بس المرة دي ما فيش كاميرات ولا تمثيل.. ده عبد الرحمن بيبكي وبيودع أجدع صاحبة وعشرة عمر.
فضلوا هناك ساعات.. يمشوا بالراحة، ويتكلموا، ويفتكروا. ولما جه وقت المروح، زينب وقفت مكانها ورزعت رجليها في الطين.. مش عايزة تتحرك.
ابتسم عبد الرحمن وقال لها: “عارف يا زينب.. ولا أنا كمان عايز أمشي.”
وبعدين قال لها الكلمة اللي أي حد رَبى روح وعاشرها بيقولها وهو مش مستعد للوداع: “هنرجع تاني.”
بس ساعات بنقول الوعود دي عشان قلبنا الموجوع محتاجها في اللحظة دي.. مش عشان بنقدر ننفذها.
بعد أسبوع تقريبًا، زينب ما بقتش قادرة تقف خالص.. قعد عبد الرحمن جنبها في الأرض، رأسها في حضنه، والدكتور بيجهز الحقنة الأخيرة.. عبد الرحمن همس لها: “شكراً على أيام زمان.. شكراً على كل لحظة حلوة.. وشكراً إنك كنتي الفرسة بتاعتي.”
وسلمت روحها زينب.. ودفنها عبد الرحمن في أرضه تحت شجرة توت كبيرة.
القصة ما خلصتش هنا.. عبد الرحمن عاش بعد زينب 18 سنة، واتوفى وهو عنده 96 سنة.. وقبل ما يموت، وصيته الأخيرة كانت إنهم يرجعوه للصاحبة اللي فضلت مستنياه في الصباحات الهادية.
يمكن عشان كده القصص دي بتعلم في قلوبنا.. عشان الشهرة والجوائز والتلفزيون بيمشوا وبيغطيهم التراب.. بس اللي بيفضل في الآخر حاجة أبسط بكثير: راجل، وفرسته، وسنين طويلة من الجدعنة والأصل.
ولو فيه مكان تاني بعد العمر ده بنتقابل فيه مع اللي بنحبهم.. اكيد فيه غيط واسع.. زينب مش عجوزة فيه ورجليها مش بتوجعها.. والحاج عبد الرحمن ماشيلها بابتسامته وبيقولها: “صباح الفل يا زينب”.. يركب على ظهرها، ويسرحوا سوا من جديد.
#حكايات_شروق_خالد
ويوم ما السر الإلهي طلع، والحاج عبد الرحمن سلم روحه للي خلقها، إبراهيم ابنه كان عارف الوصية وحافظها صم.
الحاج ما طلبش جنازة مهيبة ولا عزا يلم كبارات البلد.. طلبه كان بسيط زي روحه.




