روايات وقصص

الكباره وبنت الشغالة#حكايات_شروق_خالد

مريم نزلت على ركبتها في الأرض قدام البت الصغيرة—تمام زي ما الحاج منصور عمل معاها من سنين طويلة—وابتسمت لها وقالت:

«اسمك إيه يا شاطرة؟»

البت ردت بصوت خافت:

«نورة..»

دموع مريم نزلت بالراحة، وبصت للسما وابتسمت، وعرفت إن الخير سلسلة ما بتنقطعش، وإن الكلمة الطيبة والرحمة اللي تزرعها في قلب طفل، بتعيش وتكبر وتغير العالم حتى بعد ما أصحابها يمشوا.

السنين كملت دورانها، ومرت الأيام والشهور..

عيادة “نورة للخير” بقت ملاذ لكل حد ضاقت بيه الدنيا في المنطقة. مريم ومكافحتها مع أمها سعاد بقوا حديث الناس، ودعوات الغلابة في السيدة زينب مابتقطعش.

وفي يوم، والعيادة زحمة كالعادة، دخل شاب في الثلاثينيات باين عليه الشقا، شايل أبوه العجوز بين إيديه وهو بيصرخ والدموع مغرقة وشه:

«الحقوني! أرجوكم حد ينقذ أبويا!»

مريم جرت فوراً وفتحت أوضة الكشف، ودخلوا الراجل العجوز اللي كان بين الحياة والموت.. وبعد ساعتين شغل وتعب متواصل، ربنا كتب له عمر جديد واستقرت حالته.

خرجت مريم تمسح عرقها وتهدي الشاب:

«اطمن يا إبنه، والدك عدى مرحلة الخطر وبقى بخير الحمد لله.»

الشاب نزل على ركبه في الأرض وبكى من الفرحة، وقال بصوت مخنوق:

«أنا مش عارف أوفيكي حقك إزاي يا دكتورة.. أنا معاييش فلوس أدفعها، ولا حيلتي غير عافيتي.»

مريم رفعت الشاب بالراحة وقالت له:

«العيادة دي اتفتحت بدعوات الغلابة وبخير راجل علمني إن القيمة مش في الفلوس، القيمة في الرحمة. ابتكار للخير وبس.»

الشاب رفع رأسه وبص في وش مريم بذهول.. ولما عينيه جت على صورة الحاج منصور القناوي المتعلقة في صالة العيادة، اتسمر مكانه ورجليه شالته بالعافية.

«هو.. هو الراجل ده صاحب العيادة؟»

مريم ابتسمت وقالت:

«ده الحاج منصور.. أستاذي وأبويا الروحي.»

الشاب وشه جاب ألوان الطيف، ودموعه نزلت أشد من الأول وقال بصوت بيرتعش:

«أنا.. أنا شريف.. ابن الراجل صاحب السلسلة الدهب اللي الحاج منصور طرده من بيته زمان عشان هان أمك!»

العيادة كلها سكتت.

كمل شريف وهو بينتحب:

«من اليوم ده وأبويا انكسر وحياته اتغيرت، وقبل ما يموت وصاني أندم وأستغفر عن اللي عمله.. والنهارده، ربنا بيساقني ليكي عشان بنته هي اللي تنقذ حياته! سبحان من يغير ولا يتغير.»

مريم بصت لسعاد أمها اللي كانت واقفة جنبها، وسعاد هزت رأسها بابتسامة تسامح صافية.

مريم طبطبت على كتف شريف وقالت له:

«ربنا بيسامح ويغفر يا شريف.. والحاج منصور علمنا إننا ما نردش الإساءة بإساءة، لكن نردها بالخير. أبوك زي أبويا، وخدمته فرض عليا.»

في اللحظة دي، مريم أدركت إن الدائرة اكتملت تماماً.. إن بذرة الخير والعدل اللي زرعها الحاج منصور يوم ما نزل على ركبتها قدام بت صغيرة، ما أنقذتش بس عيلة سعاد.. دي طهرت قلوب الناس ونضفت حارات كاملة من الغل والحقد.

وعرفت إن الحكاية مش حكاية مواقف بتعدي، دي حكاية أثر بيعيش.. وحسنة بتترد لو بعد حين.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى